أسعار الفائدة في 2018 .. الثبات لمواجهة الأزمات
 
 

أنهى البنك المركزي عام 2018 بقراره مساء أمس، الخميس، تثبيت سعر الفائدة، للمرة السادسة على التوالي، لتصبح السمة الغالبة لهذا العام هي التثبيت عند مستويات مرتفعة، بدلا من سياسة تخفيض الفائدة التي حاول انتهاجها في مطلع العام، لكنه تراجع بسبب التأثيرات العالمية لأزمة الأسواق الناشئة وما حملته من انعكاسات على مصر. واستقر سعر الفائدة عند مستوى 16.75% للإيداع و17.7% للإقراض.

ماذا حدث؟

بدأ عام 2018 بتراجع البنك المركزي عن تقييد سياسته النقدية -يقصد بالسياسة النقدية المقيدة، التي تتضمن مستوى مرتفع لأسعار الفائدة- التي انتهجها منذ نوفمبر 2016، تزامنا مع قرار تعويم الجنيه الذي مهد لتوقيع اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، على قرض قيمته 12 مليار دولار. وتضمن الاتفاق مع الصندوق ضرورة رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة حتى تنخفض الضغوط التضخمية الناجمة عن عدة بنود أخرى في الاتفاق، على رأسها تعويم الجنيه.

ويفترض -نظريا على الأقل- أن تحمل أسعار الفائدة تأثيرًا عكسيًا على التضخم، بما تعنيه من خفض الطلب بسبب الإغراء الذي تمثله أسعار الفائدة العالية للمزيد من الإدخار في البنوك بدلا من التوسع في الإنفاق، الذي يرفع الطلب وبالتالي يزيد التضخم.

وكانت لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي قد استهلت قراراتها في عام 2018 بخفض سعر الفائدة بنسبة 1% (100 نقطة أساس) ليصل سعري الإقراض والإيداع  إلى 18.75% و17.75% في اجتماع اللجنة في 15 فبراير، قبل أن تقرر خفضه مجددا بنفس النسبة في اجتماعها اللاحق في 29 مارس.

وأرجع البنك المركزي القرارين إلى انخفاض معدلات التضخم فيما اعتبره نجاحًا لسياسته النقدية، معتبًرا أن توجهه الجديد- وقتها- بخفض أسعار الفائدة يمثل تيسيرًا للسياسات النقدية بعدما لجأ إلى تقييدها بصورة مؤقتة- كما قال- في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية.

وبالرغم من أن البنك المركزي اعتبر هذا التراجع في التضخم نجاحا لسياساته، إلا أنه اعترف مع ذلك بأن ما يسمى بـ «تأثير فترة الأساس» ساهم في تراجع معدلي التضخم، العام والأساسي، لستة شهور متوالية ليصل إلى 17.1% و14.4% في يناير 2018 بعد أن بلغ ذروته في يوليو 2017، حين وصل التضخم العام إلى 33% والأساسي إلى  35.3%.

ويقصد بتأثير فترة الأساس أثر المقارنة مع الفترة السابقة التي تتم المقارنة بها، وبالتالي فانخفاض التضخم السنوي في شهر يناير من عام 2018 في هذه الحالة يرجع إلى ارتفاع التضخم في شهر يناير من عام 2017 الذي تتم مقارنته به.

والتضخم العام مؤشر يقاس بناء على تطور أسعار مجموعة كبيرة من السلع والخدمات، أما التضخم الأساسي  فيستبعد تأثير العناصر أو البنود التي تتسم بالتقلب، وهي في مصر الخضراوات والفاكهة يستبعد العناصر المحدد سعرها إداريا.

وبالرغم من أن معدلات التضخم قد استمرت في التراجع في الشهور التالية وصولا لذروة انخفاضها في شهر مايو، الذي شهد معدلًا عامًا بلغ 11.44%، إلا أن البنك المركزي كان قد تراجع عن إجراء المزيد من التخفيض لسعر الفائدة، وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على السعر عند مستوياته المرتفعة في كل اجتماعاتها اللاحقة خلال عام 2018.

