عن الجنيه ومستويات المعيشة والعقارات.. «مدى مصر» يقرأ فنجان الاقتصاد في العام الجديد
 
 

يحمل سانتا كلوز الهدايا للأطفال وربما يحقق بعض الأمنيات للبالغين ممن يؤمنون بوجوده، لكنه بالتأكيد إذا أراد أن يقلل من هموم المصريين في 2019 سيحتاج إلى أن يُحضر معه محللين اقتصاديين قادرين على استشراف المستقبل.

كان عام 2018، رغم ما شهده من رفع للأسعار، أهدأ نسبيا من العامين السابقين اللذين طُبقت فيهما إجراءات تسميها الحكومة وصندوق النقد بـ «الإصلاحية»، قادت التضخم لأعلى مستوياته منذ الثمانينات.

بعض المصريين تكيفوا مع غلاء المعيشة بالضغط لزيادة أجورهم مع ترشيد نفقاتهم الاستهلاكية، وآخرون طرحتهم «الإصلاحات» أرضًا وسقطوا تحت خط الفقر. ويلتقي الجميع على أسئلة حائرة عن المستقبل القريب، هل نحن على أبواب تخفيض جديد للجنيه أم ستتماسك العملة المحلية في خضم أزمة الأسواق الناشئة؟

هل نتفائل بالمشروعات الضخمة على غرار العاصمة الإدارية الجديدة أم أننا نخلق فقاعة عقارية قد تتسبب في أزمة مالية في وقت لاحق؟ لماذا لا نشعر بثمار النمو الاقتصادي وفائض الموازنة العامة اللذان تتحدث عنهما الحكومة؟ ولماذا تشعر الحكومة بأنها نجحت تحت وصاية الصندوق في الوقت الذي اقتربت فيه ديوننا الخارجية من 100 مليار دولار؟

هذه الأسئلة وغيرها طرحناها عشية أعياد الميلاد على الخبير الاقتصادي أحمد شمس الدين، والصحفي والباحث الاقتصادي وائل جمال، في مائدة حوار نظمها «مدى مصر» حول توقعات الاقتصاد المصري في 2019.

الاحتياطيات وحدها لا تكفي

لا يبدو أحمد شمس الدين، الخبير في تحليل الاقتصاد الكلي لمصر، قلقًا بشأن العملة المحلية، فهو يرى أن الجنيه ليس مُقبلًا على تعويم قوي كالذي شهده في نوفمبر 2016، عندما فقد أكثر من نصف قيمته أمام الدولار، لكنه في الوقت ذاته لا يعتبر أن احتياطيات مصر الضخمة من النقد الأجنبي تعكس صورة مشرقة للمستقبل.

يتوقع بعض المحللين أن يترك البنك المركزي الدولار يرتفع بوتيرة أقوى من تلك التي تم الاعتياد عليها بعد تعويم نوفمبر، لكن الزيادة المتوقعة لن تكون صادمة مثلما حدث في 2016، حيث يذهب البعض إلى أن الدولار قد يصل في العام الجديد إلى 19 جنيهًا، مقابل نحو 18 جنيهًا حاليًا.

ويقول شمس إنه من الصعب التنبؤ بسياسات البنك المركزي، لكن المؤكد أن الوضع المالي في البلاد لا يشير إلى تراجع كبير في قيمة الجنيه لأن «فجوة التمويل الخارجي للفترة المقبلة، والتي عادة ما نقيسها بحساب التزامات الدين الخارجي على مصر، مضاف إليها العجز الجاري المتوقع،  تقع في حدود 12 مليار دولار. وبالنظر إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي وصلت إلى 44.5 مليار دولار، فإن مصر تستطيع سداد التزاماتها بشكل مأمون وتغطية احتياجات استيراد السلع الأساسية».

لكن هذه الاحتياطيات الضخمة لا تكفي لتمويل النمو الاقتصادي المطلوب لتوفير فرص العمل الكافية لتشغيل العاطلين، كما يضيف شمس، الذي يقدر أن البلاد تحتاج لمعدل نمو سنوي في حدود 9%، لتوفير فرص عمل للداخلين الجدد للسوق، «الموارد الدولارية غير كافية لتمويل النشاط الاقتصادي حتى يصل الاقتصاد إلى معدلات مناسبة من النمو».

