هل انتهت تجربة جوارديولا مع مانشِستر سيتي مبكرًا؟

الساعة الآن الخامسة وست دقائق فجرًا وهناك مشكلة عويصة تبدو غير قابلة للحل. هذا المقال كُتب بالكامل قبل هزيمة مانشِستر سيتي أمام ليستر. في الواقع، لقد قررت أن تجربة جوارديولا مع مانشِستر سيتي قد انتهت قبل أن يحرز كريستال بالاس هدفه الثالث، ولظروف قهرية لم يكن المقال جاهزًا للنشر حينها.

إذا نظرت للنصف المملوء من الكوب سأقول إن هذه الظروف خدمت الفكرة، لأنني أصبحت قادرًا على إزالة المقدمة المملة التي أعلن فيها إدراكي التام للمعطيات الحالية، مثل حقيقة أن مانشِستر سيتي كان على بعد 4 نقاط فقط من الصدارة، وكان يمتلك القائمة الأكثر اكتمالًا بين الستة الكبار، وكان لا يزال يقدم النسخة الأفضل من كرة القدم في البريميرليج بأكمله، بل وربما في أوروبا، وبالتالي كان الاستنتاج المنطقي وقتها أن هذه النظرية، نظرية إنتهاء تجربة جوارديولا مع مانشِستر سيتي، هي نفسها غير منطقية ومتسرعة جدًا لدرجة أنها مريبة.

سرعة قذف

آسف.. كان هذا أحد عناوين النسخة القديمة من المقال، بصراحة لم أجد وقتها طريقة أكثر تهذيبًا لوصف الأمر، طبعًا كان هذا حينما كنت مضطرًا لتفسير تسرعي الواضح في الجزم بأن جوارديولا قد فشل في مانشِستر، ولكن كل شيء تغير بعد مباراة ليستر. يقولون إن مرة واحدة قد تكون صدفة، مرتان قد تصبحا مؤشرًا، وثلاث مرات هي دليل واضح، وهذه كانت الهزيمة الثالثة في آخر أربع مباريات بالبريميرليج، ولكن الحقيقة أننا لم نكن بحاجة لها، الأمر كان على درجة مقبولة من الوضوح، وأكاد أجزم أن الكثيرين أدركوه بسهولة، ولكنهم فضلوا عدم التصريح خوفًا من اتهامهم بالهَبد والحَرَقان، ومباراة ليستر أراحت الجميع من هذا الصداع.

عند كتابة النسخة الأولى كنت أرمي لأن النظرية قد تعتبر من قبيل سرعة القذف لسبب واضح وبسيط، هو أنها تتحدث عن فريق مصاب بالداء ذاته. الآن تلاشت المفارقة، مانشِستر سيتي يبدو وكأنه يعاني من سرعة قذف متكررة في المواسم الأخيرة، وفي ذات الوقت لم يعد من السهل اتهام النظرية بالأمر نفسه.

فكّر في الأمر؛ بايرن ميونيخ، السفاحون الذين يفوزون على شتوتجارت وفرانكفورت بالسبعة والثمانية ويثيرون رعب القارة كل عام، ثم يُفاجئون بأن أسماء الفرق في نصف نهائي الأبطال مختلفة نوعًا، وأن هناك من هو أفضل منهم في هذه المسابقة على الخط وفي الملعب، وأن ميسي قد يعادل نصف فريق أحيانًا، وأن إهدار 826 فرصة محققة للتسجيل يعني أن المباراة ستنتهي بالخسارة حتمًا ولن يكون هناك فرص أخرى، وفي بعض الأحيان يكتشفون كل ذلك دفعة واحدة أمام خصم واحد، فيعودون للأليانز أرينا ويوسعون الألمان أربعات وخمسات لينسوا ما حدث. حتى موسم 2016-2017، الأسوأ على الإطلاق لجوارديولا في مسيرته القصيرة، كانت بداياته مبهرة، ولولا إعصار بوتشيتينو في الجولة السابعة لربما تغيرت الكثير من الأمور.

أما هذا الموسم فتطور المرض لمستويات غير مسبوقة، ليس في تاريخ جوارديولا وحسب، بل في تاريخ كرة القدم عمومًا، صحيح أن مصطلح «في التاريخ» مستفز جدًا لأغلب جمهور اللعبة، وكثيرًا ما بالغ البعض لربطه بجوارديولا، ولكن صدقني، هذه ألعن حالة سرعة قذف شاهدتها في كرة القدم حتى الآن.

