أي معركة اختارها «ليل/ خارجي»؟
 
 
من فيلم" ليل/خارجي" لأحمد عبد الله السيد
 

«ليل/ خارجي» (2018) هو الفيلم الطويل الخامس لأحمد عبد الله السيد، وعرض مؤخرًا ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الدولي، حيث كان الفيلم المصري الوحيد ضمن فعاليات المسابقة الرسمية، ويعد هذا العرض هو الثالث عالميًا له والأول في مصر والشرق الأوسط.

يبدأ الفيلم الذي تدور أحداثه في يوم وليلة واحدة، في موقع تصوير أحد الإعلانات، حيث نتتبع المخرِج «مو» (كريم قاسم) في حالة عدم رضا عن الإعلان، كما يفصِح أيضًا عن مشاعره السيئة تجاه انتهاء علاقته العاطفية، وحبس أحد أصدقائه بسبب اتهامه بخدش الحياء في أحد رواياته.

بانتهاء التصوير، يذهب المخرج بصحبة مصطفى (شريف الدسوقي) السائق الذي يتولى انتقالاته خلال التصوير، وذلك ليقلّه إلى استوديو المونتاج، لكن تتغير وجهتهما على إثر طاريء عائلي لمصطفى، يضطرهما للذهاب لابن أخته (أحمد مالك) حيث يقابلان توتو (منى هلا)، ويبدأ الثلاثة رحلة تبدأ بتشاركهم الطعام، ولا تنتهي قبل صباح اليوم التالي، بعد العديد من المواقف والمقابلات في ليل القاهرة الخارجي.

الإنتاج: «choose your battle»

في «ليل/ خارجي»  يجرّب أحمد عبدالله إنتاجًا غير معتمد على شركات إنتاج كبيرة أو مِنح فيما يخص مرحلة التصوير. فيتعاوَن مع هالة لطفي، من خلال شركتها «حصالة» ومن خلال شخصها كمنتِج للفيلم. بعد انتهاء التصوير، حصل الفيلم على منحة ما بعد الإنتاج من «صندوق إنجاز»، ثم منحة أخرى لتصحيح الألوان مع فعالية «بيروت سينما بلاتفورم»، وأيضًا من «نجوم ريكوردز» التابعة لـ «نجوم إف إم».  في البيان الذي أصدرته «حصالة» عن الفيلم، جاء فيه أنه تم اتخاذ «قرارًا واعيًا بأن تقوم بإنتاج الفيلم وتوفير ميزانيته معتمدة على الجهود الذاتية، وألا تعتمد على أي من شركات الإنتاج الكبرى، ليس رفضا أو إقلالًا من شأنهم، ولكن رغبة منهم في التجريب والعثور على طرق وبدائل أخرى».

من المفيد النظر إلى تجارب أحمد عبدالله الإنتاجية السابقة، لوضع النموذج الإنتاجي لـ«ليل/ خارجي» في سياقه ولإدراك مدى اختلافه. ففي فيلمه الأول «هليوبوليس» (2009)، عمل عبد الله مع شريف مندور، منتج «عين شمس» (2008) لإبراهيم البطوط، أول إنتاجات الأفلام المستقلة في مصر، بعد ذلك، تعاوَن مع محمد حفظي وشركته «فيلم كلينيك» في فيلميْ «ميكروفون» (2011) و«فرش وغطا» (2013)، وفي إطار كان الأكثر قربًا للتجارية، عمل مع شركة «نيوسينشري» في فيلمه الرابع «ديكور» (2014) والذي استضافه مهرجان القاهرة أيضًا، في دورته الـ36 على هامش المسابقة.

هذه الأساليب الإنتاجية المختلفة،  نجد لها صدى داخل بعض سيناريوهات أفلام أحمد عبدالله نفسها، حيث بعض أبطالها فاعلين في المشهد السينمائي المستقل، ومنشغلين بموقعهم من السينما التجارية والمستقلة. في «ميكروفون» نشاهد أحمد مجدي ويسرا اللوزي، وهما يصنعان فيلمًا مستقلًا، وفي «ديكور» نتتبع حورية فرغلي كمهندسة ديكور تتورط في المشاركة في صناعة فيلم تجاري لأحد مخرجي السينما المستقلة (يقوم بدوره إبراهيم البطوط)، الذي يعمل فيه  بدوره على مضض. وفي الفيلم الأخير «ليل/ خارجي» نتابع شخصية بطل الفيلم المخرج وهو متعثر في إكمال فيلمه الأول، ومضطر للعمل في الإعلانات التجارية.

