من يملك كافكا؟
 
 

في أغسطس الماضي توفيت إيفا هوفه، وريثة فرانز كافكا المزعومة السابقة، وكانت محكمة إسرائيل العليا قد حكمت قبل عامين بأيلولة الميراث، المتنازع عليه خلال معركة قانونية مطولة، إلى المكتبة الوطنية الإسرائيلية. وفي هذا المقال الذي ألقي في الأصل كمحاضرة في فبراير 2011، بعد حوالي عام ونصف من بدء المحاكمة، حلّلت بتلر تاريخ النزاع ومضامينه فيما يتعلق بأسئلة الهوية والإنتاج الثقافي بالرجوع إلى أدب كافكا نفسه. نُشِر الأصل الإنجليزي في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» ويمكن الاستماع على الموقع إلى تسجيل صوتي للمحاضرة قبل تحريرها للطبع، ومشاهدة تسجيل مصور على قناة «يوتيوب». الترجمة منشورة بإذنٍ من المجلة والمؤلفة.

تنعقد في تل أبيب محاكمة جارية لتحديد مَن سيتعهد صناديق عديدة من كتابات كافكا الأصلية، بما في ذلك مسودات أولية لأعماله المنشورة، مودعة حاليًا في خزائن بزيورخ وتل أبيب. وكما هو معروف، ترك كافكا أعماله المنشورة، وغير المنشورة لماكْس بْرود، مع توجيهات صريحة له تقضي بإتلاف الأعمال حال وفاة كافكا. وفي واقع الأمر كان كافكا فيما يبدو قد أحرق بالفعل الكثير من أعماله بنفسه. عمد بْرود إلى مخالفة الوصية، وإن كان لم ينشر كل ما آل إليه. لقد نشر الروايات، «المحاكمة»، و«القلعة» و«أمريكا»، فيما بين 1925 و1927. وفي 1935، نشر الأعمال المجمَّعة، لكنه بعد ذلك حرَز أغلب النصوص الباقية في حقائب، ربما احترامًا لرغبة كافكا في ألا تنشر، ولكن بالقطع رافضًا إتلافها. وقد تبيّن أن الحل الوسط الذي استقر عليه بْرود له تبعات، ومن بعض النواحي فإننا الآن نعيش ما لتعليق ميراث كافكا من تبعات.

فر بْرود من أوروبا إلى فلسطين في 1939، ورغم أن الكثير من المخطوطات بحوزته قد انتهى به المطاف إلى المكتبة البودلية بأكسفورد، إلا أنه تمسك بعدد غير هين منها حتى وفاته في 1968. وكانت سكرتيرته إستير هوفه، والتي يبدو أنه أقام معها علاقة غرامية، هي مَن أورثه بْرود المخطوطات، وقد احتفظت بمعظمها حتى وفاتها هي في 2007، في سن 101. من أغلب النواحي، فعلت إستير ما فعله ماكْس، فتمسكت بالصناديق العديدة، ذاخرة إياها في الأقبية، ولكنها في 1988 باعت مخطوطة «المحاكمة» بمليوني دولار، وعند هذه النقطة بات من الواضح أن المرء يمكنه جني ربح لا يستهان به من وراء كافكا. أما ما لم يكن بمقدور أحد أن يتوقعه فهو أن محاكمة كانت ستنعقد بعد وفاة إستير تدعي فيها ابنتاها، إيفا ورُوث، انعدام الحاجة إلى جرد المواد وأن قيمة المخطوطات يحددها وزنها -نعم، أي ما تزنه حرفيًا. وكما شرح أحد المحامين الممثلين لورثة هوفه: «في حال اتفاقنا، ستُعرض المادة للبيع كشَرْوة واحدة، في عبوة واحدة. وستُباع بالوزن.. سيعلنون قائلين: «يوجد كيلوجرام من الورق هنا، ويحق للمزايد صاحب العطاء الأعلى أن يقترب ويعاين الموجود». يمكن للمكتبة الوطنية [الإسرائيلية] أن تدخل الصف وتقدم عرضًا بدورها».

أما كيف تحوّل كافكا إلى هكذا سلعة – بل معيار ذهبي جديد – فهو سؤال مهم، وسوف أعود إليه. لقد ألفنا كلنا أيما ألفة هذا النحو الذي صارت به قيمة العمل الأدبي والأكاديمي حاليًا تكرَّس وفق معايير كمية، ولكني غير متأكدة إن كان هناك بعد مَن اقترح أن نزن عملنا ببساطة على كفتَي ميزان. ولكن دعونا، بادئ ذي بدء، ننظر مَن هم أطراف المحاكمة، وما هي الدعاوى المختلفة التي يدّعونها. هناك أولًا المكتبة الوطنية الإسرائيلية، والتي تدعي أن وصية إستير هوفه يجب تنحيتها جانبًا، إذ إن كافكا لا صلة له بهؤلاء النسوة، وإنما ينتمي إما إلى «الخير العام» وإن لم يكن فإلى الشعب اليهودي، حيث هذان أحيانًا يبدوان الشيء نفسه. ديفيد بلومبرج، رئيس مجلس إدارة المكتبة الوطنية، يطرح القضية كالتالي: «لا تنتوي المكتبة التنازل عن أصول قيمة ثقافية تنتمي إلى الشعب اليهودي.. ولأنها ليست مؤسسة تجارية ولأن المصنفات المحفوظة فيها متاح الوصول إليها أمام الجميع بدون تكلفة، فستواصل المكتبة جهودها لتنال حق نقل المخطوطات التي اكتُشفت إليها». مما يسترعي التوقف عنده كيف يمكن لكتابات كافكا أن تشكل في آن معًا «أصلًا» يؤول للشعب اليهودي ولا شأن له بالأنشطة التجارية. أورين واينبرج، المدير العام للمكتبة الوطنية، أدلى بتعقيب مماثل أحدث: «تنظر المكتبة بعين القلق إلى الموقف الجديد الذي أبداه منفذو الوصية، والذين يريدون إقحام الاعتبارات المالية في تقرير لمَن الإرث. إن الكشف عن الكنوز، التي خبئت لعقود في أقبية، سيخدم المصلحة العامة، لكن موقف المنفذين من شأنه إهدار تلك الخطوة الإجرائية، لأسباب لن تفيد إسرائيل ولا العالم».

يُقترح علينا أخذ أعمال كافكا على أنها «أصل» عائد للشعب اليهودي، وإن يكن غير ذي طابع مالي على وجه التقييد. وإذا ادعى البعض كافكا لأنفسهم باعتباره كاتبًا يهوديًا في المقام الأول، صار ينتمي في المقام الأول إلى الشعب اليهودي، وانتمت كتابته إلى الأصول الثقافية المملوكة للشعب اليهودي. وهذا الادعاء بالملكية، والخلافي في حد ذاته (إذ يطمس ضروب انتماء، أو، بالأحرى، عدم انتماء، أخرى)، لا يزداد إلا خلافية عندما ندرك أن الدعوى القضائية تقوم على الافتراض بأن دولة إسرائيل هي مَن يمثل الشعب اليهودي. قد تبدو هذه مجرد دعوى تقريرية، غير أنها تنطوي على تبعات استثنائية، ومتناقضة. فأولًا، يتخطى الادعاء التمييز بين اليهود الصهاينة ومَن عداهم من اليهود، مثل اليهود المقيمين في الشتات ممَن لا يعني لهم الوطن مكانًا للعودة الحتمية أو مقصدًا نهائيًا. وثانيًا، فادعاء أن إسرائيل هي مَن يمثل الشعب اليهودي أمر له تبعاته المحلية كذلك. والحال أن مشكلة إسرائيل المتمثلة في كيف تحقق، وتحافظ على، وبالشكل الأمثل، أغلبية سكانية يهودية على سكانها غير اليهود، والذين يشكلون الآن حسب التقديرات ما يزيد على 20 بالمئة من السكان داخل حدودها القائمة، هي مشكلة مردُّها أن إسرائيل ليست دولة يهودية حصرًا ولو كان لها أن تمثل سكانها بالإنصاف أو المساواة، لزم عليها أن تمثل مواطنيها اليهود وغير اليهود معًا. وهكذا فإن التأكيد على أن إسرائيل تمثل الشعب اليهودي فيه إنكار لوجود العدد الهائل من اليهود خارج إسرائيل ممَن لا تمثلهم، لا قانونيًا ولا سياسيًا، وكذلك مواطني الدولة الفلسطينيين والآخرين من غير اليهود. وموقف المكتبة الوطنية يستند إلى مفهوم عن أمة إسرائيل يضع السكان اليهود خارج أراضيها في دور العائشين في الجالوت، في حالة نفي وقنوط ينبغي عكسها، ولا يمكن عكسها إلا من خلال العودة إلى إسرائيل. والمفهوم ضمنًا هنا أن انتماء سائر اليهود والأصول الثقافية اليهودية -أيًّا يكن معنى ذلك- خارج إسرائيل هو في نهاية المطاف وبالمعنى المضبوط إلى إسرائيل، طالما أن إسرائيل لا تمثل سائر اليهود فقط وإنما سائر الإنتاج الثقافي اليهودي البارز. وسأكتفي بالتنويه عن كثرة من التعليق الأكاديمي المثير للاهتمام على مشكلة الجالوت هذه لعلماء من أمثال آمنون راز-كراكوتسكن، والذي يدفع، في عمله الاستثنائي حول المنفى والسيادة، بأن ما هو منفَوي يليق باليهودية كديانة، بل وباليهودية كثقافة، وبأن الصهيونية تخطئ إذ تعتقد أن المنفى لابد من اجتيازه عبر التوسل بقانون العودة، أو في واقع الأمر، بفكرة «حق الميلاد» الرائجة. فالمنفى قد يكون في الحقيقة نقطة انطلاق للتفكير في العِشْرة ولإعادة القيم الشتاتية إلى تلك الأرجاء. كان هذا أيضًا بلا شك مغزى دعوة إدوارد سعيد، في «فرويد وغير الأوروبي»، إلى اتخاذ أساس لكيان سياسي جديد في فلسطين من التاريخين المنفويَيْن لكل من اليهود والفلسطينيين.