10

هذا المقال لن يكف عن إنتاج الإيحاءات الجنسية في ما يبدو. المهم أن الرقم كان لافتًا في انطلاقة السيتي هذا الموسم، لأنه بانقضاء الجولة العاشرة كان بيب قد تلقى ثلاثة أهداف فقط لا غير، هذا المعدل كان يسمح له بتجاوز الرقم القياسي المسجل باسم تشيلسي مورينيو في موسم 2004-2005، عندما أنهى المسابقة بـ 15 هدفًا فقط في شباكه. في الواقع هو لم يكن يسمح له بتجاوزه وحسب، بل إن هذا المعدل كان يعني أن «المواطنين» قد ينهون الموسم وقد تلقوا 11 هدفًا فقط لا غير، خاصة أن هذه الجولات العشرة لم تكن بالسهولة التي تتخيلها، بل تضمنت ثلاث مواجهات أمام ثلاثة من الخمسة الكبار؛ أرسنال وتوتنهام وليفربول، وكلها كانت خارج ملعب الاتحاد، وإذا أضفت لها فوز سهل على تشيلسي في الدرع الخيرية قبل بداية الموسم أصلًا فنحن نتحدث عن فريق هزم كل خصومه تقريبًا قبل انطلاق المعركة.

بعدها ارتفع الرقم لـ 5 أهداف بسبب ركلتي جزاء أمام مانشِستر يونايتد وساوثامبتون. الأخيرة منعت سيتي بيب من الاحتفاظ بنظافة شباكه للمرة السادسة على التوالي في رقم قياسي لم يحققه النادي من قبل، وعند لحظة ما في هذه الفترة تم اختزال البريميرليج كله في المتصدر. لا أعتقد أن هناك منافسًا حظي بهذه الإشادات من خصومه من قبل، والسبب أن أربعة من الخمسة الكبار المتبقين كانوا يحققون أفضل بداية لهم في تاريخ البريميرليج، ومع ذلك لم يكن هذا كافيًا ليستطيع أي منهم زحزحة السيتي عن القمة. هذه المرة لم يكن مصطلح «في التاريخ» منسوبًا لجوارديولا من أحد دراويشه، بل هو إنجاز رقمي حقيقي لخصومه، الذين يتأخرون عنه بنقطتين في الجدول رغم ذلك، ويمكنك أن تتخيل حالة اليأس التي أنتجها وضع كهذا.

طبعًا لم يكن أرسنال وتوتنهام يطمحان -واقعيًا- في الفوز باللقب، ولكن أن تصل لأكبر عدد من النقاط في آخر ربع قرن ولا تتصدر الدوري لهو أمر محبط فعلًا، وكان كلوب هو أفضل من عبر عن هذه الحالة عندما صرح أن فريقه لا يعامل بإنصاف من الإعلام الإنجليزي، والسبب في ذلك من وجهة نظره أن الجميع يريد كرة قدم مثل تلك التي يقدمها سيتي بيب، وأن المعايير المعتادة قد تم العبث بها لدرجة أن أفضل بداية لليفربول في تاريخ البريميرليج لم تعد كافية، وإن فاز الفريق بقدر أقل من الأهداف والفرص والسيطرة والاكتساح مقارنة بالسيتي فإن أحدًا لا يلتفت للأمر، بل ويركز الجميع على سلبيات التفاصيل رغم أن الصورة الكبيرة هي الأكثر إيجابية على الإطلاق منذ آخر مرة حقق فيها ليفربول الدوري.

