احتجاجات السودان في الإعلام المصري.. «ساعة تروح وساعة تيجي»

في يناير الماضي، وعلى وقع رفع أسعار الخبز والوقود، اندلعت في مدن ولايات السودان احتجاجات واسعة، رفع فيها المتظاهرون شعار «لا للجوع.. لا لارتفاع الأسعار»، وطالبوا بإسقاط نظام الرئيس السوداني عمر البشير، بعد سقوط متظاهرين في مواجهات مع قوات الأمن التي بادرت باعتقال قيادات المعارضة وصادرت عدة صحف في محاولة لإخماد الاضطربات المتنامية.

احتفى الإعلام المصري بتلك الاحتجاجات، ونقلها على الهواء مباشرة، وأفردت الصحف صفحاتها لتحليلات خبراء، وفتحت فضائيات مدينة الإنتاج الإعلامي شاشاتها أمام قادة المعارضة السودانية في الداخل والخارج للإجهاز على نظام البشير الإخواني صانع الأزمات الذي يقتل شعبه بالجوع تارة وبسلاح الأمن تارة أخرى، ودعت وسائل إعلام مصرية المواطنين السودانيين إلى مواصلة الاحتجاج على تدهور أوضاعهم المعيشية.

كما انتقدت الصحف المصرية اليومية بالإجماع قرار الحكومة السودانية رفع أسعار السلع الأساسية، خاصة الكهرباء والسكر والقمح، لمستويات قياسية غير مسبوقة، ونقلت بيانات عن قادة الأحزاب السودانية المعارضة طالبوا فيها باستمرار أعمال المقاومة السلمية الرافضة للقرارات الحكومية، مؤكدين أنه لا مخرج من هذه الأوضاع إلا بالإطاحة بنظام عمر البشير وإعادة السلطة للشعب

اشتباك الإعلام المصري مع تلك الاحتجاجات في حينه، لم يكن لوجه الله أو لخدمة المتلقي المصري الذي يسعى لمعرفة ما يدور على حدوده الجنوبية، فوسائل الإعلام المصري لم تعد مهتمة سوى بإرضاء السلطة وتنفيذ تعليماتها، إما اتقاءً أو تقربًا وزلفى.

ما حدث هو أن العلاقات المصرية السودانية كانت وقتها في أوج توترها إثر زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان، وإعلانه من الخرطوم موافقة نظيره السوداني عمر البشير على تسليم جزيرة سواكن، الواقعة في البحر الأحمر شرقي السودان، إلى تركيا كي تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يحددها، وهو ما فتح الباب لهجوم الإعلام المصري على البشير ونظامه الذي أصدر قرارًا بتأجير جزء من ترابه الوطني مقابل المال، وحقق للرئيس التركي طموحه بإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية.

هجوم الإعلام المصري مطلع العام الجاري على النظام السوداني واتهامه للبشير بالعمالة والخيانة لصالح العدو التركي، دفع الخرطوم إلى استدعاء سفيرها لدى القاهرة عبد المحمود عبد الحليم، واتهم السفير حينها الإعلام المصري بـ «الغوغائية»، وبأنه يسمم العلاقة بين البلدين، متخذًا من زيارة الرئيس التركي للخرطوم فرصة للنيل من السودان وتحقير شعبه، داعيًا الإعلام المصري إلى الانتباه جيدًا إلى أن السودان، ليس جمهورية موز، وله علاقاته الإقليمية والدولية الخاصة.

مضى نحو 11 شهرًا على احتجاجات السودان التي اتُهم الإعلام المصري بالنفخ في نارها، واندلعت موجة جديدة من الغضب في عدة مدن بولايات الشقيقة الجنوبية، بسبب رفع أسعار الخبز وتردي الأحوال المعيشية، سقط فيها نحو 22 متظاهرًا إثر مواجهات مع قوات الأمن، وحرق فيها مقرات لحزب المؤتمر الحاكم وعطلت خلالها الدراسة بالمدارس والجامعات واعتقل عدد من قادة المعارضة، كل هذا والإعلام المصري «لا حس ولا خبر»، وكأن ما يجري هناك لا يعني الجمهور المصري من قريب أو بعيد، وباستثناء عدد محدود من المواقع الإخبارية -بعضها محجوب في مصر- لم تُجب صحافة القاهرة على سؤال: «ماذا يجري على حدودنا الجنوبية؟».