الجالوت إذن ليس مملكة ساقطة في حاجة إلى الخلاص، حتى وإن كان هو ما تسعى الأشكال الدولتية والثقافية من الصهيونية إلى اجتيازه عبر مدّ حقوق العودة لتنسحب على جميع مَن ولدوا لأمهات يهوديات -والآن أيضًا عبر ادعاء ملكية أعمال بارزة أنجزها مَن يتصادف أنهم يهود باعتبارها رأس مال ثقافيًا يهوديًا ينتمي، بصفته هذه، للدولة الإسرائيلية كحق أصيل لها. وواقع الأمر أنه لو نجحت حجة المكتبة الوطنية، سيكون الادعاء التمثيلي لدولة إسرائيل قد توسع توسعًا هائلًا. وكما عبّر أنتوني ليرمان في «الجارديان»،

إذا طالبت المكتبة الوطنية بتركة كافكا للدولة اليهودية، فإنها، والمؤسسات على شاكلتها في إسرائيل، تستطيع المطالبة عمليًا بأي معبد يهودي، أو عمل فني، أو مخطوط، أو غرض شعائري قيّم باقٍ سالمًا في أوروبا،  سابق على الهولوكوست. ولكن لا إسرائيل كدولة ولا أي دولة أو مؤسسة عامة، لها هذا الحق. (وبينما من الصحيح أن كافكا شخصية رئيسية في الماضي الثقافي اليهودي، فباعتباره واحدًا من أبرز مؤلفي العالم الذين تجد موضوعاتهم أصداءً لها في الكثير من البلدان والثقافات، يكون موقف إسرائيل التملكي بالتأكيد في غير محله).

وبالرغم من أن ليرمان يأسف لـ«خنوع المجتمعات اليهودية الأوروبية الضمني لإسرائيل»، فإن للمشكلة ترتبات عالمية أوسع: فإذا كان الشتات متصوَّرًا كمملكة ساقطة، غير مخلَّصة، سوف يكون كل الإنتاج الثقافي لمَن يمكن القول بإنهم يهود وفق القوانين الحاخامية الحاكمة لقانون العودة خاضعًا للاستحواذ القانوني بعد الوفاة، شريطة أن يُعتبر العمل «أصلًا». ويأتي بي هذا إلى نقطتي الثالثة، ألا وهي أنه حيثما وجدت أصول وجدت كذلك مسؤوليات قانونية. لذا ليس من الكافي أن يكون شخص أو عمل يهوديًا؛ يتعين أن يكون يهوديًا على نحو يتسنى الاستثمار به من قبل الدولة الإسرائيلية وهي تحارب حاليًا على عدة جبهات ضد نزع الشرعية الثقافية. والأصل القيم، كما يتخيل المرء، شيء يعزز سمعة إسرائيل العالمية، والتي لن يجادل كثيرون في أنها بحاجة إلى تصليح: والرهان هو أن سمعة كافكا العالمية ستغدو هي سمعة إسرائيل العالمية. لكن وقوع مسؤولية، ومسؤولية يهودية في هذه الحالة، يعني عبء من يمثل شخصه أو عمله، اليهودي كما يمكن القول، عجزًا في الأرباح من نوع ما؛ راجعوا، على سبيل المثال، الجهود الأخيرة لملاحقة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، من قبيل بتسيلم، لتوثيقها علنًا عدد الخسائر المدنية في الحرب على غزة. لعل كافكا يُستخدم كأداة لتجاوز فقدان المكانة الذي لحق بإسرائيل بفضل احتلالها غير القانوني المستمر للأرض الفلسطينية. أمر له أهميته أن تملك إسرائيل العمل، ولكن كذلك أن يحل العمل داخل أراضي الدولة حسب حدودها المكرّسة، بحيث يلزم على كل مَن يسعى إلى مطالعة ذلك العمل ودراسته أن يعبر حدود إسرائيل ويشتبك مع مؤسساتها الثقافية. وهذا إشكالي بدوره، ليس فقط لأن مواطنين من بلدان عدة والبدون داخل الأراضي المحتلة غير مسموح لهم بعبور تلك الحدود، وإنما كذلك لأن كثيرين من الفنانين والمؤدين والمثقفين ملتزمون حاليًا بالمقاطعة الثقافية والأكاديمية، رافضين الظهور في إسرائيل ما لم يصدر عن مؤسساتهم المضيفة معارضة قوية ومتصلة للاحتلال. هذه المحاكمة بشأن كافكا لا تجري فقط على هذه الخلفية السياسية، وإنما تتدخل تدخلًا في إعادة تهيئتها: إذا فازت المكتبة الوطنية في القدس بقضيتها، فإنه للنفاذ إلى مواد فرانتس كافكا غير المنشورة وغير المشاهَدة سيتعين على المرء الخروج على المقاطعة وسيتعين عليه ضمنًا الاعتراف بحق الدولة الإسرائيلية في الاستحواذ على البضائع الثقافية التي يفترض أن قيمتها العالية تنتقل كالعدوى لتصبح قيمة إسرائيل نفسها العالية. هل يتحمل كافكا المسكين عالبئًا كهذا؟ أبمستطاعه حقًا مساعدة الدولة الإسرائيلية في تخطي التغطية الصحفية السلبية للاحتلال؟

من الغريب أن إسرائيل قد تكون معتمدة على بقايا فرانتس كافكا الهشة لتأسيس ادعائها الثقافي بملكية عمل أنتجته تلك الطائفة من الناس التي قد يجوز تسميتها «يهودية في قول من الأقوال». كما أنه من المهم ربما أن الخصوم هنا هم ابنتا مَن كانت ذات يوم خليلة ماكْس بْرود، الصهيوني الملتزم، والذي تبدو مصالحه هو نفسه السياسية وقد غطى عليها بشكل كبير توقع الكسب المالي. فسعيهما إلى نتيجة مربحة يبدو أنه لا يعرف حدودًا وطنية ولا يحترم أي دعاوى انتماء وطني بعينها -تمامًا كالرأسمالية نفسها. وفي الحقيقة، لعل أرشيف الأدب الألماني في وضع أفضل يسمح له بدفع المبالغ التي تتخيلها الأختان. وفي خطوة يائسة، سعى المستشار القانوني الإسرائيلي للمكتبة الوطنية إلى تفنيد ادعاءات الأختين بالملكية عن طريق تقديم رسالة من بْرود يتهم فيها عشيقته السرية بعدم احترامه، ويشدد على أنه سيفضل ترك هذه المصنفات لمَن يرى فيه شخصًا ذا شأن. وبما أن الرسالة لا تسمي أحدًا يفعل هذا، قد يصعب تدعيم الادعاء بأنها تَجُبّ المنصوص الصريح للوصية. وسوف نرى إن كانت هذه الوثيقة الشاهدة على خصام محبين ستصمد في المحكمة.