الآن فكر في الأمر مرة أخرى من فضلك، هذا رجل يبعد عن قمة الدوري بنقطتين فقط لا غير، ومرت عليه ثلاثة أشهر بلا هزيمة في الدوري، وباختصار هو يقدم أعظم مواسمه على الإطلاق منذ قرر احتراف التدريب، ومع ذلك هو يدرك تمامًا أن النقطتين لا تعبران إطلاقًا عن الفارق الحقيقي بين الفريقين، لدرجة أنه يقول للصحفيين إنه لن يعتذر لأن فريقه لا يفوز بنفس طريقة مانشِستر سيتي، ثم يلمّح لأن وصم موسم ليفربول بالفشل في حال لم يفز بالدوري سيكون غير منصف. هذا اعتراف ضمني بالهزيمة رغم أنه لم يمر من الموسم سوى ربعه تقريبًا، وحتى لو تجاهلناه وافترضنا أن الرجل يمارس لعبة نفسية لتحرير فريقه من الضغط الهائل المتوقع، وهو احتمال وارد جدًا ومنطقي جدًا، فسيصعب علينا أن نجد مدربًا يمنح خصمه إشادة مشابهة، خاصة مع كل الحدة والتوتر اللذان تشهدهما مباريات بيب وكلوب مؤخرًا.

آسفين يا صلاح

في رأي الكثيرين، كان هذا التصريح غير موفق بالمرة لأنه عبّر عن الخضوع أكثر من المنافسة، وربما كان هذا حقيقيًا عند لحظة ما، لأنه بعد نهاية الجولة الثالثة عشر أصدر موقع جول تقريرًا مرعبًا فعلًا، أرقامًا لم نشاهدها من قبل، نحن نتحدث عن فريق يقيس جودة دفاعه بعدد التسديدات التي تم إطلاقها على مرماه في كل مباراة، لا عدد الأهداف التي تلقاها فعليًا، وحتى الإحصائيات المعتادة مثل عدد مرات الشباك النظيفة لم تعد كافية للتعبير عن صلابة خطوط السيتي الخلفية، وبأقل من تسديدتين على المرمى في كل مباراة كان جوارديولا وفريقه قد سجلا المعدل الأفضل في تاريخ المسابقة عمومًا، بمسماها الجديد والقديم.

«بيب لن يقولها لذلك سأقولها أنا.. مانشِستر سيتي هو أفضل فريق في تاريخ إنجلترا» – دانكان ألكسندر – «جول».

إنفوجراف: الأرقام القياسية في عدد التسديدات على مرمى كل فريق بتاريخ البريميرليج – «جول»

لقد عاد المصطلح اللعين الذي يستفز الجميع للظهور مجددًا، وكانت هذه واحدة من المرات القليلة التي انهارت فيها الكليشيهات المعتادة عن أهمية النتائج النهائية وما سيتذكره التاريخ، ببساطة لأن النتائج كانت أمرًا مفروغًا منه، وهذا منح الكثيرين فرصة للاستغراق في التفاصيل التي لا يلاحظونها عادة عندما يلهث الجميع خلف الفوز. واقعيًا كان سيتي بيب قد تلقى 5 أهداف مثل ليفربول بالضبط، ولكن السبب في الإحساس الذي نقله كلوب بتصريحه هو نفس التفاصيل؛ لقد مرت ثلاثة أشهر منذ تلقى «المواطنون» هدفًا من لعب مفتوح، وفي هذه الفترة تمكن خصومهم من صنع 11 فرصة محققة للتسجيل فقط لا غير، تضمنتا ركلتي جزاء، وسجلوا منها الأهداف الخمسة المذكورة، ولوضع كل ذلك في السياق المناسب فيمكنك أن تتخيل أن تشيلسي سارّي كان يبعد بنقطتين فقط رغم تلقيه 11 هدفًا وإهدار خصومه لـ 17 فرصة محققة للتسجيل غيرهم في نفس الفترة.

عند هذه اللحظة كان إيديرسون هو أقل لاعبي البريميرليج بذلًا للجهد على الإطلاق لأنه لم يقم سوى بـ 23 تصدٍ فقط لا غير، وبمقارنة سيتي بيب بالأبطال التاريخيين الاستثنائيين للبريميرليج كان هو الأفضل دفاعيًا بلا منازع بـ 1.92 تسديدة على مرماه في المباراة، مع تواجد تشيلسي مورينيو 2004-2005 في المركز الثاني بـ 2.18 تسديدة، وبفارق وحيد مهم للغاية هو أن البلوز سجلوا 72 هدفًا في ذلك الموسم، الرقم الذي كان فريق جوارديولا مرشحًا لتجاوزه عند الجولة 24 إذا استمر بنفس المعدل، أي قبل انقضاء ثلثي عمر المسابقة.