 

لماذا؟

بالرغم من تأثير أسعار الفائدة على معدلات التضخم إلا أن هذا التأثير قد يبقى نظريًا في بعض الأحيان كما هو الحال في الفترة التي تلت تعويم الجنيه وفقا لرأي عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمجموعة مالتيبلز، في تقرير سابق لـ «مدى مصر». إذ قال الشنيطي إن هذه الموجة التضخمية ترجع إلى زيادة تكاليف الشركات بسبب التعويم الأمر الذي أحدث ارتفاعًا في الأسعار لم يكن سببها زيادة في الطلب، ما يعني أن رفع سعر الفائدة أو خفضه لا يحمل تأثيرًا يذكر على التضخم، وأن التضخم بدوره لن يؤثر وحده على قرار البنك المركزي بشأن الفائدة.

فالتضخم لا يمثل السبب الوحيد لاتخاذ قرار بشأن سعر الفائدة. إذ تحمل أسعار الفائدة تأثيرًا مباشرًا كذلك على الاستثمارات في أدوات الدين المصري -الأذون والسندات- أو ما يسمى باستثمارات المحفظة، لأن ارتفاع أسعار الفائدة يشمل الفائدة على إقراض الأفراد وإقراض الحكومة ما يعني أن تراجع أسعار الفائدة يمثل تراجع الإغراء لشراء أدوات الدين المصري والعكس صحيح.

وشهد عام 2018 ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة الأمر الذي أدى إلى تراجع الاستثمارات في الديون في الأسواق الناشئة ومن ضمنها مصر، ما أدى إلى تسابق الأخيرة على رفع أسعار الفائدة لديها في محاولة لاستعادة والإبقاء على الاستثمارات في أسواق الدين فيها، إلا أن ذلك لم يمنع في النهاية انخفاض استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية  لتحقق نحو 6.5 مليار دولار في عام 2017/2018 مقابل عشرة مليارات دولار في العام السابق، تبعا لبيانات المركزي.

من دفع الثمن ومن استفاد؟

بالرغم من التأثير السلبي المباشر لأسعار الفائدة العالية على الاستثمار المباشر، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل البنكي لهذا الاستثمار، وعلى الاستثمار غير المباشر في البورصة بسبب انخفاض جاذبية أسهم الشركات مع ارتفاع الفائدة البنكية، إلا أن الموازنة العامة هي الأكثر تأثرا بارتفاع أسعار الفائدة  لكون الحكومة المقترض الأكبر في السوق، مما يُلزمها بتوجيه جزء كبير من مواردها لسداد الديون وفوائدها المتزايدة.

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن متوسط أسعار الفائدة على الأذون الحكومية منذ بداية العام المالي الحالي 2018-2019  قد بلغ 19%، مقابل 14.5% تمثل المتوسط الذي كانت الحكومة تستهدفه، وفقا  لمنشور إعداد موازنة العام المالي المقبل.

كما ارتفع الوزن النسبي لتكلفة الفوائد إلى إجمالي المصروفات في الموازنة العامة من 36% في عام 2017-2018، إلى 39% في موازنة العام المالي الحالي، في الأساس بسبب سياسة رفع أسعار الفائدة.

وساهم هذا العبء الشديد على الموازنة العامة في منع البنك المركزي من رفع سعر الفائدة مجددًا في محاولة لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى سوق الدين مجددا.

أما أكبر المستفيدين فيتمثل في البنوك العاملة في السوق المصري، والتي تستثمر ما يزيد على ثلث أصولها في أدوات الدين الحكومية وفقا لوكالة موديز للتصنيف الإئتماني، وترتفع أرباح عدد كبير منها مع ارتفاع أسعار الفائدة على أدوات الدين المصرية.

وكانت «مدى مصر» قد نشرت تقريرًا في نوفمبر الماضي أوضح استفادة معظم البنوك المدرجة في البورصة من قرارات رفع الفائدة بسبب ارتفاع استحقاقاتها لدى الغير- وعلى رأسها الحكومة، بحيث تستفيد من ارتفاع الفائدة على استحقاقاتها المالية التي تفوق ما عليها من التزامات.

اعلان
 
 
بيسان كساب