يا إلهي.. إنهم يعودون للدفاتر القديمة!

يستحسن أن نتفق أولًا على أن استخدامنا في مصر للمفاهيم والمصطلحات السياسية المتعارف عليها في الدول الديمقراطية هو من قبيل المجاز، بداية من الدستور والبرلمان، حتى أحزاب المعارضة والموالاة، بل وحتى الصوت الانتخابي، ذلك أنه من المسلم به بداهة أن كل هذه المفردات لا تعني مدلولاتها الحقيقية في حالتنا. ومع ذلك فلدينا الآن على سطح الحياة السياسية، وفي مقدمة اهتمامات الرأي العام قضية تطرح نفسها بقوة، وكأنها معركة سياسية (ديمقراطية) بين مؤيدين ومعارضين، ذات نهاية مفتوحة، وهي بالطبع قضية تعديل الدستور، بما يمكّن الرئيس عبد الفتاح السيسي من البقاء في موقعه بعد انتهاء فترته الرئاسية الثانية عام 2022، طبقًا لنصّ الدستور الحالي.

مَن يتابع التطورات الأخيرة في حملة المطالبة بتعديل الدستور سوف يكتشف أنها استخدمت المسوغات والدفوع التي استهلكت في كل مناسبة ومع كل رئيس من رؤساء جمهورية يوليو، وسوف يكتشف أيضًا أن كل أحزاب وشخصيات المعارضة -حتى الآن- استخدمت نفس ردودها البالية، أي تلك التي سبق استخدامها في كل مناسبة من هذا النوع، ومع كل رئيس جمهورية، وهكذا فإن نوعية المناظرة، أو الحجاج السياسي في مصر هي الأخرى لا يروح عليها الزمن ولا يجيء.

لكن يبقى على الجادين في المعارضة والموالاة أن يتعمقوا -ولو قليلًا- في البحث عن أسباب هذا الجمود (على قديمه) في حياتنا السياسية، بمعنى أن تقود المناظرة إلى شيء من التفهم (ولا أقول التفاهم) المشترك للسبب الرئيسي في تعثر وإجهاض محاولة التحول، هذا السبب لن يكون في نهاية المطاف سوى رفض القوى السياسية الكبرى الثلاث في المجتمع والدولة التعايش، أو التعاون، أو التكامل مع بعضها البعض. وبصياغة أخرى، فكل ضلع من أضلاع هذا المثلث غير الملتحم لم يتخذ قراره النهائي بقبول التعايش أو المشاركة مع الضلعين اﻵخرين، مفضلًا أن تكون علاقته بالضلعين الآخرين هى النفي أو الإقصاء، أو الهيمنة والوصاية في أحسن الأحوال، وهذه الأضلاع هي: الدولة العميقة بمكوّنها العسكري والمدني، وتيار الإسلام السياسي بتنظيماته المختلفة، والقوى المدنية الديمقراطية (غير المدجنة) يسارًا ويمينًا ووسطًا، ومن ثم تبقى العلاقات في ما بين هذه الأطراف علاقة صراع، أو على الأقل علاقة شك وتحفز وتحسب.

وبغض النظر عن الرأي «القيمي» في أفكار وأداء هذا الطرف أو ذاك، فمن المؤكد أن الاستقرار السياسي الطوعي، ومن ثم التقدم على طريق التحول الديمقراطي، أي الحكم الرشيد القابل للتداول والخاضع للمساءلة، لن يتحقق إلا بصيغة تدمج هذه الأطراف كلها في عملية سياسية محكومة بدستور لا يُتلاعب به، وبقانون يسري على الجميع. ولن نذهب بعيدًا  للاستشهاد بأمثلة، إذ يكفي الاستشهاد بنموذجي تونس والمغرب.