أقوى خصوم المكتبة الوطنية أرشيف الأدب الألماني في مارباخ، والذي، على نحو مثير للتفكير، وكّل محامين إسرائيليين خصيصًا للمحاكمة. ومن المفترض أنه في ظل أخذ مشورة قانونية إسرائيلية لا يظهر الأمر بمظهر عراك ألماني-يهودي، ومن ثم لا يستدعي تلك المحاكمة الأخرى -محاكمة إيخمان في 1961- وفيها قلب القاضي لسانه من العبرية إلى الألمانية ليخاطب إيخمان مباشرة. تسببت تلك اللحظة في جدل حول مسألة أي اللغات مكانها محكمة قضائية إسرائيلية، وهل كان هناك داعٍ لهذا التلطف مع إيخمان. لقد حاجج العديد من مثقفي ألمانيا وجرائدها مؤخرًا بأن مارباخ هي البيت الفعلي لكتابات كافكا المكتشفة حديثًا. فمارباخ، كما يوضحون، تمتلك بالفعل أكبر مجموعة من مخطوطات كافكا في العالم، بما في ذلك مخطوطة «المحاكمة»، التي اشترتها بـ3.5 مليون مارك ألماني في صالة مزادات «سوثبي» عام 1988. يدفع هؤلاء المثقفون ضد المزيد من تفريق الأعمال الكاملة، وينوهون بأن منشأة مارباخ أكفأ في حفظ مثل هذه المصنفات. يبدو أن ثمة إحساسًا بأن ألمانيا قد تكون، في المجمل، موقعًا أشد أمنًا. ولكن جانبًا آخر من الحجة بالطبع هو أن كافكا ينتمي إلى الأدب الألماني، وبالتحديد إلى اللغة الألمانية. ورغم أن أحدًا لا يحاول القول بإنه ينتمي إلى ألمانيا كواحد من مواطنيها الماضين أو الافتراضيين، فيبدو أن ألمانية المرء هنا تتجاوز تاريخ المواطنة وتتمحور حول سؤال القدرة والإنجاز اللغويين. إن حجة أرشيف الأدب الألماني تطمس أهمية التعدد اللغوي بالنسبة لتكوين كافكا وكتابته. (حقًا، فهل كنّا سنحصل على أمثولات بابل دون اعتبار وجود التعدد اللغوي، وهل كان الاتصال سيتداعى تداعيًا محقَّقًا على النحو الحاصل في أعماله دون الخلفية الماثلة حيث تتلاقى التشيكية واليديشية والألمانية في عالم كافكا؟)

بتركيزه على كم هي ألمانية قحة لغته، يلتحق الأرشيف بركب التقليد العريق والطريف الخاص بمدح ألمانية كافكا «النقية». لقد أشاد جورج شتاينر بـ«شُفوفية لغة كافكا الألمانية، وسكونها الرائق»، ذاكرًا له «معجم مفردات وبناء نحوي ينمان عن أشد الاقتصاد إمساكًا عن الهدر». وأشار جون أبدايك إلى ما لنثر كافكا من «نقاء مثير». أما هانا أَرِنْت، فقد كتبت، بدورها، أن عمله «ينطق بأنقى نثر ألماني عرفه القرن». وإذن فبالرغم من أن كافكا كان بالتأكيد تشيكيًا، تبدو هذه الحقيقة وقد أزاحتها ألمانيته المكتوبة، الألمانية الأشد نقاءً فيما يبدو -أم، إن جاز لنا القول، تنقيًّا؟ وباعتبار ما لدينا من تاريخ تقييم «النقاء» في إطار القومية الألمانية، بما فيها الاشتراكية القومية، فمن المثير للعجب أن يُجعل من كافكا رمز لهذا التقليد الصارم والإقصائي. بأي طُرق تلزم «تنقية» تعدد كافكا اللغوي وأصوله التشيكية لجعله مثال الألمانية النقية؟ أأشد ما يلفت النظر إليه ويثير الإعجاب به أنه يبدو وقد نقى نفسه، ليصبح خير نموذج لقدرات التنقية الذاتية لدى غير الألمان؟

من المثير للاهتمام أن هذه الحجج حول لغة كافكا الألمانية تعاود الرواج الآن، بالضبط بعد أن أعلنت أنجيلا ميركل إخفاق التعدد الثقافي في ألمانيا وساقت دليلًا على ذلك الادعاء الإضافي بأن المهاجرين الجدد، بل ومن لهم من «أطفال وأحفاد»، يعجزون عن التحدث بألمانية سليمة. لقد نبهت على هذه الجاليات علنًا بالتخلص من كل لكنة و«الاندماج» في أعراف الجماعة اللغوية الألمانية (وهي مؤاخذة سرعان ما راجعها إياها يورجن هابرماس). من المؤكد أن كافكا يمكنه أن يصبح نموذجًا يحتذى للمهاجر الناجح، ودعك من أنه لم يعش إلا لفترة وجيزة في برلين، ولم يجد نفسه، وهذا واضح، حتى في اليهود الألمان. فإذا تعزز أرشيف مارباخ بأعمال كافكا الجديدة، كانت ألمانيا حصينة في جهودها الرامية لنقل قوميتها إلى مستوى اللغة؛ يُضم كافكا وتدان الهجرات الأقل فصاحة وتُصَدّ لعين ذات السبب. أمن المحتمل أن يصبح كافكا الهش نموذجًا معياريًا للدمج الأوروبي؟

إننا نجد في مراسلات كافكا مع حبيبته فيليس باور، وهي من برلين، أنها تصحح له ألمانيته على الدوام، مرجحة أنه ليس في عقر بيته وهو يستخدم لغته الثانية. أما حبيبته اللاحقة، ميلينا يسنسكا، وهي كذلك مترجمة أعماله إلى التشيكية، فتلقنه على الدوام عبارات تشيكية لا هو يعرف كيف يتهجاها ولا كيف ينطقها، مرجحة أن التشيكية، بدورها، هي بمثابة لغة ثانية. في 1911، يتوجه كافكا إلى المسرح اليديشي ويفهم ما يُقال، لكن اليديشية ليست لغة يصادفها مرارًا وسط أهله أو في حياته اليومية؛ تظل واردًا من واردات الشرق أخاذًا وغريبًا. فهل ثمة لغة أولى هنا؟ وهل يمكن الدفع بأن الألمانية الفصحى نفسها التي يكتب بها كافكا – ما أسمته أرنت بالألمانية «الأنقى» – تحمل علامات شخص يدخل اللغة من خارجها؟ كانت هذه هي الحجة الواردة في مقالة دولوز وجاتاري «كافكا: من أجل أدب أقلّي».

والظاهر أن هذه المشاجرة قديمة، مشاجرة يستدعيها كافكا نفسه في خطاب إلى فيليس في أكتوبر 1916 بالإحالة إلى مقال ماكْس بْرود عن الكتاب اليهود، «كتّابنا والمجتمع الصغير»، والمنشور في مجلة «در يوده» («اليهودي») Der Jude.

بالمناسبة، ألن تخبريني بحقيقتي؛ في العدد الأخير من «نويه روندشاو» («المجلة الجديدة») Neue Rundschau، تُذكر «الانمساخ» ويُرفض نشرها لأسباب معقولة، ثم يقول المحرر: «ثمة شيء ألماني في جوهره في فن «ك» السردي.» أما في مقال ماكْس: «قصص «ك» من أشد وثائق زمننا اليهودية إخلاصًا للنموذج».

«حالة صعبة،» كما يكتب كافكا. «أأنا لاعب الخيل في السيرك فوق حصانين؟ يا ويلتا، ما أنا براكب، وإنما أنبطح على الأرض.»

