«التعيينات في الهيئات القضائية».. فصل جديد في أزمة الرئاسة مع استقلال القضاء
 
 

خلال الفترة من 5 إلى 15 من ديسمبر الجاري استقبل مجلس الدولة طلبات خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون والشرطة من دفعة 2017، الراغبين في الالتحاق بوظيفة مندوب مساعد بالمجلس، غير أن استقبال طلبات المتقدمين للوظيفة لا يعني بالضرورة اقتراب تعيينهم، إذ لا يزال المجلس نفسه ينتظر أن تصدر رئاسة الجمهورية قرار تعيين المقبولين للوظيفة نفسها من دفعتي 2014 و2015، بعدما أرسل لها المجلس قائمة بأسمائهم في أبريل الماضي، حسبما قال مصدر في المجلس تحدث لـ «مدى مصر».

تأخير صدور قرار التعيين ليس هو المجهول الوحيد الذي يواجه المتقدمين لـ «الوظيفة القضائية»، فاﻷهم من ذلك هو أن هؤلاء المتقدمين، فضلًا عن مجلس الدولة نفسه، لا يعلمون إن كانت رئاسة الجمهورية ستجبرهم على الخضوع لاختبارات أخرى تجريها هيئات غير قضائية، قبل قبول تعيينهم في الهيئات القضائية، وهو ما حدث بالفعل مع نظرائهم من خريجي دفعة 2015 الذين تقدموا للنيابة العامة للالتحاق بوظيفة معاون نيابة، رغم أن دور الرئيس في التعيين في الهيئات القضائية اﻷربعة (النيابة العامة، والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، ومجلس الدولة) لا يتعدى التصديق على اختيارات تلك الهيئات، حسبما قال أحد نواب رئيس محكمة النقض.

مصادر تحدثت لـ «مدى مصر» رأت في تدخل الرئاسة في ملف التعيينات في الهيئات القضائية «اعتداء على استقلال القضاء، واعتداء على الدستور»، خاصة مع منح المخابرات العامة والرقابة الإدارية والأكاديمية الوطنية للشباب سلطة غير مسبوقة في الإشراف على التعيين في وظائف قضائية، حسبما اتضح من تفاصيل رحلة المتقدمين للتعيين في النيابة العامة مع الاختبارات التي خضعوا لها بالفعل، رغم اعتراضات مجلس القضاء اﻷعلى.

***

في يوليو 2016 تقدم مصطفى (اسم مستعار) خريج دفعة 2015 في كلية الحقوق،  للالتحاق بوظيفة معاون نيابة، وفي نوفمبر من العام نفسه أجرى مقابلة في إدارة التفتيش القضائي بمجلس القضاء اﻷعلى، تلتها في ديسمبر مقابلة أخرى مع أعضاء المجلس السبعة، تم إبلاغه أن من يجتازها يحال ملفه إلى الجهات اﻷمنية (اﻷمن العام، واﻷمن الوطني، والمخابرات العامة) للتحري عنه، على أن يصدر من رئاسة الجمهورية قرار بتعيين من يجتاز تلك التحريات.

بحسب مصطفى، أجريت التحريات اﻷمنية في الفترة من يناير وحتى مايو 2017، غير أن قرارًا بتعيينه، هو وباقي المتقدمين للوظيفة من دفعته، لم يصدر بعد.

مصدر قضائي مطلع على ملف التعيينات بالنيابة العامة، قال لـ «مدى مصر» إن مجلس القضاء اﻷعلى أرسل إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مايو 2017، قائمة تضم 589 اسمًا من خريجي كليات الحقوق، دفعة 2015، بعد اجتيازهم الاختبارات اللازمة؛ وذلك للتصديق على تعيينهم في وظيفة معاون نيابة، وفقًا للقاعدة المتبعة في تعيينات الهيئات القضائية، غير أن الرئاسة ردت على المجلس في يوليو 2017 بأنها أحالت ملف التعيينات إلى جهاز المخابرات العامة، لاختبار ولاء المتقدمين للعمل في القضاء وميولهم السياسية.

