«س وج».. ما نعرفه عن الآلية الجديدة لتسعير الوقود
 
 
صورة: عثمان الشرنوبي
 

تقترب مصر من تطبيق نظام جديد لتسعير منتجات الوقود يربط ما بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية، ويسمح بتمرير التذبذبات الشديدة -في بعض الأحيان- في الأسعار العالمية للطاقة إلى المستهلكين المصريين، بعد عقود من التحديد الحكومي لتلك الأسعار، تنفيذًا للبرنامج الاقتصادي المتفق عليه بين الحكومة وصندوق النقد الدولي.

وكشف تأجيل صندوق النقد لصرف الشريحة الخامسة من قرض الـ12 مليار دولار المتفق عليه مع مصر، والذي كان مقررًا في ديسمبر، عن وجود خلاف بين الطرفين حول تأخر مصر في تنفيذ بعض بنود البرنامج الاقتصادي، وعلى رأسها التخلص من مخصصات دعم الطاقة وتطبيق آلية جديدة لتسعير الوقود، بحسب ما أكدته تقارير صحفية في غياب أي تعليق رسمي حكومي على الأمر.

وقالت وكالة بلومبرج، نقلًا عن مصادر حكومية فضلت عدم الإفصاح عن هويتها، إن الحكومة قررت أن تحتوي تلك النقطة الخلافية عن طريق تطبيق محدود لآلية التسعير التلقائي للوقود في مارس المقبل، يقتصر على البنزين 95، ثم تطبيقها على باقي المواد البترولية اعتبارًا من سبتمبر 2019، وهو ما يعني أن تطبيق الآلية على المنتجات البترولية -باستثناء بنزين 95- سيأتي بعد إلغاء الدعم على المواد البترولية المقرر في يونيو المقبل.

وتوقع تقرير صدر أمس عن بنك استثمار بلتون أن يكون الهدف من البدء باختبار الآلية على نوع واحد من الوقود عالي الجودة، هو دراسة آثارها التضخمية قبل التوسع في تطبيقها.

وفي ظل النقص شبه الكامل للبيانات الرسمية عن الآلية الجديدة وكيف تعمل، أوجز «مدى مصر» أهم الأسئلة عنها في محاولة لتصور ما سيكون عليه تداول منتجات الطاقة بعد تطبيقها.

كيف تطور الاتفاق حول الآلية الجديدة مع صندوق النقد الدولي؟

ترتبط الآلية الجديدة بصورة مباشرة بالاتفاق الذي تم مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، والذي تحصل مصر بمقتضاه على قرض خلال مدى ثلاث سنوات، تنتهي العام المقبل. وتعهدت الحكومة في إطار الاتفاق بتعديل أسعار الوقود بشكل تدريجي تتخلص خلاله من عبء دعم المواد البترولية، كما تعهدت بإعداد آلية تسهل تحديد أسعار تلك المنتجات بشكل يعكس الأسعار العالمية بعد إلغاء الدعم.

وتبعًا لتقرير صادر أمس عن بنك الاستثمار شعاع، استعرض فيه المسار الزمني لتطور مقترح تطبيق الآلية، قدمت الحكومة تصورًا حول آلية التسعير التلقائي في أكتوبر 2017، لكنه افتقر وقتها للتفاصيل الكافية بشأن كيفية التطبيق، قبل أن تُعرض الآلية مجددًا على رئيس الوزراء في يونيو الماضي ليوافق عليها.

وقال صندوق النقد في وثائق المراجعة الثالثة للبرنامج الاقتصادي المتفق عليه مع مصر، أن الحكومة المصرية قدمت إليه في يونيو الماضي تفاصيل الآلية التي تربط أسعار الوقود تلقائيًا بالأسعار العالمية، بعد تأخرها في تقديمها أكثر من مرة، واعتبر في بيان أصدره في يوليو الماضي، أنها ستكون «عاملًا مساعدًا أيضًا في حماية الموازنة من التغيرات غير المتوقعة في سعر الصرف وأسعار النفط العالمية».

وتعهدت الحكومة لصندوق النقد الدولي بتطبيق تلك الآلية على مختلف المواد البترولية بنهاية ديسمبر الحالي وتطبيقها قبل هذا التاريخ على بنزين 95، كما يوضح تقرير شعاع، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

لكن لم يصدر حتى الآن رسميًا عن الحكومة ما يفيد نيتها التحول لآلية التسعير التلقائي، ولم يتضمن البيان المالي للموازنة العامة الحالية إلا تعهدات حكومية بالمضي قدمًا في إصلاح منظومة دعم المواد البترولية على المدى المتوسط.

وقال عضو سابق في الحكومة، خلال الفترة بين منتصف 2012 وحتى منتصف 2013، لـ «مدى مصر»، إن آلية التسعير الجديدة طُرحت للنقاش سابقًا ضمن برنامج كان مقترحًا وقتها للاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض، قبل أن تتوقف المفاوضات بخصوصه في منتصف عام 2013.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن «تطبيق الآلية كما كانت مقترحة وقتها شمل كل أصناف الوقود بما فيها تلك المرتبطة بالأنشطة التجارية مثل المازوت والسولار … كما كان من المقترح أن تنهي تلك الآلية مخصصات دعم الوقود تمامًا، بحيث تباع المنتجات بسعر تكلفتها، دون تخفيض أي نسبة في صورة دعم حكومي».