فلنراجع بعضًا آخر من كتابات كافكا – رسائل، ويوميات، وأمثولتين، وقصة -عسانا بذلك نلقي الضوء على مسألة انتمائه، ورؤاه حول الصهيونية، وطُرقه الأكثر تجريدًا في التفكير حول بلوغ (والعجز عن بلوغ) وجهة. وما دمنا معنيين بتقييم وتقدير حقوق الملكية المدعاة في المحاكمة، فلعله من غير المهم ما إذا كان كافكا صهيونيًا أو ما إذا كان خطط بجدية للانتقال إلى فلسطين. والحقيقة هي أن بْرود كان صهيونيًا وأحضر معه إليها أعمال كافكا، حتى لو أن كافكا نفسه لم يذهب قط، ولم يعتزم الذهاب قط. فقد كان يفهم فلسطين كوجهة، وفي معرض إشارته إلى خطة الذهاب إلى هناك كان يتحدث عن «أحلام». لم يكن الأمر ببساطة أنه كانت تعوزه الإرادة ولكن أنه تأرجح تأرجحًا مُشِلًّا حول المشروع برمته. وما أتمنى إظهاره أن هذه الأعمال تسودها بلاغة لا وصول شعرية تصيب، إن لم نقل تعتري، رسائل حبه، وأمثولاته عن الرحلات، وتأملاته الصريحة حول أمرين هما الصهيونية واللغة الألمانية. يمكنني تفهم ما قد يراود المرء من رغبة في أن يعاين على وجه التحديد ما كتبه كافكا عن المحاكمات ملتمسًا منه ضوءًا يلقيه على محاكمتنا المعاصرة، لكن ثمة فروقًا بحاجة إلى البيان. فالمحاكمة الراهنة مختصة بالملكية ومتأسسة جزئيًا على ادعاءات الانتماء القومي واللغوي، بينما أغلب المحاكمات والإجراءات التي يكتب عنها كافكا تنطوي على دعاوٍ لا أساس لها وجريرة لا اسم لها. والآن فقد صار كافكا نفسه ملكية، إن لم يكن متاعًا (chattel: حرفيًا، شيء ملموس، متحرك أو جماد، غير مثبّت في الأرض)، والسجال حول وجهة مآله يدور الآن، للمفارقة الساخرة، في محكمة الأسرة. إن مجرد سؤال إلامَ ينتمي كافكا يكاد يدخل في عداد الفضائح باعتبار أن الكتابة التي بين يدينا ترصد التقلبات بين اللا انتماء، والانتماء الزائد. تذكروا: ما من ارتباط جمعه قط بامرأة إلا فسخه، ولم يملك قط شقة، وطلب من وصيه الأدبي إعدام أوراقه، لتكون العلاقة التعاقدية بذلك منتهية. وإذن فقد عاشت الترتيبات بعد زوال مقاصدها الأولى وانقضاء مداها الزمني المراد. ومع أن وظيفة كافكا كانت البت في مطالبات التأمين الإدارية والعقود الملزمة، فإن حياته الشخصية للغرابة خلت منها، باستثناء عقد نشر بين الفينة والأخرى. وإذا قيل إن إدارة تركته الورقية قانونيًا تتطلب قرارًا بشأن تعهُّدها، وإن مشكلة الملكية القانونية هذه يتعين حلها ليتسنى جرد الأوراق وإتاحتها، فأنا بالطبع متقبِّلة لذلك. لكننا لو التفتنا إلى كتابته ملتمسين العون للخروج من هذه المتاهة، لوجدناها من باب أولى أحق بأن تعيننا على التفكير مليًا في حدود الانتماء الثقافي، وكذلك الشراك المنصوبة في مسارات قومية بعينها تتخذ من أراضٍ محددة قِبلة لها.

لا شك في أن يهودية كافكا الثقافية كانت مهمة، لكن هذه لم تتضمن أي رؤية متسقة حول الصهيونية على أي نحو. لقد كان منغمسًا في اليهودية كثقافة، لكنه سعى كذلك إلى الإفلات من مطالبها الاجتماعية الضاغطة أحيانًا. ففي 1911 كان يذهب إلى المسرح اليديشي مرة في الأسبوع تقريبًا ويصف بالتفصيل ما رآه هناك. وفي السنوات التالية قرأ – «بشراهة جشعة» وفق تعبيره – «تاريخ الأدب اليهودي-الألماني» L’Histoire de la littérature Judéo-Allemande لماير باينز، الحافل بالحكايات الحاسيدية، يتبعه «كيان اليهودية الحي» Organismus des Judentums لفرومر، والذي يفصّل التراث التلمودي الحاخامي. حضر فعاليات موسيقية في جمعية بار كوخبا، وقرأ أقسامًا من شروحات القبالة وناقشها في يومياته، ودرس موسس مندلسون وشولم أليخم، وطالع عدة مجلات يهودية، وشهد محاضرات عن الصهيونية ومسرحيات باليديشية، واستمع إلى قصص عبرية مترجمة. وفيما يبدو أن كافكا، في 25 فبراير 1912، ألقى محاضرة عن اليديشية، وإن كنت لم أفلح في العثور على نسخة. لعلها مصندقة في تل أبيب بانتظار البت القانوني.

وجنبًا إلى جنب مع هذا الانغماس المبهر فيما هو يهودي – ربما جاز لنا أن نسميه حالة تغلُّف -أعرب كافكا كذلك عن تشككه في ذلك الشكل من الانتماء الاجتماعي. وكان لهانا أرِنْت، وهي التي كان حس الانتماء لديها مضطربًا على نحو مماثل (وصار موضوع نزاع مع جرشوم شولم)، الفضل في اشتهار إحدى لواذع كافكا عن الشعب اليهودي: «قومي، إنْ كان لي قوم». وكما أوضح لويس بِجْلِي مؤخرًا في مقالة سِيرية شديدة الصراحة، فإن كافكا لم يبقَ فقط مذبذبًا حيال اليهودية كهوية، بل وممزقًا أحيانًا وعلى نحو شديد الوضوح. «في أي شيء أشترك مع اليهود؟» هكذا كتب في إحدى يومياته عام 1914. «لدي بالكاد ما أشترك فيه مع نفسي، ويجب أن أنزوي ملتزمًا الهدوء، راضيًا بأنني أستطيع التنفس». وأحيانًا كانت إشاراته هو الأصيلة عن اليهود قاسية، إن لم تكن عنيفة، عندما يدعو اليهود «سحالي»، على سبيل المثال. وفي رسالة إلى ميلينيا، غير اليهودية، تنقلب نبرته إلى استخيالة إبادية وانتحارية لا يمكن لأحد فيها بنهاية الأمر أن يتنفس مرة أخرى:

«حَرِيٌّ بي تبكيْتك على حسن ظنك الزائد بمن تعرفين من اليهود (وأنا منهم) – هناك آخرون! – وددت أحيانًا لو حشرتهم جميعًا بما هم يهود (وأنا منهم) في جارور خزانة الغسيل، ثم انتظرت، ثم فتحت الجارور قليلًا، لأرى ما إذا كانوا قد اختنقوا جميعهم تمامًا، وإلا أغلقت الجارور مرة أخرى وتابعت على هذا النحو إلى النهاية».

بذكر الانتماء اليهودي تُذكر إمكانية التنفس. ما المشترك بيني وبين اليهود؟ إنني محظوظ لمجرد أنني أستطيع التنفس. أفَهُم اليهود الذين يصعّبون عليه التنفس، أم أن كافكا هو مَن يتخيل حرمان اليهود النفَس؟