نعود إلى قضية تعديل دستور 2013 بوصفها اللحظة التي يمكن أن تكون تأسيسية لعمل سياسي مستقبلي أفضل مما أعقب ثورة يناير 2011، ومما أعقب الموجة الثورية التالية ضد حكم «الإخوان المسلمين» في 30 يونيو عام 2013، ولا يسري هذا التوقع أو هذا المطلب على قوى وشخصيات المعارضة فحسب، ولكن أيضًا على قوى وشخصيات الموالاة، وممثلي الدولة العميقة.

وكبداية، يجب أن نخلِّف وراءنا تلك الدفوع والمسوغات المستهلكة لتبرير مطلب تعديل الدستور، وبقاء الرئيس السيسي في منصبه، وليقدّم أصحاب هذا الاتجاه رؤية متكاملة لأسبابهم، والمدى الذي يتصورونه لزوال هذه الأسباب، والشروط الواجب توافرها لإزالتها، والتزاماتهم والتزامات السلطة من أجل توفيرها. وكذلك فليقدم المعارضون من جانبهم رؤية متكاملة للكيفية التي يتم بها تذليل هذه العقبات، بما لا يُحدث هزات عنيفة في مؤسسات الدولة العميقة، ولا في المجتمع، ولكيفية حصولهم على الخبرات المفتقدة في إدارة الشأن العام، بكل ملفاته الداخلية والخارجية، الروتيني منها والحرج.

فإذا عدنا إلى نوعية الحجاج الجاري حاليًا على الساحة المصرية في إطار الحملة للمطالبة بتعديل الدستور ضمانًا لاستمرار رئاسة السيسي، فسوف تكون ملاحظتنا الأولى هي أن الإعلام الرسمي، أو ما يسمى بإعلام المتن، يكاد يكون حكرًا على أصحاب هذه الرؤية، في حين أن المعارضين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، أو اجتماعاتهم الضيقة في مقار أحزابهم للتعبير عن أسباب رفضهم.

أما ثاني الملاحظات، وأهمها، فهي -كما سبق القول- إعادة إنتاج المسوغات السابق استهلاكها في كل عهود نظام يوليو 1952، كالحديث بلا ملل عن المؤامرات الأجنبية المستمرة، والتي أحبطها الرئيس السيسي في ما مضى، والتي لن يكون غيره قادرًا على إحباط ما يلي من حلقاتها فى المستقبل.

ومنها أيضًا ذلك الحديث المُعاد عن حاجة المشروعات القومية العملاقة لبقاء الرجل الذي أطلقها في موقعه. ومنها، ثالثًا، العودة إلى الادعاء بأن الشعب المصري غير صالح بالطبيعة والتاريخ للحكم الديمقراطي وتداول السلطة، أو على الأقل غير جاهز لها في هذه المرحلة من التاريخ.

إن تسويغ تعديل الدستور بمواجهة المؤامرات الأجنبية، أو باستكمال المشروعات، ليس مما يتطلب المناقشة الجادة، لسبب بسيط وبديهي، هو أن كل الملوك والرؤساء في كل بلدان العالم هم في نهاية المطاف بشر أعمارهم محدودة، وقدراتهم البدنية والذهنية على العمل والإبداع موقوتة، ولا بد مما لا بد منه في يوم من الأيام، وأن مَن يرددون هذه الحجة الآن هم أنفسهم من رددوها طوال الثلاثين عامًا من حكم مبارك، وهم أو بعضهم أو أسلافهم مَن رددوها في سنوات حكم أنور السادات، ومن قبله في سنوات حكم عبد الناصر، وأن كل الدول تواجه مخاطر وتحديات ومؤامرات ولا تغير دساتيرها من أجل ذلك، ولننظر فقط إلى إسرائيل التي اُنشئت واستمرت وازدهرت وسط الحروب.