هذه ليست مجرد حالة استثنائية من التفوق على المنافسين، بل حالة من الإلحاد بعدد لا بأس به من ثوابت كرة القدم. هذا فريق نجح في تحريم مرماه على المنافسين رغم مقاربته الهجومية للعبة، ورغم تبديله المستمر في تشكيلته الأساسية، ورغم افتقاده لأفضل لاعبيه على الإطلاق منذ بداية الموسم، ورغم غياب بنجامين ميندي، أفضل صانعي ألعابه حتى إصابته، وأكثر مدافع صنع أهدافًا في عموم أوروبا، وهذه المرة لم يكن هناك فرانكفورت وشتوتجارت، بل أربعة فرق كان كل منها ليتصدر الجدول بفارق مريح عند هذه المرحلة من أي موسم آخر، ومشكلتهم الوحيدة أنهم قرروا تقديم أفضل بداية لهم في نفس اللحظة.

نهاية دورة

إحم.. كل ما سبق استثنائي وتاريخي لدرجة أنه عسير على التصديق، وهذه هي المشكلة تحديدًا؛ سرعة القذف. يمكنك أن تصف ما سبق بما شئت، حقيقةً يصعب إيجاد ألفاظ جديدة للتعبير عن تفوق بهذا الحجم، ولكن ما سنتفق عليه هو كونه تفوق مبكر للغاية. أغلب الفرق الكبيرة تصل لقمة مستواها مع انتصاف الموسم، وفي بعض الأحيان مع انطلاق مباريات الحسم بدوري الأبطال في فبراير. هذا عكس ما حدث هنا تقريبًا.

هذه تيمة متكررة في مواسم جوارديولا الأخيرة، بدايات مرعبة لا تبدو منطقية لأنها أنسب لمراحل متأخرة من الموسم، ثم سقوط في المراحل المهمة لأسباب تتنوع عادة بين الإجهاد الناتج عن استنزاف الفريق في التمثيل بجثث الخصوم المحليين، أو أخطاء جوارديولا الكارثية في عدد لا بأس به من هذه المواجهات، أو حقيقة أن فريقه نادرًا ما يُختبر بما يكفي قبل نصف نهائي الأبطال، ومع كل ذلك لا تصبح النتيجة النهائية مستغربة لهذه الدرجة.

الخلاصة؛ حتى الجولة الـ 13 كانت هذه درجة من التفوق لا يمكن التفوق عليها. في تقرير «جول» قال دانكان ألكسندر إن الجميع كان يتوقع هبوط مستوى السيتي هذا العام بعد موسم تاريخي، هذا من سنن الحياة ونواميس الكون، كل إنجاز يعقبه تراجع خاصة مع اشتداد المنافسة هذه المرة، وتدعيم كلوب لقائمته بشكل رائع، ولكن «المواطنين» بطريقة ما تمكنوا من التفوق على أنفسهم والجميع مع بداية البريميرليج، ومع وصول مستواهم لقمته مبكرًا كان التراجع حتميًا، لسبب واضح هو أن هذه الإحصائيات عبرت عن نهاية دورة في حياة سيتي بيب، وبعد نهاية أي دورة يحدث الطبيعي والمتوقع؛ يعود كل شيء لسيرته الأولى.

من هنا كانت الجولات الخمسة التالية تحمل فرصة هائلة لحسم الدوري قبل نهاية النصف الأول؛ سيتي سيلاقي تشيلسي الذي يمتلك مشاكل واضحة، ويعاني مدربه من عقدة حقيقية أمام جوارديولا كونه لم ينتصر عليه أبدًا، عقدة كرسها الرجل نفسه عندما سألوه عن خطته قبل المباراة فقال إنه لا يعلم كيف يفوز على الكتالوني، ولو كان يعلم لفعلها. تصريح آخر من منافس آخر يعبر عن الحالة سابقة الذكر. المهم أن ليفربول المتذبذب سيواجه أشرس نسخ إيفرتون منذ زمن في الوقت ذاته، ثم سيستضيف مانشِستر يونايتد الذي لم يفز عليه في أي ملعب منذ ثورة عرابي، وبين هذا وذاك هو مضطر للعب مباراة مصيرية ضد نابولي لتجنب فضيحة أوروبية.