استخيالة الموت اختناقًا عند كافكا تتكرر فيها مراوحة هلوسية بين التضخم والانكماش نجدها كذلك، على سبيل المثال، في قصة «الحُكم». في الاستخيالة، كافكا كبير الحجم إلى حد مستحيل، أكبر من كل اليهود الذين يتخيل أنه يضعهم في الجارور. ومع ذلك، فهو في الجارور بدوره، ما يجعله صغيرًا إلى حد لا يطاق. أما في «الحُكم»، فالأب ضخم تارة وضئيل تارة: وعند لحظة معينة، يلاحظ الابن، جيورج، قائلًا إنه عندما تنتصب قامته يكون بالغ الطول إلى حد أن يده تمسّ السقف، ولكن في لحظة سابقة، يتضاءل الأب ليصير بحجم طفل ويحمله جيورج إلى الفراش. يشمخ الابن فوق الأب لا لشيء إلا ليُحكَم عليه بالموت بقوة كلمات الأخير. أين موقع كافكا في استخيالة الاختناق تلك، وأين جيورج؟ إنهما خاضعان لمراوحة مؤبدة لا يستقر أحد فيها بنهاية الأمر داخل نطاق محكوم من الأبعاد. في استخيالة الاختناق، كافكا فاعل وضحية في آن معًا. لكن هذه الازدواجية المقيمة يغفلها مَن استخدموا الرسالة ليصفوه باليهودي الكاره لنفسه. فهذا الاستخلاص لا تبرره المراوحات التي في نصه بقدر ما لا تبرر الادعاء الظافر بأن إشارات الإعجاب المتفرقة من كافكا في ثنايا تعليقاته حول الصهيونية تجعل منه صهيونيًا. (إنه، في نهاية المطاف، يفعل ذلك من باب المغازلة في بعض تلك الحالات.) استخيالة الاختناق، المكتوبة في 1920، ربما تُفهم على نحو مفيد أكثر الفائدة إذا جمعناها برسالة إلى فيليس كُتبت قبل ذلك بأربع سنوات، بعد قراءة مسرحية أرنولت تسفايج «قتل طقسي في المجر» (1916). تعيد المسرحية تجسيد وقائع محاكمة درامية تعود إلى العام 1897 تأسست على فَريّة الدم الموجهة إلى اليهود. يُتهم اليهود في قرية مجرية باستخدام ساطور في قتل مسيحيين ثم استخدام دمائهم في عمل خبز غير مخمر. في المسرحية، يقدَّم المتهمون إلى المحكمة، حيث تُسقَط التهم. تنشب في الشوارع أعمال شغب معادية لليهود ويوجَّه العنف نحو الأعيُن التجارية والمؤسسات الدينية اليهودية. بعد قراءته مسرحية تسفايج، كتب كافكا إلى فيليس: «في إحدى النقاط اضطررت إلى التوقف عن القراءة، والجلوس على الأريكة، والبكاء. مضت سنوات منذ أن بكيت.» بعد ذلك يعاود الساطور، أو ما يشبهه من سكاكين، الظهور في يومياته ورسائله، بل ومرات عدة في قَصَصه الخيالي المنشور: في «المحاكمة»، على سبيل المثال، ومرة أخرى، وبأوضح عبارة وصورة، في «طبيب أرياف». تعطينا المسرحية فكرة ما عن حدود القانون، بل وعن الطريقة الغريبة التي يفسح بها القانون الطريق لخروج عن القانون لا يمكنه السيطرة عليه.

حقيقة أن كافكا بكى من قصة الاتهامات الباطلة -بل أن قليلين من أبكته روايتهم لحدث كما أبكته هذه- قد يكون لها وقع المفاجأة. فنبرة «المحاكمة»، في نهاية المطاف، تُبلِغ باتهام باطل أو غامض في حق «ك» بأشد العبارات حيادية، دون عاطفة مؤثرة. يبدو أن البوح بالأسى في الرسائل هو تحديدًا ما يوضع خارج اللعبة في الكتابة الفنية؛ إلا أن الكتابة تنقل بالتحديد سلسلة من الأحداث لا تترابط بعِلّة مقبولة ولا باستقراء منطقي. بذا تُحْدِث الكتابة فعلها فاتحة هوة الفصل المنطقي بين الوضوح – ويجوز لنا حتى القول إبانة بعينها ونقاء نثري بعينه – وبين الرعب المطبَّع تحديدًا كتبعة لتلك الإبانة. لا أحد يستطيع تخطئة كتابة كافكا من حيث القواعد النحوية وتركيب الجملة، ولم يجد أحد قط إفراطًا عاطفيًا في نبرته؛ ولكن وتحديدًا بسبب طريقة الكتابة بادية الموضوعية والرصانة هذه، ينفتح رعب بعينه في وسط ما هو يومي، وربما كذلك أسى مسكوت عنه لا يوصف بكلام. التركيب النحوي والموضوع مشتبكان في حرب فعلية، فيا ليتنا نفكر مرتين قبل امتداح كافكا على إبانته ليس إلا. ففي نهاية المطاف، لا تعمل الإبانة كأسلوب إلا بقدر ما تفضح ادعاءها بالاكتفاء الذاتي. ينفتح شيء غامض، إن لم يكن مسكوتًا عنه عصيًا على الكلمات، من داخل التركيب النحوي المحكَم. بل الحق أننا لو أخذنا في اعتبارنا كيف أن افتراءات متكررة تتواجد في محاكماته الكثيرة كامنة في الخلفية، لَوَسِعنا أن نقرأ الصوت السردي بوصفه تحييدًا للغضب، ازدرادًا لغويًا للحسرة يضعها للمفارقة في الواجهة. اليهود إذن هم أهله، عالمه الصغير، أما هو فبالفعل وبمعنى من المعاني تطوقه تلك الشقة الصغيرة، يطوقه ذلك المجتمع الصغير الذي لا يهدأ، وبهذا المعنى فهو مختنق. غير أنه كان متابعًا يقظًا لأخبار معاداة السامية ومخاطرها الآنية، والتي خَبِرها بنفسه في واقعة شغب جرت في 1918 وجد خلالها نفسه وسط حشد «يعوم في كره اليهود». هل التفت إذن إلى الصهيونية فرأى فيها مخرجًا من هذا التذبذب العميق: الحاجة إلى الفكاك من قيود العائلة والمجتمع الصغير مصحوبة بالحاجة إلى إيجاد مكان متخيل بوصفه خاليًا من معاداة السامية؟

راجعوا الرسالة الأولى على الإطلاق من كافكا إلى فيليس والمكتوبة في سبتمبر 1912. في مطلعها، يدعوها إلى تخيل صورته معها في فلسطين:

«في حال لم تعودي تذكريني ولو أوهى التذكر، ها أنا أقدم لك نفسي مرة أخرى: اسمي فرانتس كافكا، وأنا الشخص الذي حياك للمرة الأولى في تلك الأمسية بمنزل المدير بْرود في براج، والذي عقب ذلك ناولك عبر الطاولة، واحدة بعد أخرى، صورًا فوتوغرافية من رحلة على متن طاليا، والذي أخيرًا، وباليد نفسها التي تضرب الآن على المفاتيح، أمسك يدك، اليد التي أكدت وعدًا بمرافقته في العام التالي إلى فلسطين».

ومع تعاقب المراسلات عبر السنوات القليلة التالية، يعلِمها كافكا مرات، ومرات بأنه سيتعذر عليه مرافقتها، سواء في هذه الرحلة أم في غيرها، ناهيك بأن تكون إلى فلسطين، على الأقل في هذه الحياة وهو من هو: اليد التي تضرب على المفاتيح لن تمسك يدها. علاوة على ذلك، فإن لديه شكوكه في الصهيونية وفيما إذا كان سيصل أبدًا إلى تلك الوجهة. وفيما تلا ذلك يدعو الأمر «حلمًا»، وبعدها ببضع سنوات يعاتبها على [طريقة] انشغالها بالصهيونية: «لقد غازلتِ الفكرة،» كما كتب لها. لكنه في الواقع كان البادئ بإدخال فلسطين فيما بينهما كإطار للغزل: تعالي معي، خذي بيدي إلى الماوراء. والحال أنه إذ تتعثر العلاقة وتنقطع عبر السنوات القليلة التالية، يقول بوضوح إن لا نية لديه للذهاب، وإنه يعتقد أن مَن يذهبون فعلًا يسعون وراء وهم. فلسطين هي بعيدٌ مجازي يذهب إليه المحبون، مستقبل مفتوح، اسم لوجهة مجهولة.

في «كافكا يذهب إلى السينما» يقيم هانس زشلر الحجة على أن الصور الفيلمية أمدت كافكا بوسيلة أولية للنفاذ إلى فضاء فلسطين، وأن فلسطين كانت عنده صورة سينمائية، مجال استخيال يُسقَط ضوئيًا على الشاشة. يكتب زشلر قائلًا إن كافكا رأى الأرض الحبيبة في السينما، وبوصفها سينما. وواقع الأمر أن فلسطين كانت متخيلة باعتبارها غير مأهولة، وهو ما أثبته باقتدار شُغل إلان بابه على الفوتوغرافيا الصهيونية المبكرة، حيث على عجل تُعاد تسمية ديار الفلسطينيين باعتبارها جزءًا من المعالم الطبيعية. أطروحة زشلر شائقة، لكنها قد تكون غير مضبوطة، حيث أن أول تلك الأفلام لم يشاهَد قبل عام 1921 وفقًا لما لدينا من السجلات، وكان كافكا بنهم يحضر اللقاءات ويطالع الدوريات، مكتسبًا فكرة عن فلسطين من المرويات مكتوبة، ومحكية بقدر ما من المناظرات العامة. وفي سياق هذه المناظرات والسرود، فهم كافكا بنشوء صراعات في المنطقة. بل إن قصته القصيرة «بنات آوى وعرب»، والمنشورة في «در يوده» عام 1917، ترصد انسدادًا في صميم الصهيونية. في تلك القصة، تلقي التحية على الراوي، الذي هام في الصحراء، بنات آوى (die Schakale)، وهي كناية عن اليهود مستترة بغلالة رقيقة. بعد أن يلقى منهم معاملة جديرة بشخصية مشيحانية منتظرة منذ أجيال، يفسرون له أن مهمته هي قتل العرب بمقص (وهذه ربما مزحة عن كيف أن الخياطين اليهود من أوروبا الشرقية غير مجهزين بعتاد جيد للصراع). هم لا يريدون فعل ذلك بأنفسهم، إذ لن يكون هذا عملًا «نظيفًا»، أما المشيّح نفسه فكما يبدو غير ملزم بقيود الحلال والحرام الكوشرية. بعدئذ يتحدث الراوي إلى القائد العربي، فيشرح هذا قائلًا إن «الأمر معروف؛ فما بقي العرب، راح ذلك المقص يجول في الصحراء وسيجول معنا إلى آخر أيامنا. لكل أوروبي يقدَّم بغية إتمام العمل الجليل؛ كل أوروبي هو عين الرجل الذي اصطفاه لهم القدر».

كُتبت القصة ونُشرت في 1917، السنة التي وصلت فيها علاقة كافكا بفيليس إلى نهايتها. وفي تلك السنة نفسها، يوضح لها في رسالة: «أنا لست صهيونيًا». وقبيل ذلك يكتب لجريته بلوك عن نفسه قائلًا إنه بطبعه رجل «منبوذ من كل مجتمع مؤمنين مؤنس بسببٍ من يهوديتي غير الصهيونية (الصهيونية تثير إعجابي وغثياني) وغير الملتزمة دينيًا». وبعد حضوره اجتماعًا للصهاينة في مارس 1915 مع ماكْس بْرود، والذي التقى فيه يهود من أوروبا الشرقية والغربية لتصفية خلافاتهم، يكتب واصفًا الشخصيات المتنوعة، فيصف أحدهم بذكر «سترته الصغيرة المهترئة»، ويلاحظ «الابتسامة الشيطانية الكريهة» التي لامرئ ضئيل يوصف بأنه «مجادلة تمشي على قدمين» له «صوت الكناري». وهذا التتابع البصري يشمله في النهاية: «أنا، كما لو كنتُ من خشب، علّاقة ملابس دُفع بها إلى منتصف الغرفة. ويبقى الرجاء».

من أين بالتحديد يطل هذا الرجاء؟ هنا كما في مواضع أخرى، تتماسّ مشكلة الوجهة مع مسألة الهجرة إلى فلسطين، ولكن كذلك، وبتوسع أكبر، مع مشكلة إمكان وصول الرسائل وإمكان فهم الأوامر فهمًا صحيحًا من عدمهما. اللا وصول هو صفة المأزق اللغوي الذي تمثله الكتابة في سياق متعدد اللغات، مستغلة القواعد التركيبية للألمانية الفصحى لإحداث أثر غريب الألفة، ولكن كذلك الكتابة في بابل معاصرة حيث صار طيش اللغة يَسِمُ حال الكلام اليومي، أكان غراميًا أم سياسيًا. والسؤال الذي يعاود الإطلال في أمثولات من قبيل «رسالة إمبراطورية» هو ما إذا كان بعث رسالة من هذه النقطة إلى تلك أمرًا ممكنًا، أو ما إذا كان سفر شخص ممكنًا من هذه إلى تلك، بل إلى «هاتيك» -ما إذا كان وصولٌ نترقبه أمرًا ممكنًا حقًا.

أود أن أراجع بإيجاز أمثولتين تتماسان مع مشكلة اللا وصول هذه، بل ومع الرجاء غريب الشكل الذي يمكن أن يطل من الاجتماعية المتفسخة والانسداد المناوئ للخلاص المشيحاني وهما شيئان يسمان شكل الأمثولة. تبدأ أمثولة «وجهتي» بمشكلة إعطاء أمر لا يُفهَم: «أعطيت أوامر بإحضار حصاني من الإسطبل. لم يفهمني الخادم». لعل الأمر يعطى بلغة لا يفهمها الخادم، وإلا فإن هناك تراتبية مفترضة لم تعد سارية كما يفترض بها. ويَنتج مزيد من التشوش الإدراكي إذ يتابع الراوي بلسان المتكلم المفرد: «على البعد سمعت نفير بوق، سألته ما الذي يعنيه ذلك» في هذه المرة، يبدو أن الخادم يفهم السؤال، لكن الراوي ما زال لا يعيش في عالم مشترك صوتيًا: «لم يعرف شيئًا ولم يكن قد سمع شيئًا» كما يبدو صدرت عن الخادم أمارات هذا مفادها، وإن كان في السطر التالي يبدي كفاءته اللغوية: «عند البوابة أوقفني، سائلًا: «إلى أين تركب، سيدي؟»،» يتبعها رد فوري: ««لا أعلم.» لم أقل إلا «بعيدًا عن هنا [weg von hier]، بعيدًا عن هنا.»» ثم مرة ثالثة: «دائمًا بعيدًا عن هنا، بهذا وحده يمكنني بلوغ وجهتي». الخادم، الذي لم يفهم فيما يبدو الأمر الأول، أو لم يفهم أنه المخاطَب به، يبدو الآن ملهوفًا على استيضاح ما يعرفه السيد حقًا عن غايته (das Ziel). لكن إجابة السيد محيرة: «أجل،» يرد، «ألم أقل ذلك؟» ثم يوافيه باسم مكان، «بعيدًا-عن-هنا» Weg-von-hier وقد صارت كلمة واحدة (تغدو مصطلحًا يقيم به دولوز الصلة بين كافكا ومشروع لقَطْع المَوْطَنة). ولكن ما معنى القول بأن «بعيدًا-عن-هنا» هو «وجهتي»؟ فأي مكان ليس هنا يمكن أن يكون بعيدًا عن هنا، لكن أي مكان يصبح «هنا» من الهُناءات لن يكون بعيدًا عن هنا، وإنما مجرد هنا أخرى. هل من سبيل حقًا بعيدًا عن هنا، أم أن «هنا» تتبعنا أينما ذهبنا؟ ما الذي سيعنيه أن نتحرر من شروط «هنا» المكانية-الزمانية؟ لم يكن ليتعين علينا فقط أن نكون في مكان آخر، لكن ذلك المكان آخر ذاته سيتعين عليه أن يتجاوز الشروط المكانية-الزمانية الخاصة بأي مكان كائن. أينما اعتزم الذهاب إذن، فلن يكون مكانًا كما نعرف ما يكون به المكان مكانًا. أهذه أمثولة لاهوتية، أمثولة تَستَبِين ما وراءٍ أجلَّ مَن يُذكَر؟ أهي أمثولة عن فلسطين، المكان الذي في خيال الأوروبي، وفقًا لكافكا، ليس بمكان مأهول، ليس بمكان يمكن أن يعمّره أحد؟