وأما القول بإن الشعب المصري غير صالح بطبيعته للتحول إلى حكم ديمقراطي، فما أكثر ما كُتب تفنيدًا لهذا الرأي منذ اللحظات الأولى لتأسيس مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة في مصر قبيل وفي أثناء وبعد ثورة 1919، وتحت حكم ضباط يوليو 1952 بمختلف عهودهم، وخلاصته أن دخول البلاد عصر الحداثة السياسية قضى على مبررات استمرار الطغيان الفرعوني، كما كتب جمال حمدان، وأن المجتمع المصري منذ ما قبل مجيء حملة نابليون، وحتى قيام دولة يوليو، كان قد طوّر ما يعرف في علوم السياسة الحديثة بمبدأ [deployment of power] أو انتشار السلطة.

فقد طوّر هذا المجتمع «مؤسسات اجتماعية لكل منها قدر من التميز الذاتي، سواء على المستوى المحلي كالقرية والحارة والحي، أو على المستوى الحرفي كنقابات الحرفيين وطوائفهم، أو على المستوى الثقافي بالمفهوم السائد وقتها، ويدخل فيها الطرق الصوفية، والطوائف، والملل الدينية، أو على مستوى الدولة كوحدات الجيش، ورجال الدواوين، فضلًا عن الوحدات البشرية الأكبر كالقبائل والعشائر»، كما كتب المستشار طارق البشرى، الذي نضيف إلى ما رصده الدور السياسي والثقافي لمؤسسة الأزهر، والدور الاقتصادي والاجتماعي لمؤسسة الوقف الخيري والأهلي.

واستطرادًا مع هذا الرصد، فإن دلالة وجود هذا النوع من انتشار السلطة أنه كان ثمة تكوينات متعددة ومتميزة ومتداخلة مع بعضها البعض تكفل قدرًا من التسيير الذاتي لكل وحدة أو جماعة، وتمكّن من حل كثير من المشكلات بين أعضاء هذه الوحدة في المجال النوعي لها، مما يخفف قبضة السلطة المركزية، بحيث لم يكن الحاكم الفرد أو الدولة يتعامل مع محض أفراد متناثرين، وإنما مع مجموعات لكل منها قدر من التشخّص الاجتماعي، ومع تنظيمات إن لم تكن نشأت بالقانون، فقد أوجدها العرف، والعادات المتطاولة المدى.

وفي الأحقاب التي توالت بعد ذلك، دخل المجتمع المصري عصر الحداثة والقانون، ثم العصر الدستوري، وفي هذه العصور توالى انبثاق التنظيمات الحديثة، من أحزاب سياسية، وجمعيات أهلية، ونقابات مهنية وعمالية، واتحادات صناعية، وغرف تجارية. وتحقق بها ولها قدر كبير من الفاعلية والنجاح، وكانت كلها تمتلك بالتوصيف السابق قدرًا كبيرًا من التشخص الذاتي، وتمارس ألوانًا من الضبط السياسي والاجتماعي بما ينفي فكرة أو ممارسة الحكم المطلق، سواء من جانب الجالس على العرش، أو من جانب الحكومات الدستورية أو المنقلبة على الدستور سواء بسواء.

بهذه الخلفية الملخصة للتاريخ القريب لتطور مصر سياسيًا تسقط تمامًا حجة القائلين بإن مصر غير صالحة بالطبيعة والتاريخ للحكم الديمقراطي.

ننتقل إلى مناقشة مقولة إن الشعب المصري غير جاهز حاليًا للانتقال الديمقراطي كمبرر لتعديل الدستور حتى يبقى الرئيس القائم في منصبه دون حد أقصى لعدد فترات الرئاسة، أو بإضافة فترتين جديدتين مدة كل منهما 6 سنوات، فلعلها هي المسوّغ الوحيد المطروح الذي يستحق المناقشة الجادة، أقصد نقطة «عدم الجاهزية حاليًا وظرفيًا ومؤقتًا».