ظروف مهيأة تمامًا لتوسيع الفارق وإصابة المنافسين بنفس الإحباط الذي أصاب السيتي بدلًا منهم، ولكن الآن، كل هذه الأحداث تبدو لك بعيدة للغاية وكأنها وقعت منذ سنوات لا أسابيع، لأن ما أخرجته من نتائج كان مخالفًا للمقدمات إلى أبعد حد، وإن كانت تبدو لك بعيدة فهذا دليل على أنك مقتنع بالنظرية بدورك، نظرية أن الأمر انتهى فعلًا.

منحنى الصعود

هذا هو السبب الذي يجعلني أعتبر الفوز على ويستهام في الجولة الثالثة عشر نهاية دورة، لأنه في المباريات الستة التالية تلقى سيتي بيب هزيمتين مفاجئتين و8 أهداف كاملة. هذا المعدل يجعله على بعد مباراتين فقط من معادلة عدد الأهداف التي تلقاها تشيلسي مورينيو 2004-2005. لحظة.. هذه الفقرة لم يتم تعديلها بعد، ثلاث هزائم و10 أهداف كاملة، وسيتي بيب قد عادل عدد الأهداف التي تلقاها تشيلسي مورينيو بالفعل.

فجأة عاد سيتي جوارديولا إلى المربع صفر، ليس فقط لأن كريستال بالاس تمكن من إحراز 3 أهداف في مرماه، ولكن لأنه لم يتمكن من صناعة العدد المعتاد من الفرص في المقابل، بل وفي كثير من فترات المباراة اقتصرت حلوله على إرسال العرضيات الهوائية التي يعلم جوارديولا يقينًا أنه لا يملك من يحولها لأهداف، وبالمثل لم تكن المشكلة أنه خسر أمام تشيلسي في البريدج وحسب، بل لأنه خسر بذات السيناريو العجيب الذي تكرر أمام كونتي في الموسم نفسه؛ فرص مهدرة في الشوط الأول ثم تلقي هدفين بطرق بدائية نوعًا، نفس الطرق التي قضى جوارديولا موسمه الماضي في ابتكار الحلول لتجنبها.

الفارق الوحيد هنا أن سيتي بيب صار يقدم نفس النتائج السلبية ونفس الأخطاء الكارثية ولكن بقائمة أفضل من اللاعبين أنفق عدة مئات من الملايين للحصول عليها. في ذات الوقت كان ليفربول كلوب يفوز على إيفرتون بطريقة أقرب إلى الصدفة، ويعود من الموت بعد تأخر أمام بيرنلي، ثم يستعيد نسخة الموسم الماضي من صلاح ضد نابولي، ويختم أصعب فتراته حتى اللحظة بفوز مدوي على مانشِستر يونايتد. لو كنت قد سألت متابعي البريميرليج عن النتيجة المتوقعة لهذه الأسابيع لأجاب 9 من كل 10 أنها ستنتهي والسيتي يتصدر البريميرليج بفارق أكبر، ولكن عند لحظة ما تكررت نفس ظاهرة نصف نهائي دوري الأبطال مع جوارديولا؛ تلاقي منحنى هبوطه مع منحنى صعود المنافسين.

المشكلة أن هذه ليست كل المشكلة، لأن عودة سيتي بيب لسيرته الأولى لم تكن على مستوى النتائج والأخطاء الساذجة والأهداف الوفيرة في مرماه، بل لأن هناك أسباب ذهنية ونفسية تقف خلف هذا التحول أيضًا. طبعًا أي تحول بهذا الشكل لا بد وأن يكون سببه نفسيًا بالأساس، ولكن ما نتحدث عنه هنا هو أمور أثبتت قدرتها على إفساد مواسم جوارديولا من قبل، مهما كانت درجة نجاحها وإبهارها في البدايات.

العناد هو اسمي الأوسط

بيب له تاريخ طويل عريض مع العناد. هذه ليست مشكلة بحد ذاتها، أي مدرب كبير يحترم نفسه عليه أن يتحلى بقدر من العناد، ببساطة لأن نصف ما سيتلقاه من انتقادات سيكون هراء خام لملء الصفحات وجذب الترافيك، ولكن تنقطع الشعرة ما بين العناد والغباء عندما يقوم المدرب الكبير بمغالطات، هو أول من يعلم أنها مغالطات.