لاحقًا، وفي نوفمبر من العام نفسه طلب جهاز المخابرات العامة من مجلس القضاء الاتصال بالمرشحين للتعيين، وتحديد مواعيد لاختبارهم من قِبل الجهاز.

في بداية نوفمبر تلقى مصطفى اتصالًا من موظف تابع لإدارة التفتيش القضائي يخبره بضرورة الحضور إلى مقر دار القضاء العالي في السابعة من صباح اليوم التالي، مشددًا على أن يحضر بدون هاتفه الشخصي، أو أية معادن «حتى الحزام ما أروحش بيه»، يقول مصطفى، مستكملًا: «روحت في الميعاد المحدد، أسأل إيه هيتم معانا، ما حدش بيرد. ركبت مع 34 شخص ما حدش فينا يعرف التاني في باص خدنا لمكان مجهول بالنسبة لي، ﻷني مش من القاهرة. عرفت بعد كده إننا جوه المخابرات العامة».

بحسب المصدر القضائي، وهو أحد نواب رئيس محكمة النقض، تم اختبار المتقدمين للوظيفة عدة اختبارات، أبرزها اختبار لقياس الولاء والميول الدينية والسياسية والجنسية، واختبار آخر ذهني يخضع له المتقدمين للعمل في جهاز المخابرات نفسه.

يتذكر مصطفى: «دخلنا اختبارات لمدة 10 ساعات متواصلة على الكمبيوتر، بدون كوباية ميه، أول امتحان IQ (ذكاء)، وبعد كده امتحانات بتقيس الميول الدينية والسياسية والجنسية والاجتماعية ومدى الولاء للبلد، واختبار في الرياضيات والقسمة المطولة واللوغاريتمات، وكان كل اختبار بيتعاد 3 مرات بكذا شكل».

«الاختبارات تضمنت أسئلة حساسة ما أقدرش أقولها، ومواقف لا يمكن أن يتعرض لها رجل قضاء، وأسئلة مثل: تضحي بوالدتك ولا الوطن؟ بتضحك على النكت البذيئة الخارجة ولا لأ؟ لو مسافر بره وممكن تقعد مع مسلم أيًا كانت جنسيته، أو عربي أيًا كانت ديانته، تختار إيه؟ لو بإيدك تقتل 100 مصري أو 100 أجنبي تختار مين؟..».

نجح أقل من 40% ممَن خضعوا لاختبارات المخابرات، والذين كان معظمهم من الحاصلين على تقدير امتياز، وأغلبية هؤلاء كانوا من أبناء المستشارين، بحسب النتائج التي أرسلها الجهاز لمجلس القضاء، ليقوم اﻷخير بالاتصال بمجموعة أخرى من الخريجين الذين سبق واجتازوا اختبارات المجلس القانونية، والتحريات اﻷمنية، ليخضعوا بدورهم لاختبار المخابرات.

بحسب المصدر القضائي، وصل عدد من اختبرهم جهاز المخابرات إلى 800 شخص، اجتاز 200 منهم فقط الاختبارات، ما اجتمع على إثره مجلس القضاء اﻷعلى، في مارس 2018، ليقرر إعادة اختبار الراسبين في اختبارات المخابرات من قِبل أكاديميين وتقييمهم نفسيًا بواسطة أخصائيين نفسيين، داخل إدارة التفتيش بدار القضاء العالي، وهي الاختبارات التي تم بناء عليها اختيار 161 شخصًا آخرين.

في 24 أبريل، أرسل مجلس القضاء الأعلى إلى رئيس الجمهورية، للمرة الثانية، قائمة ضمت هذه المرة 361 اسمًا، هم المقبولين في اختبارات المخابرات، والمقبولين في الإجراءات اللاحقة التي أجراها المجلس. لترد الرئاسة على المجلس بأن ملف التعيينات أُحيل إلى هيئة الرقابة الإدارية التي ستعد تقريرًا عن المرشحين للتعيين في القضاء، وتحدد مَن يصلح للتعيين ومَن لا يصلح.