وقد أفهمها على أنها تعني عدم وجود البديل القادر على الوصول إلى السلطة بالطرق الدستورية السلمية، وعلى قيادة وإدارة جهاز الدولة والمجتمع، بمعنى تأمين الطاعة والالتزام بالأوامر والقرارات في إطار القانون، خصوصًا من جانب مؤسسات الدولة العميقة، وحلفائها أو زبائنها من رجال الأعمال والمهنيين وغيرهم.

فلا جدال -من وجهة نظري- أن هذا البديل غير موجود حقًا، وهو ما ثبت في أثناء ثورة يناير 2011، وفي عام الحكم الإخواني، وكذلك بعد الإطاحة بهذا الحكم. ومن وجهة النظر هذه أيضًا فإن كافة المبادرات أو الشخصيات التي قدمت كبديل أو منافس استعدادًا لانتخابات الرئاسة الماضية ليست هي البديل المقصود بالمعنى الصحيح، إذ كان أصحاب الوزن السياسي النسبي في هذه المبادرات، خاصة الفريق أحمد شفيق والفريق سامي عنان، مجرد وجوه أخرى -وليست جديدة، ولم تكن معادلة القوى السياسية التي يمثلها كل منهما سوى المعادلة القائمة نفسها، بمعنى أن المطروح كان تناوبًا وليس تداولًا، بل لم يكن مشاركة وتدخل قوى جديدة.

إذن، لكي يكون هناك بديل فإنه يجب أن يكون قوة مجتمعية منظمة، وقد كنت كتبت في وقت سابق أن الأجدى والأكثر قابلية للتحقق ليس البديل، ولكن الشريك الذي يمكن أن يتطور إلى رديف، في إطار عملية حل وسط تاريخي، يتفهم أفكار ومخاوف الدولة العميقة (المشروعة)، وفي الوقت نفسه يحد من احتكار هذه الدولة للسلطة، وإغلاقها المجال السياسي برمته، ونفورها من المسؤولية والمساءلة، والأهم يثبت لها أن عدم ثقتها في السياسة وفي القوى المدنية ليس له ما يبرره دائمًا وإلى الأبد، أو على الأقل يثبت للمجتمع أن هذه الشكوك ليست في محلها، وأن الدولة هي التي تتعمد زرعها، وتبذل جهود مخططة لمنع تكوّن هذا البديل أو الشريك أو الرديف، فكلما اقتنع المجتمع بذلك كلما قويت الحركة الحزبية.

حتى نصل إلى هذه اللحظة الآتية لا ريب فيها مهما يطل الزمن ويتضخم الثمن، فربما يكون الأجدى أن تنهمك القوى المدنية في مراجعة وتصحيح أوجه قصورها، أي ضعفها الجماهيري، وتشتتها التنظيمي، وعجزها المالي، والتركيز على الرؤى والبرامج طويلة الأمد، جنبًا إلى جنب مع انشغالها المعتاد بالمواقف اليومية والجزئية، والتي تكاد تنحصر في رد الفعل على ما تأتي به السلطة، أو تأتي به الأيام والأحداث في الداخل والخارج.

في الوقت نفسه فإن المتغيرات الداخلية والخارجية التي لا تتوقف سوف تفعل فعلها التراكمي، كما أن ديناميات ومشكلات الواقع ومطالب الموالين وصراعاتهم ستؤدي إلى انفراج ثم فتح المجال السياسي.

وإذن، فإن قضية تعديل الدستور يمكن أن تكون لحظة يتم البناء عليها، بما أنها ستعيد الجميع إلى دائرة الاهتمام والفعل السياسيين، على ألا ينظر إليها على أنها معركة صفرية؛ يخرج الفائز منها بكل شيء، ويخسر المهزوم فيها كل شيء. فليس هذا من طبيعة العمل السياسي، خاصة في تجربة وطنية امتدت قرابة قرن ونصف القرن من الزمان، للمطالبة بحكم دستوري رشيد، كالتجربة المصرية منذ الثورة العرابية بجناحيها المدني والعسكري.   

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد