عن «المحاسبة» دعوة للمراجعة والتجديد
 
 
المصدر: نورا كمال
 

تعمل «شبكة نورْثْوِست» للقضاء على العنف الأسري وتهيئة الظروف المواتية للحب والتكافؤ في العلاقات، منذ ربع قرن تقريبًا. وقد صرفنا قسطًا كبيرًا من جهدنا في تلك المدة إلى مساعي استحداث أسلوب عملي لممارسة «المحاسبة المجتمعية» في أوساط الناشطين. رأينا الحاجة الماسة إلى ذلك في تجاربنا، وفي تجارب من طلبوا خدماتنا أيضًا.

و«نورْثْوِست» هي شبكة لمزدوجات/ي الميول الجنسية والعابرات/ين والمثليات/ين الذين تعرّضوا إلى انتهاكات. [أُسست عام 1987].

كنا نرى جماعات الناشطين تستنفر -عن جهل- للدفاع عن المُنتهِكين، ونحضر حلقات للشِعر يقف فيها مُعنِّفون ويلقون على الملأ كلمات غاضبة مشحونة سياسيًا يهينون فيها شركاءهم فتهلل الجماعة مأخوذةً بهم، وقاسينا استعراض المُعنِّفين قواهم بحشد مجموعات الناشطين كي تثأر لهم من أصدقاء شركائهم، أو منّا، ومن المنظمات الأخرى التي تمد لهم يد العون، ورأينا حب الناس وانبهارهم يؤخذ فاصلًا عمَن مِن المُعنِّفين يستحق الصفح ومَن مِنهم يستحق الذبح.. فعزمنا على استحداث آليات محاسبة مجتمعية قوية، وشفافة في الوقت نفسه، آملين أن نقدر بها على مواجهة بعض ما فيه هلاك مجتمعنا من إيذاء وتآمر وتواطؤ، وجعلناه جزءًا من عملنا من أجل تحويل أوساطنا إلى أحياز تنشأ فيها علاقات قائمة على الحب والتكافؤ.

لحَظنا في جهادنا هذا مواطن قصور بعينها تتكرر في تنفيذ كثير من المبادئ الجوهرية للمحاسبة المجتمعية. أعرض هنا بعض تلك المواطن.

محاسبة الأشخاص

تُتخذ محاسبة المجموعة للفرد على أفعاله محورًا لكثير من آليات المحاسبة المجتمعية وجهودها، وقد أسهم هذا في تشكيل فهم مغلوط للمحاسبة: ظنٌ أن المحاسبة هي في جوهرها فعل نؤديه خارج أنفسنا، لا خصلة (أو مهارة) ذاتية نتحلى بها.

و«شبكة نورْثْوِست» تجعل الناجين محور كل الجهود. نحن نرى مَن يجاهدون لتجاوز ما تعرّضوا له من انتهاك أشخاص قائمين بذواتهم، هم الفاعلين في حيواتهم، لا مجرد مفعولين بهم يخضعون لتسلُّط مُنتهكيهم واستغلالهم. تجاربنا الشخصية في مغالبة آثار ما وقع علينا من اعتداء علمتنا أن لسيادة المرء على شؤونه علامات: مقدرته على التفكير في اختياراته تفكيرًا نقديًا، وإيمانه بأن أعماله ليست هباءً، واستطاعته مواجهة نفسه بمسؤوليته عنها؛ حتى وهو يضع اختياراته في سياق الانتهاك والاستغلال الذي اتخذها فيه. ولا يستقيم أن يتحمل الناجي مسؤولية أمام معنِّفه؛ فالمُعنِّف يستغل أخطاء شريكه ويستخدمها في إحكام السيطرة عليه؛ كأن يعيِّره بها مثلاً كي يرضخ الناجي ويلتزم الصمت وينزجر عن طلب العون من أحد، أو يبتزّه بها إن أراد الناجي أن يهجره. لكن ذلك لا ينفي أن ثمار المحاسبة ضرورية للناجين كما هي ضرورية لغيرهم من الناس؛ فالمحاسبة تفضي إلى تحرًّر المرء من إحساسه بالذنب والعار، وتصالحه مع نفسه وجماعته، وانعتاقه من وِزر الضرر الذي سببه لغيره. والحق أن المحاسبة نافعة لكل مَن يبدي ندمًا على فعلٍ قام به، أو يقاسي من جرائه، مهما كان فعله مبررًا في سياقه.