***

في منتصف مايو الماضي تلقى مصطفى اتصالًا ممَن عرف نفسه بأنه ضابط بهيئة الرقابة الإدارية، وطلب منه صورًا شخصية لوالده ووالدته، وقيد عائلي، على أن يذهب لتسليمها في مقر الرقابة الإدارية في محافظته. ولاحقًا، عرف من زملائه المتقدمين للوظيفة أن تحريات الرقابة الإدارية اختلفت من محافظة لأخرى، بين طلب تصوير الشارع الذي يسكن فيه طالب الوظيفة، أو الاستفسار عنه من أهالي الحي الذي يسكن فيه، وصولًا إلى زيارة ضابط الرقابة الإدارية منزل المتقدم للوظيفة وتفقد غرفه.

وفي يونيو الماضي أبلغت هيئة الرقابة الإدارية مجلس القضاء أنها أعدت تقاريرًا بعدم صلاحية 50 شخصًا من قائمة الـ 361، بحسب المصدر القضائي، الذي قال إن الخطوة المقبلة هي أن تعيد الرقابة الإدارية ملف التعيينات للرئاسة، لتحيله اﻷخيرة بدورها للمجلس ليستبعد الأسماء الخمسين ثم يرسل القائمة مجددًا للرئاسة.

غير أن تقارير الرقابة الإدارية لم تكن الخطوة اﻷخيرة قبل التعيين، فبحسب المصدر، أبلغت الرئاسة المجلس لاحقًا أنها ستحيل المقبولين من الرقابة إلى اﻷكاديمية الوطنية للشباب. وهي الخطوة التي يرفضها مجلس القضاء الأعلى، خاصةً وأن المتقدمين للتعيين سيخضعون لاختبارات قبول جديدة، خاصة بالأكاديمية هذه المرة، مَن يجتازها يدرس -على نفقته الخاصة- لمدة عام داخل اﻷكاديمية، وهو ما يعقبه صدور قرار تعيين الدفعة من رئيس الجمهورية.

أنشئت الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب في 28 أغسطس 2017 بموجب قرار رئاسي، وهي هيئة اقتصادية تهدف إلى رسم سياسات تدريب الكوادر الشبابية بكافة قطاعات الدولة، على مختلف المستويات التنظيمية، بالتنسيق مع الجهات المعنية، وفي إطار خطة الإصلاح الإداري للدولة، وتتبع رئيس الجمهورية، ويرأسها رئيس الوزراء بعضوية ممثلين عن «رئاسة الجمهورية ووزارات المالية والتعليم العالي والتخطيط، والمجلس الأعلى للجامعات، و5 يختارهم رئيس الجمهورية».

وفي 3 يونيو 2018 أصدر السيسي قرارًا بتعديل تشكيل اﻷكاديمية لتكون برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس الوزراء ووزير التخطيط إلى جانب ممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، و5 خبراء في مجال اختصاص الأكاديمية، يعينهم جميعًا رئيس الجمهورية، وفي اليوم نفسه أصدر قرارًا بتشكيل مجلس أمناء اﻷكاديمية، برئاسته أيضًا، وضم في عضويته إلى جانب ممثلي جهات مختلفة، اللواء عباس كامل ممثلًا عن رئاسة الجمهورية [شغل لاحقًا منصب رئيس جهاز المخابرات العامة].

عقب إصدار قرار تشكيل اﻷكاديمية، أبلغت رئاسة الجمهورية الهيئات القضائية برغبتها في تدريب المرشحين للتعيين في تلك الهيئات داخل الأكاديمية، بعد اجتيازهم اختبارات لياقة بدنية تحددها اﻷكاديمية، حسبما قال أحد نواب رئيس مجلس الدولة، والذي أوضح أن المجلس رفض هذا المقترح؛ لتعارضه مع استقلاله المكفول بالدستور والقانون، وأبلغ الرئاسة أن قانون مجلس الدولة حدد إجراءات التعيين، والتي ليس من بينها التدريب في اﻷكاديمية.