في «ليل خارجي» يستكمل عبد الله أسئلته حول هذا الاحتكاك بين السينما المستقلة والتجارية. فمثلًا في المشهد الافتتاحي للفيلم، مشهد تصوير الإعلان، تثار أسئلة حول شكل الطفل الموديل الذي سيظهر في الإعلان، ما بين وجهة نظر مو الإخراجية الفنية وبين تصور العميل عن الموديل المثالي. فيثار نقاش عن المعارك التي تستحق أن نخوضها خلال عملية إنتاج منتج بصري كالإعلانات. «choose your battle» [اختر معركتك] يقول تميم يونس، أحد أفراد فريق العمل، ناصحًا مُو.

يطرح تواجد خطوط درامية في أفلام عبد الله متعلّقة بآليات الإنتاج وعملية صناعة الأفلام ذاتها، تعليقًا على السياق السينمائي المحلي، خاصة المستقل منه، وذلك في احتكاكه وتفاوضه، وأحيانًا تبنيه لنموذج السينما التجارية. وبذلك تثير أفلامه أسئلة حول علاقة الشكل «الإنتاجي» بالشكل «النهائي» الفني للفيلم، تحديدًا فيما يخص الرؤية الدارجة للسينما «المستقلة» بوصفها «نخبوية». كما يفتح السؤال أيضًا عن ماذا «يتحرر» منه الفيلم عندما يكون تمويله ذاتيًا وغير مقيد بالمؤسسات، وعن الجديد الذي يأتي به إلى الشاشة، في هذه الحالة.

في «ليل/ خارجي» اختار عبد الله المغامرة الإنتاجية، إلا أنه في الوقت ذاته ابتعد عن أي تجريب بصري أو سردي قام به في أفلام أخرى له، ربما باستثناء مَشاهد أحلام «مو» بفيلمه المستقبلي عن مهاجر من صعيد مصر إلى أوروبا عبر البحر.

في النقاش ما بعد عرض الفيلم، سُئل عبدالله عن الموسيقى التي استخدمها، والتي جاءت برعاية إذاعة «نجوم إف إم»، واستخدمت كمعادل صوتي في بعض المشاهد، وليس فقط في خلفية شريط الصوت، ومعظمها أغاني بوب لنجوم الساحة كشيرين عبد الوهاب. أجاب عبد الله أنه أراد أن يكون فيلمه «قريبًا للشارع»، وهي الإجابة التي وإن كانت تشير لرغبة في التخلص من السمعة السيئة للسينما المستقلة بوصفها نخبوية، إلا أن هذه التصور عن  مفهوم «القرب من الشارع» يفصح عن رغبة في صنع فيلم يحاكي السوق ويرغب في النجاح التجاري.

كان مخططًا للفيلم أن يتم توزيعه من خلال شركة «فيلم كلينيك» ولكن بعد أن تولى رئيسها محمد حفظي رئاسة مهرجان القاهرة اعتذر عن توزيع الفيلم لاختياره في مسابقة المهرجان. يوزع الفيلم داخليًا الآن «شركة مصر العالمية».

عن الطبقية والذكورية: فيلم صراع في التاكسي

كعادة أفلام عبدالله، المدينة في حالة استثناء. في «ديكور» مثلًا كان هناك حظر تجول، وفي «فرش غطا» كانت هناك ثورة، أما في «ليل/ خارجي» فهناك زيارة رسمية تعطل الشوارع وتعقد مرور القاهرة. يتخلل «ليل/ خارجي» مشاهد متكررة لشوارع القاهرة، والتصوير الخارجي هو الملمح المشترك بينه وبين عدد من الأفلام المصرية الأخرى التي عُرضت هذا العام في دورة مهرجان القاهرة، مثل «الحلم البعيد» (2018) لمروان عمارة ويوهانا دومكي، و«ورد مسموم» (2018) لأحمد فوزي صالح، حيث نشهد فيهم عودة المَشاهد الخارجية إلى السينما المحلية بشكل مكثف. يشترك «ليل/ خارجي» مع هذه الأفلام أيضًا في تفاوضهم على ذلك الخط بين الروائي والوثائقي، وفي كونهم أفلامًا تصنف «مستقلة» في حين أنها تلقّت تمويلًا من جهات متعددة عربية ودولية.

في التاكسي الذي يتنقل فيه الأبطال يجري التنافس بين المخرج والسائق على إغواء توتو.  يستخدم مو، البروجوازي خريج الجامعة الأمريكية، ميزاته الطبقية، ما يجره لمواجهة مصطفى ندًا لند، الأمر الذي يُظهِر «الأشكال دي» على حقيقتها، كما جاء على لسان مصطفى. تتكرر التوترات الطبقية بين شخصيات الفيلم وتكشف المواقف عن امتيازات كل منها الطبقية والذكورية وكيفية استغلالهم/ن لها.