وليست المحاسبة شرًا يحل بالأشرار، بل هي خصلة إنسانية.. خصلة ينبغي لكل منّا أن يهتم باكتسابها لتكون له عونًا؛ يفطن بها إلى الأذى الذي يسببه لنفسه وللآخرين، ثم يداويه. وإن نحن اكتسبنا هذه الخصلة وجهدنا -جمعًا وأفرادًا- في تنمية إحساس المسؤولية الشخصية عندنا صرنا أقدر أيضًا على مطالبة الآخرين بالإقرار بمسؤوليتهم عن أعمالهم، وأقدر كذلك على معرفة مَن يرفضون تحمًّل المسؤولية ويتملصون منها. وكلما كثر مَن يتحلون بهذه الخصلة صارت الجماعة أكثر استعدادًا للمحاسبة الأخلاقية العضوية [الداخلية] وأقدر عليها.

أما إذا لم نتعلم خصلة المحاسبة الذاتية فسيظل المُنتهِكون بيننا قادرين على الإفلات بانتهاكاتهم، إذ لن يكون إنكارهم المسؤولية ملفتًا ما داموا يشبهون في ذلك معظمنا، وسيؤدون دور الضحايا ويقنعون من حولهم باستحقاقهم فيخدعونهم -فإما أن يظل الحال كذلك إلى الأبد، وإما أن تحتدَّ انتهاكاتهم حتى الفجاجة فتنكشف أخيرًا، وإما أن تنهار الجماعة تحت وطأة دفاعها عنهم أو انشغالها باحتوائهم.

مَن هو المُنتهَك؟

نظام التمييز بحسب الجنس sexism يجعل اليد العُليا في العلاقات الغيرية للرجال، ولهذا فإذا كان طرفا العلاقة شخص نُشِّئ نشأة الإناث ويعدُّ نفسه امرأة (أي امرأة صاحبة هوية جندرية معيارية cisgender*) وشخص نُشِّئ نشأة الذكور ويعدُّ نفسه رجلًا (أي رجل صاحب هوية جندرية معيارية)، وكان في العلاقة أذى وانتهاك، فغالب الظن أن الرجل هو الطرف المؤذي. (وليعلم القارئ أن هذا ليس حال العلاقات الغيرية قاطبةً، وأنه لا بد من معايير أدق نتبيَّن بها الطرف المُنتهِك. لكن إذا لم يكن بين أيدينا سوى عامل واحد نستدل به على الطرف المعتدي فإن النوع الاجتماعي أكثر العوامل دلالةً في العلاقات الغيرية). أما العلاقات «الكويرية» فلها وجه مختلف، إذ إن النوع الاجتماعي وحده لا دلالة له في تبيُّن المُعتدي من الناجي.

مَن إذًا الذي يحظى بإيمان الناس بأقواله في أوساط الناشطين، ومَن الذي يُكذَّب؟ بل أي صور الأذى نعالج؟ التسلُّط والاستغلال والتجبُّر؟ أم -نعالج- أنواعًا معينة من العنف؟ أم ممارسة الامتيازات أو مجرد وجودها؟

أحيانًا يسلك الناجون الذين تعرّضوا للعنف الأسري سلوكًا عنيفًا في مقاومتهم لما ينطوي عليه الانتهاك من تشييء، وأحيانًا يقول المُعنِّفون إن شركاءهم يتصرفون تصرفات فظة، أو قاسية، أو مخيفة، أو مُربكة. والناظر إلى تلك الأفعال خارج سياقها قد يرى فيها انتهاكات، أما في سياقها فهي مفهومة: هي مقاومة للسلطة والتسلُّط. يخطئ الناس في ظنهم أن المُعنِّفين «أشرار» وأن الناجين «أخيار». التعنيف شر، والنجاة بعده خير، أما المُعنِّفون والناجون أنفسهم فهم بشر. وليس بالسهل أن نفهم أفعال الناجي حين لا تتفق وتصوُّرات «الضحية الطيبة» عندنا، ولا أن نفسر جهود الاستمالة والخداع التي يبذلها المُعنِّف. وكثيرًا، كثيرًا ما رأينا الأمور تختلط على الناس في جماعات الناشطين فينتهون إلى مهاجمة الناجي.