وأضاف المصدر لـ «مدى مصر» أن المجلس أرسل في مايو الماضي أسماء المقبولين للتعيين به من خريجي دفعتي 2014 و2015، ولا يزال ينتظر من رئيس الجمهورية إصدار قرار التعيين الخاص بهم.

المصدر أضاف لـ «مدى مصر» أن المجلس علم بالاختبارات التي خضع لها المتقدمين للعمل بالنيابة العامة، لكن أية جهة رسمية لم تخاطبهم حتى اﻵن بشأن التعيينات الخاصة بمجلس الدولة، أو تطلب خضوعهم لتلك الاختبارات. فيما لفت إلى أن الرئاسة تستطيع تعديل قانون مجلس الدولة والهيئات القضائية بشكل عام لإضافة ما تريده من اختبارات وقيود على التعيينات، ووقتها سيمتثل المجلس للقانون.

وفي حين رفض مجلس الدولة خضوع المتقدمين للعمل فيه لاختبارات أكاديمية الشباب، كانت هيئة قضايا الدولة هي الجهة القضائية الوحيدة التي خضع المتقدمين للعمل بها -من خريجي دفعة 2012- لتلك الاختبارات، حسبما قال نائب رئيس الهيئة، الذي أوضح أن تأخّر إصدار الرئيس لقرارات تعيين في الوظائف القضائية لسنوات هو ما دفع الهيئة للموافقة على خضوع المرشحين للعمل بها لاختبارات القبول باﻷكاديمية.

نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، قال إن اختبارات القبول باﻷكاديمية الوطنية للشباب تشبه اختبارات القبول في الكلية الحربية، وتضم: كشف طبي، واختبار لياقة، واختبار نفسي، واختبار لغات، واختبار نظري في المعلومات العامة، واختبار مواجهة، ويخضع لتلك الاختبارات المرشحين للعمل من الجنسين.

ولفت نائب رئيس الهيئة إلى أن غالبية القضاة يعرفون أن استقلالهم يتعارض مع خضوع تعيينات الجهات والهيئات القضائية للأكاديمية، التي تتبع رئيس الجمهورية، إضافة إلى أن عمل الأكاديمية في ما يتعلق بالقضاة يتعارض في الأساس مع الدستور، لكونه يشترط في المعينين للقضاء السلامة الجسدية، واللياقة البدنية، رغم أن الدستور وقوانين السلطة القضائية لا تمنع من لديهم إعاقة -لا تمنعهم عن العمل- من الاشتغال بالقضاء.

المصدر نفسه أضاف أن المتقدمين للعمل بالهيئة الذين اجتازوا اختبارات اﻷكاديمية حصلوا على برنامج تدريبي فيها مدته شهر، على نفقة هيئة قضايا الدولة، مشيرًا إلى أن الهيئة تلقت وعدًا من رئاسة الجمهورية بتعيين جميع أعضاء الدفعة بعد اجتيازهم هذا التدريب، وهو القرار الذي تنتظره الهيئة منذ يوليو الماضي، دون أن يصدر حتى اﻵن. فيما استمرت الهيئة في تلقي طلبات الالتحاق بوظيفة مندوب مساعد بها من خريجي الدفعات اللاحقة لدفعة 2012، وصولًا لدفعة 2016 التي لا تزال في مرحلة المقابلات الشخصية.

وبحسب المصدر، من غير المعروف إن كانت الرئاسة ستعمم اختبارات جهاز المخابرات العامة على الدفعات المقبلة في كافة الهيئات القضائية مثلما فعلت مع المتقدمين للالتحاق بالنيابة العامة، أم أن تطبيقها سيتوقف، خاصة وأن اختبارات أكاديمية الشباب تتضمن اختبارًا نفسيًا.

وأضاف المصدر كذلك أن التحريات الأمنية التي تتم لجميع المتقدمين لشغل وظيفة قضائية تتضمن بالفعل استطلاع رأي المخابرات العامة حول هوية المتقدم، وما إذا كان أيًا من أقاربه من الدرجة الخامسة لهم علاقة بالإخوان أو الجماعات المتطرفة من عدمه، مؤكدًا أن اختبار رجال المخابرات لرجال القضاء هو أمر لا تعرفه أي دولة في العالم ولا يستقيم مع المنطق، وأن على المخابرات أن تنأى بنفسها عن التدخل في الشأن الداخلي [للقضاء].