في إحدي المشاهد يتشارك الأبطال الثلاثة الطعام، وفي ظل تصاعد التنافس الذكوري الجنسي بين الرجلين على المرأة، يضرب مصطفى توتو على وجهها، ردًا على مقاطعتها له عندما كان يتحدث إلى العامل بالمطعم. بينما يتصاعد التوتر في المطعم، أشعر بتصاعده في القاعة أيضًا. يسكت الجميع؛ المتفرجون في المطعم وفي قاعة السينما حيث أجلس.

تذهب توتو إلى الحمام لتضبط مكياجها، يعاتب البرجوازي سائقه عتابًا يستدعي أن ينهره مصطفى بأنه لا داعي لتعليمه كيف يعامل النساء. ترجع توتو إلى المائدة ويستكملون تناول الطعام. فيما بعد تذكّر توتو البورجوازي أنها لم تكن بحاجة إلى مساعدته الافتراضية، كما تقول له إنه ليس مختلفًا عن مصطفى، أو عنها شخصيًا، كثيرًا.

لكن هذه الحساسية للطبقة وللنوع الاجتماعي، والتي تتجلى في المواقف المثيرة جدًا للاهتمام في مشاهد الفيلم المختلفة، لا تمتد إلى عملية اختيار الممثلين/ات، التي وقعت في ذلك التقاطع بين الشكل الإنتاجي وما يوفّره، وبين الرغبة في صنع فيلم ناجح تجاريًا. والمثال الأوضح في رأيي هو اختيار الممثلة منى هلا لدور «توتو»، واختيار الممثلة بسمة للعب دور قريبتها التي تسكن معها بالبساتين، أو عمرو عابد للعب دور بلطجي المنطقة، وهو ما انعكس على المصداقية خاصة في ظل اعتماد عبدالله على الممثلين في تعديل جملهم/ن الحوارية.

لا أقول أنه على الممثل أو الممثلة أن يكونوا من نفس الطبقة الاجتماعية لشخصيات أدوارهم/ن حتى يؤدوا الأدوار بشكل جيد، خاصة إذا كانت مكتوبة بوعي لذلك البعد، مثلما نرى ذلك في الفرق بين السائق والمخرج وبين الأخير وعاملة الجنس، لكن أتحدث عن حضور الوعي من عدمه بالبعد الطبقي في اختيارات الممثلين/ات في الفيلم، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا حضور صناعة السينما ذاتها في خلفية الأحداث، وانشغال أفلام عبد الله بسياقات صناعة الأفلام المستقلة، وبيان شركة حصالة عن الفيلم والاعتزاز بكونه أنتج بعيدًا عن الشركات الكبيرة، فأظن أنه يوجد لدينا في تلك الحالة مبرر لفتح الحديث عن بيئة الصناعة واختيارات الفاعلين فيها، وعن تأثير هذا البعد في المحصلة النهائية التي نراها على الشاشة من حيث أداء الأدوار المذكورة، وعن نوع محاور النقاش التي تُطرح في حديثهم، خاصة إذا كانوا ممن يطمحون في تقديم سينما مغايرة للخط التجاري، ومنشغلين بتجارب الإنتاج البديلة، وعندهم تحفظات على مسارات خط السوق السينمائي المهيمن.

أفكر في هذا وأربطه بغضب مو في إصرار عملاء الإعلان على الطفل الموديل الذي في مخيلتهم. ولا أرى الفرق كبيرًا بين خيارات المعلنين وخيارات عبدالله.

يتخلص عبدالله من عبء شركات الإنتاج والمنح وورش التطوير والتوجيهات التي تحدث في تلك السياقات، وهي تجارب تكلم عنها مخرجون آخرون في سياق إنتاج أفلامهم التي تقف وراءها جهات تمويلية. وبالتأكيد، يستحق موضوع الدعم وتأثيره على الإنتاجات العربية المستقلة نقاشًأ أكثر تفصيلًا.

ولكن ما يوضحه «ليل خارجي» بالنسبة لي هو أن الإبتعاد عن طرق مهيمنة لصناعة الأفلام لا ينتج عنه بالضرورة أفلامًا مختلفة عن السائد سواء في سردها أو شكلها أو حتى عمليتها الإنتاجية لإخراج الفيلم. ولكن في الوقت ذاته، يطرح الفيلم تجربة في إمكانية الاعتماد على أموال أكثر تحررًا من الشركات والممولين في صنع الأفلام المحلية، وهو ما يفتح إمكانيات كبيرة لمشاهدة أفلام مغايرة للذوق التجاري المصري الحالي. ولكن في كل الأحوال، أظن أنه يجب علينا ربط هذا التغيير في الشكل الإنتاجي بالسؤال عن تأثير ذلك على المنتَج النهائي.

اعلان
 
 
أحمد رفعت