فأحيانًا يستغل المُعنِّفون ما تعرضوا إليه من استضعاف؛ كالعنصرية مثلاً أو الاحتقار بسبب مثليتهم، أو ما يقاسونه من مرض نفسي أو استغلال في بيوتهم أو أشغالهم، أو ما سبق من اعتداءات وقعت عليهم، ويوظِّفونه في التغرير بأصحابهم وشركائهم وأهليهم وزملائهم ورفاقهم والتحكم فيهم، ويبتزونهم بولائهم لهم، بل إن المُعنِّفين يؤمنون بأنهم هم الضحايا. وفي كثير من الأحيان يكون ما تعرّضوا له حقيقيًا، وكل منّا يستحق قدرًا معقولًا من الاهتمام بما يتعرّض إليه من استضعاف، لكن شعورهم بالاضطهاد والاستحقاق يفتك بأحبابهم وبالجماعة. قد تحسب جماعات الناشطين أننا محصنون من هذا التغرير والتلاعب، لكن هذا خطأ، وفيه غرور؛ فنحن أقل الناس حصانة لأننا أكثرهم اهتمامًا بما تفعله أنظمة القهر القائمة في عالمنا وأثرها في تشكيل الأشخاص، إننا أكثر عرضة من غيرنا للوقوع ضحية التغرير الذي يمارسه المُنتهِكون لأننا أكثر الناس تعاطفًا لما يتعرّضون إليه من قمع مؤسسي وأقدرهم على إبصار ظلم الأنظمة لهم، فحسُّ التعاطف عندنا يجعلنا لا نرى المقهور قادرًا على انتهاك غيره، ولا ننتظر منه الاعتراف بمسؤولية ما يرتكبه من انتهاك.

يميل كل منّا -حين نتصدى لاختيار الطرف الذي سننحاز إليه بين اثنين متصارعين- إلى الإيمان بأن صديقه محق، وبأن الشخص الذي صلته به أضعف مخطئ. إذا رأيت صديقي يصرخ في شريكه مثلًا فقد أجد في نفسي ما يماثل غضبه -تلقائيًا من دون تفكير- ثم أُرجع هذا الغضب إلى تصرفات مزعجة ارتكبها شريكه، وأرى فيها تلاعبًا أو استغلالًا أو أذىً، فأحمِّل الشريك مسؤولية الغضب. أما إذا كان الصارخ هو الطرف الآخر فسأميل أكثر إلى أن أرى الصارخ مُنتهِكًا، وقد يصعب عليّ أن أرى الصراخ استراتيجية يقاوم بها تسلُّط صديقي وتجبُّره. وعليه فلا يجوز لنا أن نختار انحيازاتنا بحسب «تحالفاتنا التلقائية».

ويزيد الأمر تعقيدًا أن كثيرًا من الناجين يلومون أنفسهم على الانتهاك؛ إذ إن كثيرًا من المُعنِّفين يلومون شركاءهم على كل شيء، فيستبطن الناجون ذاك اللوم بمرور الزمن، ويطفقون يحملون أنفسهم مسؤولية كل ما يقع من مشاكل أو أخطاء. وحين يكون الناجي مستعدًا لـ «تحمل المسؤولية» والمُعنِّف راضيًا بلوم شريكه تزيد البلبلة، ويصعب على الجماعة أن تفند الانتهاك وتفهمه، بل إن لوم الناجي لذاته يساعد المُعنِّف على استنهاض الجماعة للدفاع عنه [أي عن المُعنِّف].