كيف يُفترض أن تحدد الأسعار وفقًا لآلية التسعير الجديدة؟

تطبيق تلك الآلية يقوم على «التوصل إلى متوسط تكلفة إنتاج البترول من المصادر الأربعة التي تمثل مصادر الوقود في مصر على سبيل الحصر، وهي حصتها المجانية من الوقود الخام وفقًا لاتفاقاتها مع الشركاء الأجانب (الخاصة باستخراج البترول من الأراضي المصرية)، والكمية التي تشتريها من حصة الشريك الأجنبي مقابل أسعار تفضيلية [أقل من السعر العالمي]، وما تستورده مصر من الخارج من وقود خام بالسعر العالمي لتكريره محليًا، وما تستورده من منتجات وقود تامة الصنع من السوق الدولي بالسعر العالمي»، كما قال المصدر الحكومي السابق.

وأضاف المصدر أن تطبيق تلك الآلية يفترض احتساب الأوزان النسبية لكل من تلك المصادر في معادلة لحساب سعر لتر كل منتج من المنتجات البترولية … على أن يتم ذلك على نحو شهري غالبًا، «لأن التعديل شهريًا يمثل أفضل دورية للتعديل حتى لا تتحمل الدولة أي ارتفاع في الأسعار في حال جرى تعديل على فترات أبعد … كما أن التعديل خلال فترات أقل لا يعد مجديًا».

وتؤدي كل زيادة بنحو دولار أمريكي واحد في السعر العالمي للنفط إلى ارتفاع بقيمة 4 مليارات جنيه في عجز الموازنة، وفقاً لتقديرات الحكومة في البيان المالي للموازنة الحالية.

وتستند الموازنة العامة للعام الجاري في تقديراتها إلى سعر للبترول يبلغ 67 دولارًا للبرميل، لكن الأسعار بدأت في الانخفاض منذ مطلع أكتوبر وصولًا إلى مستوى 60 دولارًا تقريبًا حاليًا.

ما الفارق بين رفع أسعار الطاقة وآلية التسعير التلقائي؟

يشير رفع الأسعار إلى تخفيض، ثم إلغاء، المخصصات التي تتحملها الموازنة العامة للدولة لتوفير منتجات الوقود بسعر أقل من تكلفتها الفعلية. أما «آلية تعديل أسعار المواد البترولية» فتعني تطبيق مُعادلة تسعير تشمل متغيرات سعر الصرف وأسعار النفط العالمية ونسبة المواد البترولية المستوردة لتحديد سعر بيع الوقود محليًا للمستهلك، تلك الآلية تستهدف تمرير تذبذبات سعر الصرف وأسعار النفط العالمية إلى المستهلك مباشرة، بدلًا من تحميلها للموازنة العامة للدولة، وذلك بغرض ترشيد النفقات، لكن هذه التذبذبات في النهاية تشمل صعود السعر وهبوطه أيضًا.

وبمعنى آخر «يؤدي خفض الدعم على أسعار المواد البترولية بالضرورة إلى رفع أسعارها، بينما تتيح آلية التسعير التلقائي للمواد البترولية تغير الأسعار في حالة تغير سعر صرف العملة المحلية و/أو أسعار النفط العالمية، حيث تربط أسعار التجزئة للمستهلك بالمتغيرات العالمية – صعودًا وهبوطًا»، بحسب تقرير بنك الاستثمار «شعاع».

واستبعد التقرير تراجع أسعار البنزين عقب تطبيق آلية التسعير التلقائي – بالرغم من تراجع أسعار النفط عالميًا مؤخرًا– نظرًا لاستخدام متوسطات عن فترات طويلة في آلية التسعير فيما يسمى بآلية Smoothing Mechanism والتي تستخدم لتخفيف حدة التقلبات.

وارتفعت تكلفة دعم المواد البترولية في الموازنة العامة بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة، من 51 مليار جنيه في عام 2015/2016 إلى 115 مليار جنيه في عام 2016/2017، بسبب تحرير سعر الجنيه وما أدى إليه من تراجع قياسي في قيمته، بالإضافة إلى الارتفاعات في أسعار البترول العالمية، وذلك بالرغم من تطبيق برنامج حكومي لتقليص الدعم ترتب عليه رفع أسعار بيع الوقود للمستهلك عدة مرات خلال تلك الفترة.

وتوقع بنك الاستثمار «شعاع» أن يؤدي رفع الدعم عن المنتجات البترولية – عدا بعض المنتجات كثيفة الاستهلاك – في يونيو المقبل، إلى القفز بمعدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم) إلى ما يتراوح بين 15% إلى 16% عقب هذا الإجراء مباشرة.

وقال محلل للاقتصاد الكلي في أحد بنوك الاستثمار، طالبًا عدم نشر اسمه، إن الآلية الجديدة يمكن أن تشمل بعض الدعم أيضًا، موضحًا أن ثمة احتمال أن تلجأ الحكومة إلى اعتماد آلية التسعير المرتبط بالأسعار العالمية مع تحملها نسبة من هذا السعر ولو مؤقتًا، على نحو يسمح لها بتحريك أسعار البيع النهائية للمستهلكين تدريجيًا، مضيفًا أن «صندوق النقد الدولي لم يوضح في أي تصريحات أو وثائق معلنة على سبيل التحديد السيناريو الأمثل من وجهة نظره لتطبيق الآلية، ومن غير الواضح إن كان قد يرفض أو يقبل تطبيق أي دعم لأسعار الطاقة ضمن آلية التسعير الجديدة».

اعلان
 
 
بيسان كساب