رقميًا، تلقى السيتي 13 تسديدة على مرماه في الهزائم الثلاث. هذا رقم لا يثير الانتباه في أغلب الحالات، ولكن الإحصائية المبهرة كانت نجاح تشيلسي وليستر وكريستال بالاس في التسجيل من أول محاولة لهم في الدقائق 44 و18 و32 على الترتيب، بل إن الأخير حقق إنجازًا استثنائيًا عندما سجل 3 أهداف من 3 تسديدات على المرمى طيلة المباراة، وبمعدل تحويل Conversion Rate يبلغ 100%، مع العلم أن واحدة من هذه التسديدات كانت لتاونسند من خارج منطقة الجزاء أصلًا. أجمل أهداف الأسبوع بالمناسبة.

يمكننا وصف كل ذلك بسوء الحظ، كونها حالة استثنائية من التوفيق أمام المرمى، ولكن المشكلة أن بيب ارتكب عددًا من الأخطاء -أمام بالاس بالتحديد- ورفض الاعتراف بها، هذا هو ما يمنحك الانطباع أن الرجل قرر أن يسلك طريق العناد لآخره، وبعد المباراة كان هناك سؤالين مهمين لبيب؛ الأول عن عدم الدفع بدي بروينه وأجويرو من البداية، والثاني عن إشراك ستونز في مركز فيرناندينيو، والإجابات كانت؛ 1- لا تستطيعون أن تضمنوا لي الفوز لو كنت قد أشركت أجويرو ودي بروينه من البداية لأن أحدًا لا يعلم ما كان ليحدث ولا حتى أنا، 2- لو كنت قد فزت لوصفتموني بالعبقري لأني لعبت بستونز في هذا المركز.

هذا أقرب للماضة الأطفال منه لردود في مؤتمر صحفي بعد هزيمة بثلاثية، ببساطة لأن: 1- لو كان ما يقوله الصحفيون مهمًا لبيب لرحل عن إنجلترا منذ عامين، و2- لو كان الصحفيون قادرين على ضمان الفوز بتشكيلة معينة لجلسوا مكانه في المؤتمر الصحفي، و3- لو كانت جودة لاعبين مثل دي بروينه وأجويرو لا تعني شيئًا ولا تستطيع تقريب الفريق من الفوز فإن بيب مطالب بإعادة حوالي.. لحظة واحدة.. 450 مليون يورو تقريبًا للشيخ منصور بن زايد.

حتى لو كان كل ذلك مبررًا بطريقة ما بسبب الخوف من تجدد الإصابة أو غيره، فإن هناك أخطاءً أخرى هي ما أوصل جوارديولا لهذه الوضعية، لا تقتصر فقط على تجاهل الحاجة لبديل مناسب لفيرناندينيو، بل في اعتبار الطريقة الوحيدة لتلبية هذه الحاجة هي الشراء، بينما كان هناك وقت أكثر من كافٍ عبر العامين الماضيين لحل هذه المشكلة بأحد نجوم الأكاديمية مثلًا، بدلًا من الاعتماد على ستونز، والذي يعد خطأً آخر لبيب يرفض التراجع عنه، ببساطة لأن الرجل لم يقدم حتى اللحظة ما يشفع لنصف ثمنه، لا على مستوى بناء اللعب من الخلف ولا حتى وظيفته الأساسية كقلب دفاع، وهو نفس ما يمكن قوله على جيسوس، باستثناء توهجه في الشهور الأولى التي تلت ضمه، وكأن جوارديولا يصر على الثنائي لا لأنهما الأفضل، بل للدفاع عن قراره بإنفاق 70 مليون تقريبًا للتعاقد معهما، لإثبات صحة رأيه فقط لا غير.

دوري الأبطال ليس اسمي الأوسط

كل ما سبق حوّل التفوق الكاسح إلى تراجع يصعب التعافي منه، لأن إصرار ليفربول كلوب على ملاحقته -رغم تراجع مستواه في البدايات- كان مفيدًا جدًا كما اتضح، والآن سيُجبر سيتي بيب على الفوز في كل مبارياته، بما فيها ليفربول في الاتحاد، ونسخًا أفضل بكثير من مانشِستر يونايتد وتوتنهام، وفي نفس الوقت الذي يتصاعد فيه أداء الريدز من مباراة لأخرى ويعاني هو من العكس.