وحتى إذا تبيَّنَّا مَن منهما صاحب السلوك المؤذي وعرفناه فليس في ذلك ما يكفل أن تكون النتيجة طيبة، ولا أن تكون عملية المحاسبة أخلاقية.

نهج إشكالي

طُرحت المحاسبة المجتمعية في أوساط الناشطين بوصفها بديلًا يُستعاض به عن مؤسسات إنفاذ القانون والنيابة عند معالجة الأفعال المؤذية داخل الجماعة. بعض النشطاء يختارون المحاسبة المجتمعية رفضًا للنظام الجنائي في المقام الأول، إذ يمسي الامتناع عن اللجوء إلى الشرطة معيارًا للتعبير الصادق عن الواقع المَعيش [radical realness]. لكنهم لا يلجأون إلى المحاسبة المجتمعية إلا عند معالجة العنف المُجندَر [ذي الأسباب والدوافع الجندرية] كالاعتداء الجنسي مثلًا، أو التحرش، أو التتبُّع والملاحقة، أو العنف الأسري، ولا تُعقد عمليات المحاسبة لغير ذلك من أوجه الأذى -كالتباطؤ في دفع الإيجار، أو القيادة أثناء السكر، أو السرقة- إلا فيما ندر. وحين تجعل الجماعة المحاسبةَ المجتمعيةَ رفضًا لنظام العدالة الجنائية ومعيارًا للتعبير الصادق عن الواقع المَعيش يأتي من جراء ذلك: انطباع خطأ بأن المحاسبة المجتمعية قادرة على درء مضارَّ نظام العدالة الجنائية، وإلزام للنساء بتحمُّل القسط الأكبر من العبء في مَسير الجماعة نحو تعلُّم آليات المحاسبة.

أسهمت حركة مناهضة العنف [في شقها الظاهر المهيمن على الساحة] في تجريم العنف بين الأحمَّاء، وتغليظ جرمه، وبالغت في اعتمادها على نظام العدالة الجنائية حد السُّخف. لكن معظم الناس يتجنبون مؤسسات إنفاذ القانون والنيابة؛ فهم لا يتأملون خيرًا من نظام العدالة الجنائية، ولا ينتظرون منه اتساقًا إلا فيما عُهد منه من فشل ذريع في تلبية احتياجات الناجين وما يرجونه. و«الكويريون» -الناشطون منهم وغير الناشطين- لا يتأملون من ذاك النظام أمنًا ولا فائدة. وأكثر الناس عمومًا على اختلاف مشاربهم يخبرون أصدقاءهم أو أقرباءهم بما تعرّضوا له من اعتداء أكثر مما يلجأون إلى الشرطة أو النيابة أو حتى إلى المحاكم المدنية.

العلَّة في ذلك هي أن الأهل والأصحاب أيضًا لا يحسنون مساعدة الناجين.

في المحاسبة الاجتماعية محاولة لاستخلاص الجوانب المفيدة مما تفعله مؤسسات إنفاذ القانون [أي وقف الأفعال المؤذية]، والنيابة التي تقرر المسؤولية عن الأذى وتداركه، ثم استنساخه خارج إطار الدولة. ما يعيب هذا الأسلوب هو أن حسن النوايا لا يحول بيننا وبين الضرر الذي يُنزله نظام العدالة الجنائية بالناجين وبمُحدثي الأذى سواءً. نظام العدالة الجنائية يطفح بالعيوب، لكن المحاسبة المجتمعية ليست مثالية كما نظن؛ إذ إن تجاربنا تبرهن على أنها ليست محصنة من استنساخ ما تفعله العدالة الجنائية من إيذاءٍ للناجين يكافئ أذى الاعتداء نفسه [revictimization]، بل إنها أقرب إليه مما نظن، ويُضاف إلى ذلك شبه استحالة نيل ما نتوهم فيه الكمال من ثمار النظام القضائي؛ كالعدالة، والإصلاح والتأهيل، ورد الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم. رأينا ذلك يتكرر في عمليات المحاسبة المجتمعية؛ الناجون يُرهقون، والجماعة تنقسم ويتملكها الغضب، والأشخاص الذين سببوا الأذى يستأثرون باهتمام الناس وبموارد الجماعة، وبهم تتعلق الأبصار والأسماع.

وفوق ذلك كله قد يُضار المتهم أيضًا في غياب الإجراءات القانونية التي يوجبها النظام الجنائي (كحق مواجهة المدعي، وعبء الإثبات، والحق في محاكمة ناجزة، وغير ذلك من وسائل الحماية المكفولة للمتهمين)، فرغم القيود التي تفرضها هذه الإجراءات فلا يستقيم من دونها نظام للعدالة ولا آلية لها -غير أن وسائل الحماية هذه توشك أن تحول دون إقامة الدليل في اتهامات العنف الأسري والاعتداء الجنسي والاغتصاب والتحرش والتتبُّع والملاحقة، إذ إن عبء الإثبات يقع على كاهل الادعاء حتى إذا استعصى إثبات الاعتداء بغير شهود، ويُكفل للمتهم حق فحص الأدلة المقدمة ضده باستجواب الناجي حتى إذا كان في مناقشة ما ارتُكب في حقه من عنف على الملأ تجديد لصدمته وتعميق لها.

وسواءً كان السياق وديًا أو قانونيًا فإن إثبات ما سبق ذِكره من صُور الأذى وتقرير المسؤولية عنه صعب. لا بد لنا إذن من إطار آخر، ولا أعني أن نلجأ إلى المحاسبة المجتمعية رفضًا للنظام الجنائي ونختزلها في ذلك، بل أن نستخدمها لتغيير الأسلوب الهش الذي نعالج به العنف -نحن وأصحابنا وأهلنا- مُسهمين أحيانًا في مفاقمة الأذى، ونبدع بها ممارسات مثمرة.

أحيانًا نشعر بأن آليات المحاسبة الاجتماعية بدعة ثقيلة

يحس الناس أحيانًا بأن لغة هذه الآليات وأُطرها وأولوياتها مُستمدة من سياقات العلاج النفسي أو المنظمات غير التطوعية [أي أفكار الطبقة الوسطى]، لا من مصادر معرفية متنوعة. ونحن نميل بفطرتنا إلى محاربة كل ما هو دخيل ثقيل، أو التسفيه منه وعدم الاعتداد به، وإن كانت له وجاهة. لكن محاولتنا أن نستخلص أفكارًا «عضوية» من الثقافات التي نشأنا فيها لا تخلو من التحديات هي أيضًا، فقد مات كثير من ممارسات المحاسبة المجتمعية التي أبدعتها ثقافاتنا المختلفة في خضم التغيُّرات الرامية إلى التماهي، بل إن كثيرًا من نماذج المحاسبة الثقافية التي نعرفها لم تُدرَك كاملةً في سياقاتها، إذ إن كثيرًا من هذه الأساليب التي ابتكرتها مجتمعاتنا وحسّنتها كي تكبح الأذى الذي يرتكبه أفرادها كانت -في جزء كبير منها- نظرية، وكان نجاحها في التنفيذ العملي أقل منه في إرساء منظورات ثقافية واسعة عن صيغة المحاسبة والسبيل إليها. نتمنى أن نجد في تلك الممارسات ما ينفعنا، لكننا نستبعد أن يكون فيها نظام جاهز نحييه أو نستنسخه على حاله؛ إذ إن الراجح أن بعضها له عيوب، وبعضها أمانٍ لم تُحقق، وبعضها مُتوهَّم مثله مثل وهم نظام العدالة المعاصر أو وهم «المحاسبة المجتمعية» على الوجه الذي تنتهجه جماعات الناشطين.