ونظرًا لحالة الحظر التي فرضت على الإعلام التقليدي في التعاطي مع أحداث السودان الأخيرة التي بدأت يوم الأربعاء الماضي، بدأ الجمهور المصري يبحث عن مصادر أخرى للأخبار، وتناقل رواد السوشيال ميديا روابط لمواقع إخبارية دولية ووسائل إعلام سودانية معارضة لمتابعة الأحداث التي تشابهت في شعاراتها ومطالبها مع أحداث ثورة 25 يناير، وأصبح «الترند» على موقع «تويتر» للتدوينات القصيرة في الأيام الأولى من الأحداث #مدن_السودان_تنتفض.

مطلع الشهر الجاري، رفع 294 نائبًا عريضة موقعة إلى رئيس البرلمان السوداني إبراهيم أحمد عمر، لتعديل الدستور لمنح البشير فترة رئاسية أخرى بعد أن انتخب مرتين، لم يُسمح بنشر خبر التعديلات المقترحة في الصحف المصرية، وبالطبع لم يسمح بتناولها تحليلًا أو نقدًا في الفضائيات، وهو ما كشف عن أن صاحب قرار المنع «على راسه بطحة».

بالتوازي لم تقترب الصحف المصرية من الأخبار المتداولة عن نوايا بعض نواب البرلمان المصري بالتقدم بعريضة مماثلة لتعديل دستور 2014 في يناير المقبل، ووصل الأمر إلى وقف طبع عدد من الصحف ورفع أخبار التعديلات المرتقبة من بعض المواقع.

إذن القرار صدر بعدم تناول الإعلام المصري للجدل السياسي الذي يجري في السودان قبل بداية الاحتجاجات التي توقعها البعض سياسية ضد التعديلات الدستورية المقترحة، فلما اندلع الغضب لأسباب اجتماعية واقتصادية، خشى صاحب القرار من الربط بين الفشل السياسي لنظام البشير ومحاولته التأبيد في الحكم عبر استفتاء دستوري معروف نتيجته سلفًا، وبين الاحتجاجات التي اندلعت في الأطراف ووصلت الخرطوم واقتربت من القصر الرئاسي.

حالة التعتيم التي فرضتها الأجهزة المسيطرة على الإعلام المصري على أحداث السودان ليس لها سوى تفسير واحد، هو أن السلطة في مصر تخشى من انتقال عدوى الاحتجاجات على ارتفاع الأسعار أو العبث بالدستور إلى الداخل المصري، فقررت منع الجمهور من متابعة ما يجري هناك على صفحات صحفها أو شاشات فضائياتها، وتَخيلت إنه يمكنها حجب الأخبار في عصر السوشيال ميديا والقنوات المفتوحة، فالجمهور الذي لم يجد في «الجزيرة» وأخواتها وباقي القنوات العربية التي غيبت أحداث السودان مع سبق الأصرار والترصد ما يشبع رغبته في المعرفة، وجد ما يبحث عنه في الإعلام البديل.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تغيب فيها احتجاجات رفع الأسعار عن الإعلام المصري، فسبق أن تجاهلت فضائيات القاهرة وصحفها الإضراب العام في تونس مطلع نوفمبر الماضي، وهو ما تكرر مع مظاهرات رفع أسعار الوقود في الأردن منتصف العام الجاري، ووصل الأمر إلى تزييف ما يجري في شوارع باريس وباقي المدن الفرنسية إبان انتفاضة «السترات الصفراء» ضد قرار رفع الضرائب على الوقود منذ أسابيع.

الإنكار لن يفيد، ومنع النشر في صحف لا يقرأها أحد وفضائيات توقف الجمهور عن متابعتها لن يجدي، فالأخبار على قارعة الطريق، والإعلام البديل أصبح مصدر ثقة لجمهور فقد الثقة في إعلامنا الموجه.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