تعتبر احتياطيات النقد الأجنبي خلال الفترة الأخيرة في أفضل وضع لها منذ ثورة يناير، حيث كانت قد بدأت في التدهور في أعقاب 2011 وعادت للتراكم باضطراد منذ تعويم الجنيه، لكن شمس يرى الوضع المالي للبلاد لا يزال أسوأ مما كان عليه قبل الثورة، وأنه لا يجب الانخداع بالأرقام.

«قبل 2011 كانت لدينا احتياطيات تقدر بنحو 35 مليار دولار (رقم أقل من الاحتياطيات الحالية)، لكنها كانت تأتي من موارد مالية مملوكة لنا، مثل أنشطة السياحة والاستثمار الأجنبي، حتى حصيلة الخصخصة وبالرغم من أنها كانت موارد غير متجددة لكنها كانت تخصنا، وليست من الديون والالتزامات المالية التي يجب أن نسددها في وقت لاحق».

التمويل الخارجي لم يعد مضمونًا

ما يقلل من المخاوف بشأن الاستناد إلى الديون الخارجية، في رأي شمس، أن نحو 40% منها ديون ميسرة (من مؤسسات التمويل الدولية) الفائدة عليها في حدود 1.5%، «أما الجزء الذي يثير القلق حقا فهو السندات الدولارية والتي تُسعر بأسعار السوق، وتتراوح قيمة الديون المستندة إلى هذه السندات ما بين 18 إلى 20 مليار دولار»، كما يقول الخبير الاقتصادي، موضحًا أن الاعتماد على السوق الخارجي لتوفير مصادر التمويل الأجنبية لن يكون مأمونًا في الفترة المقبلة في ظل تصاعد أزمة الأسواق الناشئة.

وتعاني الأسواق الناشئة من أزمة ناتجة عن السياسات التي اتبعتها أمريكا بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، فقد اتجهت الولايات المتحدة للحفاظ على أسعار الفائدة عند مستويات متدنية بشدة للتشجيع على الاقتراض، ومن ثم تحفيز الاستثمار وحماية البلاد من مخاطر الركود التي كانت تلوح في الأفق.

ومع تحسن الاقتصاد الأمريكي، اتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) لزيادة الفائدة بوتيرة سريعة، وهو ما شجع المستثمرون في الأوراق المالية على الخروج بسرعة من الأسواق الناشئة والعودة إلى السوق الأمريكي، مما خلق ضغوطًا قوية على تلك الأسواق.

وبجانب ذلك كان هناك أثر سلبي آخر يتعلق بارتفاع الفائدة على الديون الخارجية للدول النامية مع التوجهات الجديدة للبنك الفيدرالي، وهو ما ينذر باحتمال الدخول في أزمة مشابهة لأزمة مديونية العالم الثالث، التي عاشها الاقتصاد العالمي في الثمانينات، إذا لم يتم احتواء الوضع الحالي.

وبينما يرى  طارق عامر محافظ البنك المركزي أن بلادنا كانت في «مأمن» من تلك الأزمة، فإن محمد معيط وزير المالية لم ينكر أن «أرقامًا فلكية خرجت من مصر» في ظلها، في إشارة إلى تخلص المستثمرين الأجانب من استثماراتهم في أوراق الدين المصرية، لكن الاحتياطيات من النقد الأجنبي كانت تزيد بسبب «قوة برنامج الإصلاح الاقتصادي»، حسب وزير المالية.

أما شمس فيُرجع ارتفاع الاحتياطيات من النقد الأجنبي رغم تأثير أزمة الأسواق الناشئة على مصر إلى اعتماد البنك المركزي بقوة على الرصيد الدولاري الموجود لدى البنوك التجارية، لتغطية خروج الأجانب في الفترة الماضية.