في التراث اليهودي ملاحظات شبيهة سُجِّلت منذ ما يربو على ألف وثمانمئة سنة؛ إذ قال الحاخام إليعازر: «لا أحسب أن في هذا الجيل من هو قادر على تقبل العتاب»، فزاده الحاخام أكيفا قائلًا: «لا أحسب أن في هذا الجيل مَن يعرف كيف يعاتب». كلماتهما تشبه حالنا اليوم، وفي ذلك شيء مخيف وشيء -يا للغرابة- مطمئن؛ مخيف لأن الأذكياء المخلصين الذين أخفقوا في حل هذه المعضلة كُثُر، ومطمئن لأن المسألة التي نعكف على درسها هامة وباقية. مقصدي من هذا كله: عزاؤنا أننا كأغلب المجموعات البشرية في مختلف العصور؛ حائرون كيف نحمل الناس على أن يعدلوا في سلوكهم، وحائرون مثل حيرتنا الأولى كيف نعدل نحن في سلوكنا في سعينا إلى حمل الناس على أن يعدلوا في سلوكهم.

مواطن قصور في تحليلات 

لا يأتي الإخضاع والقهر بغير سلطة مؤسسية، فمُحال أن يَقهر المقهور، أو يُخضِع صاحب الامتيازات الذي يكفل له النظام القاهر امتيازاته -غير أن القهر (وتقاطعات مظاهره العديدة) ليس خطيًا ولا ثنائيًا كما تصوره تقسيمات القوة والامتيازات الشائعة [كتقسيم النساء مقابل الرجال مثلًا وإهمال العوامل الأخرى، أو الفقراء مقابل ميسوري الحال، أو الأقليات الدينية/العرقية مقابل الأكثريات]، وهذا يشكل صعوبة حين تحاول مجموعات الناشطين أن تلجأ إلى إطاراتها الأيديولوجية لتقييم وقائع الانتهاك في العلاقات الحميمة ومعالجتها؛ فالشخصي سياسي، نعم، لكنه -بصراحة- أكثر تعقيدًا وفوضوية مما تقدر أفكارنا الدُجمائية على بيانه.

لقد أدركنا –في مسيرنا نحو تعلم ممارسة praxis المحاسبة المجتمعية -أن الآليات التي نصممها أو ننفذها أو نشترك فيها لا تخرج على الشكل الذي ابتغينا ولا تؤتي ثمارًا تماثل القدر الهائل من الوقت والطاقة والجَلَد الذي يُبذل فيها، فهي لا تأتي بحلٍ مُرضٍ إلا فيما ندر، أما كثيرها فيستحدث فوق الأزمة الأولى موقفًا متشابكًا معقدًا تلزمه عملية محاسبة جديدة. وحتى حين نبذل أقصى جهدنا، ونجتهد قدر استطاعتنا في التفكير النقدي، ونلتزم حقًا وصدقًا بالممارسات السليمة وننخرط فيها بشغف.. نشعر بأن خُطانا ثقيلة بطيئة، لا بأننا ماضون نحو التحرُّر. نعرف أن بعض جهود المحاسبة المجتمعية قد حققت انتصارات عظيمة، لكن لم تكفل تلك النجاحات ما يعوَّل عليه ليتمّ استنساخه.

تبيَّن لنا أيضًا -بالود وبالتواضع- أن جماعاتنا لا تتحلى في الوقت الحاضر بالخصال، ولا القيم المشتركة، ولا المعايير الثقافية اللازمة للمواظبة على جهود المحاسبة المجتمعية، فانصرفنا مؤقتًا عن محاولاتنا المتعثرة التي تنطوي -بصراحة- على قدر من المعاناة، ويحدها ويحجمها ما سبق بيانه، ورحنا نجرب إطارًا بديلًا: فلنسمِّه «مسؤولية الجماعات». قد يغدو هذا الإطار بذرة تنبت منها نماذج للمحاسبة المجتمعية، أو ربما يتخذ منحىً جديدًا يفضي بنا إلى أهداف أخرى. نتمنى في كل الأحوال أن يكون مفيدًا -فكرةً كان أو ممارسةً عملية- لحلفائنا فيما يخوضونه حاضرًا أو مستقبلًا من مشروعات المحاسبة المجتمعية.

مقاربة مختلفة: مسؤولية الجماعات

تصرف مقاربة «مسؤولية الجماعات» التركيز عن الآلية الجماعية التي يحاسَب بها الأفراد على سلوكهم، وتوجهه إلى مسؤولية الفرد والجماعة في الإعداد للاضطلاع بالمحاسبة وتهيئة بيئة تكون فيها المحاسبة مآلًا طبيعيًا.