والظاهر أنه، في الحقيقة، متوجه إلى حيث سيتبيّن أن اقتيات الجسم البشري غير ضروري. يعلق الخادم قائلًا: «ما من زادٍ [Eßvorrat] معك». ««لا أحتاج أيًّا منه،» قلتُ. «الرحلة من الطول حتى أنني لابد ميت من الجوع إن لم أتزود بشيء على الطريق. ما من زادٍ سيحفظ رمقي [Kein Eßvorrat kann mich retten].»» ثم ترد الجملة الختامية الغريبة: «فهي، لحسن الطالع، رحلة جَدُّ هائلة.» ما يرد في الألمانية هو حرفيًا «لحسن الحظ» (zum Glück eine wahrhaft ungeheure Reise). أما ungeheure فكلمة تعني «غريب الألفة»، «عملاقي مهول»، أو حتى «لا يحاط به». وجيهٌ إذن سؤالُنا عن ماهية هذه الرحلة العملاقية المهولة التي لا يحاط بها ولا يلزمها غذاء. ما من غذاء سينجيه من هذه المغامرة الميمونة في البقاع غريبة الألفة. ولحسن الحظ، يبدو أن الرحلة لن تتطلب فقط تَضوُّره جوعًا، بل ولن تفلح في حفظه، في إبقائه بمكان يُعَد مكانًا. إنه ذاهب إلى مكان ليس بمكان وحيث ما من غذاء سيلزم. لو أن ذلك المكان فيما وراء المكان يمثل في حد ذاته خلاصًا، وهو ما لا يُقال بشكل محدد، فسيكون خلاصًا من نوع مختلف عن ذلك الذي يمد به الطعام كائنًا حيًا. يجوز أن نسمي هذا غريزة موت تدفع نحو فلسطين، ولكن يجوز أيضًا أن نقرأه باعتباره انفتاحًا على رحلة لانهائية، أو رحلة في اللا نهائي، انفتاحًا سيكون إيماءة إلى عالم آخر. أقول «إيماءة» لأنه المصطلح الذي يستخدمه بنيامين وأدورنو للحديث عن هذه اللحظات الساكنة، هذه المنطوقات التي لا تمثل أحداثًا حقة، التي تتجمد أو تتخثر في حالتها الخائبة وغير المكتملة. ويبدو ذلك هو ما يحدث هنا: إيماءة تفتح أفقًا كغاية، لكن ما من رحيل فعلي ناهيك بوصول فعلي.

شِعْرية اللاوصول حاضرة مرة أخرى في أمثولة كافكا «مجيء المشيّح»، حيث نعلم من صوت بادي المرجعية أن المشيّح «سيجيء.. عندما لا يوجد مَن يقوض هذا الاحتمال ولا مَن يكابد تقوُّضَه». وتشير الأمثولة إلى «فردانية إيمانية محلولة اللجام» يتحتم أولًا أن تصير ممكنة؛ الأصل الألماني مقابل «محلولة اللجام» (zügellos) أقرب إلى «مُسيَّب؛ منفلت؛ ملقى له الحبل على الغارب؛ مطلق العنان» -فردانية مسيَّبة على العالم، بل وخارجة عن السيطرة. وكما يبدو فإن أحدًا لن يجعل هذا يتم، ويبدو كما لو أن المشيّح لن يتشبه بالبشر: لن يجيء إلا عندما يكون «لا أحد» هناك ليقوض الإمكانية أو يعاني التقوض، ما يعني أن المشيّح لن يجيء عند وجود أحد، إلا عندما لا يوجد أحد، ويعني ذلك بالمثل أن المشيّح لن يكون أحدًا، لن يكون شخصًا فردًا. وجريًا على قول إنجيل متى، تزعم الأمثولة أن «القبور ستتفتح» وهكذا، يوحى لنا، مرة أخرى، بأنها لن تُفتح بفعل بشر. فإذا زعم الراوي أن هذا ما يقول به «المذهب المسيحي أيضًا»، كان بأثر رجعي يثبت أصلًا يهوديًا لفاتحة الأمثولة، ولكن في حقيقة الأمر هناك بابلية دينية قائمة بالفعل: اليهودية، المسيحية، الفردانية، ثم، وبعد شرح مرتبك العبارة، يبدو أن ثمة نُتَفًا من هيجل كذلك في الوصف الوارد -وإنها لأكثر النُتَف استعصاء على القراءة. في الحقيقة، يبدو أنه ما من وصف ممكن في جملة مفيدة، ونحن نوضع وجهًا لوجه أمام حدود الظن. «المشيّح لن يجيء إلا عندما لا يعود ضروريًا. لن يجيء إلا في اليوم التالي لوصوله؛ سيجيء، ليس في اليوم الأخير، وإنما في اليوم الأخير الأخير». سيبدو أن المشيّح يجيء تحديدًا عندما ينعدم مَن يعاني تقوُّض العالم كما نعرفه، عندما لا يبقى مَن يمكنه تقويض مجيئه. لا يصل ذلك المشيّح في صورة فرد، وبالتأكيد ليس في إطار أي تتابع زمني نأخذ به لتنظيم عالم الكائنات. فلو أنه يجيء في اليوم الأخير الأخير، وليس في اليوم الأخير، فإنه يأتي في «يوم» -مفرط المجازية الآن- خارج أي تقويم للأيام، وخارج المواقيتية نفسها. تسلِّم الأمثولة بوجود زمانية لا بقاء فيها لأحد. الوصول مفهوم ينتمي إلى تقويم الأيام، أما المجيء (das Kommen) فلا، كما يبدو. إنه لا يحدث في لحظة في الزمن، وإنما فقط بعد تمام تتابع اللحظات كلها.

كان الرحيل والوصول قضيتين دائمتين عند اليهود الأوروبيين الذين درسوا مغادرة أوروبا قاصدين فلسطين، وقاصدين كذلك مَهاجِر أخرى. في «وجهتي»، تُرِكنا أمام سؤال كيف يمكن للمرء أن يبتعد عن هنا دون أن ينتقل من هنا إلى أخرى؟ ألا يفترض رحيل ووصول كهذين مسارًا زمنيًا متمايزًا عبر متصَل مكاني؟ الاسم المركب «Weg-von-hier» يبدو أنه اسم مكان لمجرد إرباك مفهومنا عن المكان. وحقًا، فمع أن «Weg-von-hier» اسم مكان – بصيغة متعارف عليها صرفيًا – يتبين أن الصرف لا يحيد فقط عن الإحالية الواضحة في هذه الحالة، ولكنه يحتمل، بوضوح، العمل بالتعارض مع أي واقع مفهوم. لا يبدو ثمة طريق واضح للانتقال من نقطة إلى نقطة في إطار المخطط المقدم في هذه الأمثولة، ويربك هذا أفكارنا عن التقدم الزمني والاتصال المكاني. بل ويصعّب متابعة السطور على الصفحة، قراءة الأمثولة من بدايتها إلى نهايتها. لو أن أمثولة كافكا من بعض النواحي ترسم خط الرحيل من مفهوم سائد عن المكان إلى مفهوم خاص بلا وصول أبدي، فهي لا تقود نحو غاية مشتركة أو نحو التحقيق المتقدم تدريجيًا لغاية اجتماعية داخل حدود مكان بعينه.

شيء آخر ينفتح، المسافة العملاقية واللانهائية بين الرحيل والوصول وخارج النظام الزماني الذي يكون لهذين المصطلحين معنى فيه. في «مجيء المشيّح»، تقطع رؤية كافكا للا وصول مع الأصول اليهودية، وتنطلق من هناك وتتوقف هناك. وما يتضح هو أنه أيَّا تكن الزمانية التي مؤشرها ما هو مشيحاني فهي عصية على التحقق في الزمان والمكان. لعلها لحظة ضد-كانطية، أو طريقة لمساءلة اليهودية عند أقصى حدود مفهوم كانطي للمظهر وبالمفاضلة مع مفهوم تقدمي تدريجي للتاريخ يُنتظر أن تتحقق غايته في موطن مأهول.

يتأمل كافكا كذلك في أشكال اللا وصول في يومية مكتوبة عام 1922، قبل أقل من سنتين من وفاته بالسل:

«لم أُبْدِ أوهن عزيمة في تسيير شؤون حياتي. كان الأمر كما لو أنني، كأي شخص آخر، أُعطيت نقطة أمد منها نصف قطر دائرة، فتعين علي، كأي شخص آخر، أن أحدد دائرتي المُثلى حول هذه النقطة. وبدلًا من ذلك، كنتُ وللأبد ما أن أبدأ نصف قطري حتى أبتره مجبرًا على الدوام. (أمثلة: البيانو، الكمان، اللغات، اللغات الجرمانية، مناهضة الصهيونية، الصهيونية، العبرية، البستنة، النجارة، الكتابة، الشروع في الزواج، شقة تخصني)».

لهذا وقْع أمر يرثى له، لكنه بعدها يضيف: «لو أنني أحيانًا أطلت نصف القطر أكثر قليلًا من المعتاد، في حالة دراساتي القانونية، مثلًا، أو خطوباتي، فقد صيّر هذا كل شيء إلى أسوأ لا إلى الأفضل بسبب هذا الشوط الصغير الأبعد لا غير» فهل يعني هذا أن شيئًا صار أفضل ببتر نصف قطر دائرة، بمقاومة ذلك الغلق بعينه؟ يوضح كافكا الترتبات السياسية للاهوته غير القويم، أو يجعلها قريبة من الوضوح، عندما يكتب في يناير 1922 عن «المسعى الجامح» المتمثل في كتابته. لعله ليس مسعى، كما يحدس؛ ربما تكون كتابته «انقضاضًا على آخر التخوم الأرضية» مثل «كل الكتابة من هذا القبيل». ثم يُلمِع: «لولا أن الصهيونية قد طرأت، لربما كانت الكتابة قد تطورت إلى مذهب سري جديد، إلى قَبالة. ثمة إرهاصات بهذا».