ويحذر الخبير الاقتصادي من أن هناك العديد من المؤشرات ترشح تلك الأزمة العالمية للتصاعد في الفترة المقبلة، لذا فهو يرى أن تحسين قدرات مصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بات أمرًا مُلحًا.

لكن واقع أداء الحكومة في الفترة الماضية يعكس قصورًا في جذب الاستثمارات المباشرة (المتمثلة مشروعات إنتاجية أو خدمية) مقابل الميل للإفراط في الاستدانة، وهو ما يحد من الآمال في تنفيذ وصية شمس لتخفيف أثر أزمة الأسواق الناشئة حال تفاقمها، فقد عجزت الحكومة عن تحقيق مستهدفاتها بالوصول بصافي تلك الاستثمارات سنويا إلى 10 مليارات دولار.

الهوس بالمؤشرات المالية

يبدو الاقتصاد المصري في 2019  في وضعية محلك سر، قادر على الوفاء بالتزاماته ولكنه مثقل بالديون التي تضعه أمام مستقبل غير مأمون، يحقق معدلات نمو معقولة ولكنه مكبل بالتزامات خارجية تمنعه من الانطلاق لتلبية احتياجات القاعدة العريضة من السكان.

لكن المأزق الحالي لا يقتصر على هذا البُعد، كما يرى وائل جمال، الصحفي والباحث الاقتصادي، وإنما تحتاج مكونات النمو الاقتصادي المتحقق إلى مراجعة، فعلى الرغم من أن السنة المالية 2017–2018 شهدت معدل نمو هو الأعلى منذ عشر سنوات، حيث وصل إلى 5.3%، إلا أن الحافز الأساسي وراءه كان عمليات الاستخراج التي سجّلت نمواً بنسبة 8.6%، وساهمت بنسبة 15.8% من إجمالي معدل النمو السنوي، وهي من الأنشطة التي لا تتسم بكثافة العمالة. وهو ما يأتي عكس الدعاية التي تزعم أن مصر تحقق نموًا شاملًا أي أن ثماره توزع على أكبر قاعدة من المواطنين.

ويرى جمال أن السياسات الاجتماعية في الفترة المقبلة ستظل عاجزة عن الاهتمام بمصالح الطبقات العريضة في ظل هيمنة الأهداف المالية على الحكومة، وعلى صندوق النقد الدولي الذي ترتب معه مصر سياستها الاقتصادية في إطار اتفاقية الحصول قرض بقيمة 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، تمتد من 2016 إلى 2019.

وينتقد جمال تفاخر الحكومة بتحقيقها فائضًا أوليًا في الموازنة العامة، والمقصود به الفرق بين النفقات والإيرادات بعد استبعاد خدمة الديون، «ما الذي يعنيه هذا المؤشر إذا كانت مصروفات خدمة الدين تقترب من 40% من إجمالي المصروفات؟».

وعند حديثه بشكل مفصل عن السياسات الاجتماعية تحت ما يسمى ببرنامج «الإصلاح الاقتصادي» الذي يتبناه الصندوق والحكومة منذ نوفمبر 2016، يصف الباحث الاقتصادي مسؤولي الحكومة المصرية بأنهم «ملكيين أكثر من الملك».

ويقول جمال إن «الصندوق كان أكثر عقلانية من الحكومة في الفترة الأخيرة (بشأن سياسات التقشف)» ، ويتدخل شمس مؤكدًا اتفاقه مع جمال في وجهة نظره قائلًا إن «الصندوق لم يطلب مثلا زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق».

ويضيف جمال في هذا السياق أن «هناك العديد من الأهداف التي تم الاتفاق عليها بين الحكومة والصندوق لم تتحقق، منها هدف يتعلق بالإنفاق على دور الحضانة لتشجيع المرأة على الاندماج في سوق العمل، وهو إجراء قد يراه البعض إصلاحًا محدودًا، لكن حتى هذا الإجراء كان هناك تراخٍ في تنفيذه، فالأهم بالنسبة للحكومة سد عجز الموازنة».