لا بأس، فلننحي كل ذلك جانبًا، ولنفترض أن حديث جوارديولا عن «تغيير ديناميكة الفريق» بعد هزيمة ليستر سيكون له مفعول السحر، فحتى حينها سيواجه الرجل مشكلتين واضحتين جدًا ولكنهما معقدتين جدًا في الوقت ذاته. الأولى هي القوة الذهنية للفريق؛ بمعنى قدرته على العودة من المواقف المشابهة التي لا تسير فيها الأمور لصالحه، الأمر الذي تمكن الرجل من ترسيخه في تجربته الأولى مع برشلونة بشكل مثير للإعجاب، ثم فشل فيه تمامًا في التجربتين التاليتين، حتى في الموسم الماضي لم يتمكن الفريق من العودة في أكثر المباريات التي شهدت تأخره في النتيجة رغم قلتها، وهذا العيب يتخذ أبعادًا جديدة مع نادي مثل مانشِستر سيتي، يلعب منافسوه دائمًا على جزئية التاريخ والإرث الكروي الذي يفتقده بشدة، وانعدام النماذج الملهمة في ماضيه قبل أموال البترول، وهشاشة لاعبيه النفسية أمام الاختبارات الصعبة. هذه أمور لا يمكن حلها بمدافع وهمي أو مهاجم إضافي في الخطوط الأمامية.

المشكلة الثانية أن هذا هو جوارديولا؛ الرجل الذي يجتمع كل عام مع لاعبي فريقه والخصوم والظروف ليقدم لنا طريقة جديدة مبتكرة في الخروج من دوري الأبطال؛ مرة بسبب أخطاء تكتيكية قاتلة، ومرة بسبب مراهنات حمقاء، ومرة بسبب إهدار 2874 فرصة محققة للتسجيل، ومرة بسبب إهدار 2874 فرصة محققة للتسجيل ثم تلقي هدف من مرتدة، ومرة بسبب تفوق خصومه عليه ببساطة. المهم أن الطرق لا تنفد أبدًا والنتيجة غالبًا واحدة؛ فريق بيب سيودع البطولة في نصف النهائي أو قبله، وإن كان الرجل قد منحنا سببًا أو إثنين لتوقع العكس في بداية الموسم فإن كل تلك الأسباب قد تلاشت بعدها، خاصة أنه عانى بشدة أمام هوفنهايم وليون في المجموعات، وهذا يجعلك تتخيل ما يمكن أن يحدث في مواجهة يوفنتوس أو الأتليتي مثلًا.

طبعًا تستطيع أن ترفض كل ذلك بحجة أن الموسم ما زال طويلًا، وقطعًا سيفقد ليفربول وتوتنهام بضعة نقاط هنا أو هناك وحينها يمكن لسيتي بيب أن ينتفض ويقتنص الصدارة، والحقيقة أن هذا قد يكون صحيح نظريًا، ولكن عمليًا فأنت تعلم وأنا أعلم والجميع يعلم أن تحقيق الانتصارات الاقتصادية ليس من مميزات سيتي بيب، وحتى مع مرونته الواضحة هذا الموسم فإن الفريق ما زال عاجزًا عن انتزاع النقاط في المباريات التي لا يكون فيها بحالته المعتادة، بل في الواقع سيكون العكس هو الأقرب للحدوث، لأن عبر 10 مواسم من التدريب خسر الرجل العديد من المباريات بسبب فشله في ترجمة تفوقه.

الساعة الآن الثامنة و23 دقيقة مساءً، وجوارديولا على بعد يومين تقريبًا من ملاقاة ساوثامبتون في ملعبه مع مدربه الجديد هازنهويتل، والذي تخصص في ابتكار المضادات لأساليب اللعب المشابهة مع لايبزيش.. جوارديولا لن يقولها لذلك سأقولها.. على الأرجح ستنتهي تجربته في إنجلترا بلقب دوري واحد وثلاثة إخفاقات متتالية في دوري الأبطال، وهذا سيجعلها أقل تجاربه زخمًا ونجاحًا على الإطلاق، وستسحب من رصيده أكثر مما أضافت إليه.

اعلان