***

«الاختبارات الجديدة هي نوع من الصراع بين مؤسسات الدولة، ومحاولة من الجهات السيادية المسيطرة على زمام الأمور في مصادرة حقوق السلطات الأخرى»، كان هذا رأي نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، والذي أشار إلى أن التعيينات الخاصة بالهيئة لا تزال أمام الرئاسة، وهي خاصة بدفعة 2012، مشيرًا إلى أن المراسلات بين الهيئة والرئاسة حول تعيين هذه الدفعة كانت لا تزال جارية حتى أكتوبر الماضي.

كان برنامج «صباح دريم»، قد أذاع في حلقة 24 أكتوبر 2017، بيانًا من المتحدث باسم هيئة النيابة الإدارية، المستشار محمد سمير، قال فيه: «فيما يخص التساؤلات الواردة.. حول دفعة معاون نيابة إدارية من خريجي عام 2012، فإنه يطيب لنا أن نوضح لسيادتكم أنه حتى اﻵن لم تكتمل الإجراءات الخاصة بها. وسيتم إعلان نتيجتها فور اكتمال تلك الإجراءات.

علمًا بأن الإجراءات الخاصة بتعيين معاون النيابة تشمل اﻵتي: 1: إجراء المقابلات الشخصية لكافة المتقدمين. 2: التأكد من المستندات المقدمة منهم، من شهادات جامعية من جامعات مختلفة، ومستندات أخرى. 3: إجراء التحريات على المتقدمين من عدة جهات سيادية حول المتقدم وأسرته، وفقًا للقانون، علمًا بأن خريجي 2012 كانوا قد أجروا المقابلات الشخصية بالفعل، وتم الاستيثاق من المستندات المقدمة منهم وباقية لاكتمال التحريات الخاصة بالمرشحين. والتي تجريها جهات سيادية. وفور اكتمال التحريات سيتم الإعلان عن أسماء المقبولين».

أما نائب رئيس الهيئة، الذي تحدث مع«مدى مصر» مشترطًا عدم ذِكر اسمه، فأضاف أن الجميع مع وضع ضوابط تحكم مسألة التعيين في القضاء؛ لخطورة مهام القاضي، خاصة وأن التوريث المتعارف عليه بقوة في القضاء العادي ومجلس الدولة «مصيبة كبيرة»، بحسب قوله. غير أنه اعتبر أن المؤسف هو أن الضوابط التي تحاول رئاسة الجمهورية وضعها -من خلال المخابرات والرقابة الإدارية من جانب وأكاديمية الشباب من جانب آخر- لن تمنع أو تقلل من ظاهرة «توريث القضاء»، خاصة في ظل عدم وجود معايير تؤكد أن الجهات السيادية ستختار مَن يستحق، وليس المقربين منها.

في المقابل رفض المستشار محمد عبد المحسن، رئيس نادي قضاة مصر، التعليق على الإجراءات الجديدة التي واجهها المتقدمون للتعيين في النيابة العامة، مضيفًا أن مجلس القضاء اﻷعلى هو وحده المسؤول عن الإجراءات المرتبطة بالتعيين في القضاء العادي، وهو من يُسأل عن أسباب تأخير تعيين دفعة 2015.

كان آخر قرار تعيين في النيابة العامة قد صدر من رئاسة الجمهورية في 12 أبريل 2017، لخريجي دفعة 2014، فيما صدر في 2 أغسطس 2016 آخر قرار تعيين في كل من النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، لخريجي دفعة 2011، أما مجلس الدولة فصدر آخر قرار تعيين يخصه في 9 سبتمبر 2015، لخريجي دفعة 2013.