حالة الهوس لدى البعض بالمؤشرات المالية الكلية على حساب التطرق إلي التفاصيل تقلق شمس أيضًا، فهو يري أن تعزيز الطلب المحلي في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي قد يكون التوجه الأنسب، خاصة وأن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة قد أثرت على القدرة الشرائية للطبقات التي تشكل الطلب الأساسي للشركات الصغيرة والمتوسطة، وهذه الشركات تمثل أكثر من ٩٠٪ من التشغيل.

ويضيف شمس أن «ميزانية برامج الدعم النقدي تكافل وكرامة كانت في حدود 16 مليار جنيه في العام الماضي، ويمكن مضاعفة هذا الرقم في الفترة القادمة خاصة إذا تم تخفيض سعر الفائدة المحلية (بما يتيح مزيد من الموارد التي يمكن إنفاقها في هذا المجال). هذه المساعدات ضرورية، بمنطق اقتصادي وليس إنساني فقط، لأنها تحفز الطلب».

زيادة الفقر وركود في القطاع عقاري

ونحن على مشارف العام الجديد، نشرت صحيفة البورصة مؤشرات أولية عن بحث الدخل والإنفاق الجديد الذي طال انتظاره، فمنذ بدء «برنامج الإصلاح الاقتصادي» لم تخرج الدولة بيانات جديدة عن الفقر، وبحسب التقرير فإن نسبة الواقعين تحت خط الفقر ارتفعت من 27.8% في 2015 إلى نحو 30%.

ويؤكد جمال أن النسب التي يقدمها بحث الدخل والإنفاق تقل كثيرًا عن حقيقة وضع اللامساواة في مصر، في ظل عجز الباحثين القائمين على هذا البحث عن الوصول لكل من الشرائح المهمشة الأقل إنفاقًا والشرائح العليا الأعلى إنفاقًا، موضحًا أن بيانات بحث الدخل والإنفاق الذي أجري في 2015 لم تكن تعكس الواقع، لأنه بموجبها «يعتبر الفرد الذي ينفق أكثر من 1600 جنيه في الشهر من أغنى 10% في مصر، أما أغلى وحدة سكنية في عينة هذا البحث فكانت شقة في مصر الجديدة».

وفي هذا السياق يرى جمال أن المصريين سيظلون تحت ضغوط معيشية في العام الجديد، في ظل اهتمام الحكومة بالمؤشرات المالية على حساب السياسات الاجتماعية.

وحتى مع توسع الدولة في مشروعات إنشائية مثل العاصمة الإدارية الجديدة تساهم في توفير فرص العمل، والتي قد تبدو أقرب للسياسات الكينزية المبنية على توسع الدولة في الإنفاق، فإن جمال يراها غير قادرة على تحقيق هذا الهدف، «الكينزية تفترض أنك توفر سياسات تحقق دخلًا أعلى للناس لتحفيز الطلب، لا أعتقد أننا على هذا الطريق حيث تدفع معدلات التضخم الحالية الأجور الحقيقية للانخفاض».

الحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة استدعى توجيه سؤال لشمس عن مستقبل القطاع العقاري الذي شهد تسارعًا محمومًا في أسعاره، خاصة للوحدات الفاخرة الموجهة إلى الشرائح الأعلى من الدخل، وهل نعيش في فقاعة عقارية قد يتسبب انفجارها في أزمة مالية؟

«لا أعتقد أن لدينا فقاعة، فهذا المصطلح يعني أن هناك عملاء حصلوا على قروض لشراء عقارات ثم عجزوا عن سدادها، وهذا خطر بعيد عنا لأن معدلات الاختراق الائتماني لدينا ضعيفة» بحسب إجابة شمس، لكن ما يحدث في مصر هو أن العقارات تزداد أهميتها كمخزن للقيمة في ظل الظروف الاقتصادية الجارية، ومع اتجاه المطورين لبيع الوحدات قبل البدء في إنشائها (off plan sale) أصبح في مقدورهم التوسع بدون الضغط على ميزانيتهم، لكن من ناحية أخرى «هناك مؤشرات على ركود في القطاع العقاري يمكن أن تلاحظها في تعاملات السوق الثانوية (الخاصة بإعادة بيع الوحدات المشتراة)».

اعلان