تعزز هذه المقاربة المقدرة الفردية والجماعية على فرض الاختيارات والدفاع عنها بقوة (حرية الإرادة)، وتحمُّل مسؤولية كل عمل في سياقه كاملًا. وكي يفهم الإنسان أفعاله في سياقها كاملًا لا بد له من أن يفهم أن أنظمة القهر المؤسسي والامتيازات والتحديات والقدرات الشخصية والظروف الوقتية كلها عوامل لها أكبر الأثر في تحديد الاختيارات التي تُتاح له.

هذه العوامل لا تعفي أحدًا من واجب تحمل المسؤولية، لكن لا يجوز أن نغفل عن السياق، فتكون صيغة «تحمل مسؤولية» الاختيار،  بحسب السياق. يجوز -مثلًا- لمُعنَّفة ناجية كانت تلح على شريكها طلبًا لممارسة الجنس أن تتفكر في قراراتها؛ إذ ربما كانت تنتهج هذا السلوك وقايةً لنفسها من هجوم عنيف، أو استدرارًا لمال كانت محتاجة إليه لرعاية أطفالها، أو عونًا لها على إثبات انجذابها إلى شريكها ودفع اتهام الخيانة عن نفسها، أو منعًا لشريكها من استهداف أخرى. ينبغي للجماعة وللناجية أن يفهموا هذا الاختيار في سياق مغالبة الانتهاك، لكن لا يصح أن يهوِّنوه أو ينكروه، ولا أن يهوِّنوا الثمن الذي ربما تكون الناجية تكبدته من جراء مخالفتها لقيمها (بتجاهلها لحدود الآخرين). وليس تحمل المسؤولية «أمام» المُعنِّف حلًا مفيدًا في تلك الحالة، لكن قد تستفيد الناجية من دعم الجماعة في ترسيخ قيمها (أي احترام الحدود الجنسية) وتهيئة ظروف حياتها على النحو الذي يمكِّنها من التصرف بحسب ما تمليه عليه قيمها من دون التضحية بسلامتها.

لا تستقيم مقاربة «مسؤولية الجماعات» بغير التزام من الأفراد باكتساب خصال المحاسبة الذاتية، فهذه الخصال شرط لآليات المحاسبة الجماعية -لكن تصور «الجماعة المسؤولة» تصور حديث، وما نزال نسعى إلى صياغته وتطويره.

إن عملنا من أجل التحرُّر يحضنا على التفكُّر في نهوج التغيير التي ننتهجها ومراجعتها مرارًا، فالثورة هي ألا ننفك نسأل أنفسنا عن السبيل إلى التحرُّر؛ تحرُّر الأقربين، ثم من هم أبعد، ثم العالم كله. هذه الثورة تتقد أولًا في أنفسنا وفي جماعاتنا، حيث تشكل ممارساتنا اليومية العادية ما نؤمن به من أفكار. أحيانًا يثقلنا الحمل فتراودنا الشكوك: كيف لنا أن نبدّل وجه عالم سمته العنف، ونسوق الحكومات في جبروتها إلى الحساب، ونَجبُر الكسر الذي خلّفه الظلم المتجدد جيلًا بعد جيل.. إن كنّا عاجزين عن منع المناضلين المخلصين داخل حركات التحرُّر من انتهاك شركائهم، أو التحرش برفاقهم جنسيًا، أو إلحاق غير ذلك من صور الأذى بالناس في أوساطنا؟ لذلك فلندعُ أنفسنا إلى اكتساب خصال المحاسبة والمسؤولية، والعيش بها، وبها علَّنا نهتدي كلما ضللنا الطريق.

*صاحب الهوية الجندرية المعيارية cisgendered هو مَن تتفق هويته الجندرية والهوية المنسوبة إليه عند الميلاد بسبب تكوينه البيولوجي.

** هذا التقرير ضمن «سلسلة| المحاسبة المجتمعية.. هكذا تحدث بشكل عملي».

اعلان