لقد حاولت اقتراح أننا في أمثولات كافكا وكتاباته الأخرى نجد تأملات موجزة في مسألة الذهاب إلى مكان ما، مسألة الذهاب في أي اتجاه، مسألة استحالة الوصول وعدم قابلية غاية للتحقق. وأريد اقتراح أن كثيرًا من هذه الأمثولات يصوغ في حكايات رمزية كما يبدو طريقة لكبح رغبة الهجرة إلى فلسطين، ويفتح عوضًا عن ذلك مسافة لانهائية بين المكان والآخر -وبهذا فهي تشكل إيماءة لاهوتية لا صهيونية.

وأخيرًا يبقى لنا أن نَنْظر في شعرية اللا وصول هذه فيما يتعلق بوصية كافكا الأخيرة نفسها. ولعل من الواضح الآن أن كثيرًا من أعمال كافكا يدور حول رسائل تُكتب وترسَل بينما الوصول لايقيني أو مستحيل، حول أوامر تلقى وتُفهم خطأً فتُطاع بمخالفتها أو لا تُطاع على الإطلاق. ترسم «رسالة إمبراطورية» خريطة لأسفار رسول عبر طبقات معمارية عديدة، إذ يجد نفسه عالقًا في تشبيكة كثيفة ولانهائية من الناس: ينشأ حاجز لانهائي بين الرسالة ووجهتها. فماذا نحن قائلون عما طلبه كافكا من بْرود قبل موته؟ «ماكْس العزيز، طلبي الأخير: كل شيء أتركه.. يُحرَق دون قراءة». إقرار مشيئة كافكا هو رسالة تم إرسالها، نعم، لكنه لا يصير مشيئة بْرود؛ بل شاءت إرادة بْرود، مجازيًا وحرفيًا، أن تطيع وصية كافكا وترفضها (بعض العمل سيبقى دون قراءة، لكن شيئًا منه لن يُحرَق، على الأقل ليس بيدي بْرود).

من المثير للتفكير أن كافكا لا يطلب استرجاع كتاباته ليتسنى له متابعة إعدامها بنفسه. على العكس، يترك الأحجية لبْرود. رسالته إلى بْرود هي بمثابة منح كل الأعمال له، وسؤاله أن يتولى عملية إتلافها. وهنا تكمن مفارقة مستعصية، إذ تصبح الرسالة جزءًا من الكتابة، ومن ثم جزءًا من  ذات المتن أو مجمل الأعمال، كالكثير من رسائل كافكا التي حُفظت بعناية وتدقيق على مدار السنين. إلا أن الرسالة تطالب بإعدام الكتابة، وهو ما سيستتبع منطقيًا إلغاء وجود الرسالة نفسها، ومن ثم إبطال الأمر نفسه الذي تعطيه. فهل يعطي هذا الأمر الموجَّه تعليمات واضحة، أم أنه إيماءة بالمعنى الذي وصفه بنيامين وأدورنو؟ هل يتوقع بلوغ رسالته وجهتها، أم أنه يكتب الطلب عالمًا أن الرسائل والأوامر تفشل في الوصول إلى مَن تخاطبهم، عالمًا أنها ستخضع بدورها للا وصول نفسه الذي كتب عنه؟ تذكروا أن كافكا هو مَن كتب:

«من أين خطرت لأي إنسان فكرة أن الناس يمكنهم التواصل مع بعضهم البعض بالمراسلة! الشخص البعيد يمكننا التفكير فيه، والشخص القريب يمكننا الإمساك به -كل ما عدا ذلك فوق قوة البشر. غير أن كتابة الرسائل تعني تعرية الذات أمام الأشباح، وهو ما تتلهف عليه. القبلات المكتوبة لا تبلغ وجهتها، لكن الأشباح تشربها في الطريق. على هذا القوت الوافر تنمو وتتكاثر بإفراط. تستشعر الإنسانية هذا وتحاربه ولكي تمحو ما تيسر من العنصر الشبحي الكائن بين الناس وتخلق اتصالًا طبيعيًا، أنس النفوس، فقد اخترعت السكك الحديدية، السيارة ذات المحرك، الطائرة. لكن لم يعد في هذا خير ولا نفع، فمن الجلي أن هذه اختراعات تُصنَع في لحظة التحطُّم. الجانب المقابل أهدأ وأقوى كثيرا؛ بعد خدمة البريد اخترعت البرق، الهاتف، الراديوجراف. الأشباح لن تجوع، أما نحن فسنهلَك».

لو كانت الأعمال قد أُتلِفت، ربما ما كانت الأشباح لتُطعَم -مع أن كافكا لم يكن بمستطاعه التنبؤ بمدى الطفيلية غير المحدودة الذي كان من شأن قوى القومية والربح أن تبلغه، حتى مع علمه بأن تلك القوى الشبحية في الانتظار. في احتضاره إذن، يكتب كافكا أنه يريد لمجمل أعماله أن تُعدَم بعد موته. أيعني هذا بعبارة أخرى أن الكتابة مربوطة بكونه حيًا، وأن بزواله يحين زوال عمله؟ بموتي، وجب أن يغيب عملي بدوره عن الوجود. هي استخيال، طبعًا، فكرة أن عمله لن يعيش بعده، فأن يعيش بعده أمر يجده مؤلمًا فوق الحد. وهذا يذكرني بأمثولة «هموم رجل عائلة»، والتي نالت انتباه أدورنو لما فيها من وعد «خلاصي». لدينا شخصية أودرادك، مخلوق ما، بَكَرة، نجمة، لضحكته وقع حفيف أوراق الشجر، يحوم في أو تحت أو بقرب بئر السلم في أحد البيوت. ربما يكون ابنًا، أو ما بقي من ابن؛ في كل الأحوال، هو بعض جماد وبعض صدى لحضور بشري. فقط في نهاية الأمثولة يبدو أن الصوت الحيادي الرصين الذي يصف هذا الأودرادك له به علاقة بين جيلين. هذا «الأودرادك» لا يعيش تمامًا في الزمن، إذ يوصف بأنه يسقط على الدَرَج سقوطًا أبديًا، أي أبد الدهر. وهكذا يشهد الراوي الذي يبدو في موضع أبٍ: «يكاد يؤلمني أنه قد يعيش بعدي» هل بوسعنا قراءة هذا كحكاية رمزية لا ترمز فقط إلى كافكا في بيت والده، وإنما إلى كتابة كافكا، الأوراق ذات الحفيف، الأشكال التي صار بها هو نفسه بعض بشر وبعض جماد، بلا ذرية، أو بالأحرى بلا ذرية أدبية وجد من المؤلم فوق الحد تخيلها تعيش بعده؟ تمثلت قيمة أودرادك الكبرى لدى أدورنو في أنه كان عديم النفع نهائيًا في عالم رأسمالي يسعى لجعل كل الأشياء أدوات وذرائع لمكسبه. لم تكن أشباح التكنولوجيا على كل حال هي وحدها التي ستتغذى بشراهة على أعمال كافكا، وإنما تلك الأشكال من جني الأرباح المستغلة حتى لأكثر الأشكال الفنية معاداة للأداتية، وتلك الأشكال من القومية الساعية للاستحواذ حتى على الكتابة بالكيفيات المقاومة لها بأشد صرامة. فإنها لمفارقة ساخرة طبعًا أن كتابات كافكا أصبحت في آخر المطاف أغراض شخص سواه، معبأة في خزانة أو قبو، متحولة بقدرة سحرية إلى قيمة تبادلية، منتظرة حياتها الأخرى بوصفها أيقونة للانتماء القومي أو، بمنتهى البساطة، بوصفها نقودًا.

*  «مختارات مترجمة»: باب مهتم بنقل نصوص بارزة أسهمت في إثراء نقاشات فكرية وثقافية إلى اللغة العربية.

اعلان
 
 
جوديث بتلر