فيما أوضح مصدر قضائي أنه حفاظًا على أحقية جميع خريجي كليات الحقوق في التقدم للوظيفة، عندما تطلب كل جهة تعيينات جديدة، تخاطب خريجي كليات الحقوق في السنة التي توقف عندها التعيين. مضيفًا أنه حتى نهاية التسعينيات كانت إجراءات التعيين في الهيئات القضائية تستغرق عامًا واحدًا، فيعين خريج كلية الحقوق بعد عام واحد من تخرجه، غير أنه مع بداية الألفية الثالثة تباطأت وتيرة التعيينات، خاصة وأن الهيئات القضائية لم تطلب تعيينات بصفة دورية، لافتًا إلى أن طلب الجهة أو الهيئة القضائية لتعيينات جديدة يتوقف على عدد المستشارين الذين يحالون للتقاعد بها، واحتياجات العمل، فضلًا عن ضغوط المستشارين لتعيين أبنائهم.

من جانبه، قال ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، إن الإجراءات المستحدثة من الرئاسة للتعيين في الهيئات القضائية تعد أثرًا مباشرًا لتعديل قوانين السلطة القضائية، وتعديل طريقة اختيار رؤساء الهيئات والجهات القضائية، وهو ما فتح الباب، بحسب أمين، للمساس بسلامة واستقلال المنظومة القضائية بكاملها.

وكان الرئيس السيسي قد صدق في 27 أبريل 2017 على تعديلات على قوانين «السلطة القضائية ومجلس الدولة وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة»، بموجبها يختار السيسي رؤساء الهيئات الأربعة، من بين ثلاثة أعضاء ترشحهم هذه الهيئات، بدلًا من قاعدة الأقدمية التي كان معمولًا بها، والتي كانت تمنح رئاسة الهيئات القضائية لأكبر أعضائها سنًا، في حين تقتصر سلطة رئيس الجمهورية على التصديق على الاختيار فقط.

«كارثة»، هكذا وصف ناصر أمين الإجراءات التي اتخذتها رئاسة الجمهورية تجاه تعيينات النيابة العامة، إذ أنها، حسبما قال، تطعن في سلامة قبول الدفعة بكاملها، لأنه لا يصح أن تكون المعايير الأمنية أساسًا للتعيين في القضاء، أو أن يتم الاختيار عبر جهات غير التي نص عليها الدستور والقانون لاختيار وتعيين أعضاء النيابة العامة. ومن ثم فتدخل المخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، كممثلين للأجهزة أمنية، وهيئات سياسية مثل الأكاديمية الوطنية للشباب، يبطل إجراءات تعيين الدفعة بكاملها.

وتنص المادة 77 مكرر 2 من قانون السلطة القضائية على أن «يختص مجلس القضاء اﻷعلى بنظر كل ما يتعلق بتعيين وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة، وكذلك سائر شؤونهم.. ويجب أخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء والنيابة العامة».

وهو ما أكده المستشار محمد رضا شوكت، رئيس محكمة استئناف القاهرة، وعضو مجلس القضاء الأعلى، في تصريحات له خلال الشهر الجاري، قال فيها إن «مجلس القضاء الأعلى يختص بمفرده بالقيام بكافة شؤون القضاة من حيث التعيين والترقية والنقل وأن للقضاة موازنة مستقلة يقوم عليها مجلس القضاء الأعلى، بما له من سلطة وزير المالية بهذه الموازنة ولرئيس المجلس سلطة وزير التخطيط والجهاز المركزي بالتنظيم والإدارة تأكيدًا على استقلال القضاء عن كافة السلطات الأخرى في الدولة».

أما ناصر أمين، فاعتبر أن الإجراءات التي اتبعتها الرئاسة ستؤثر على تكوين الجسد القضائي في مصر في المستقبل، لأن عرض أعضاء النيابة العامة في مراحل اختيارهم على أجهزة أمنية وهيئات سياسية يعني ترويع هؤلاء الأعضاء مدى حياتهم أثناء ممارستهم لعملهم، وتذكرهم دائمًا أن مَن اختارهم قيادات سياسية أو قيادات أمنية، وهذا يطعن في استقلالهم في المستقبل.

اعلان