كيف يمكن لأفلام عطيات الأبنودي المساهمة في نقاش عن اللحظة الحالية؟
 
 
لقطة من مادة فيلمية مصورة خاصة بعطيات الأبنودي، أهدتها لمركز سيماتيك وقام برقمنتها - المصدر: سيماتيك- مركز الفيلم البديل
 

قابلتُ عطيات الأبنودي (1939-2018) مرة واحدة في سياق بحث حول الأفلام التسجيلية والقصيرة المستقلة في فترة الستينيات والسبعينيات المصرية، التي تعتبر فترة ازدهار عامة للأفلام التسجيلية، خاصة وأنه كانت هناك حالة يمكن أن نسميها ارتخاء رقابي على الإنتاج الثقافي بشكل عام، والذي تضمن إنتاج الدولة السينمائي. في ذلك الوقت، وفي غياب بعض البدائل المتاحة حاليًا، كان إنتاج الأفلام الوثائقية حكرًا على الدولة ومؤسساتها أو على الجهات الدولية التنموية، مع بعض الاستثناءات بالتأكيد.

كنتُ مهتمًا في حديثي معها، بالأفلام التي أنتجتها تحت مظلة معهد السينما والمركز القومي للسينما، وهي أكثر أفلامها قربًا لنموذج إنتاجي مستقل، يستغل ما يمكن أن تقدمه الدولة، وهو القليل على أي حال، من أجل تقديم أفلام تحمل نقدًا وانحيازًا وتجريبًا. بعد لقائي معها، وفي السنين التالية شاهدت المزيد من أفلام عطيات التي لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام مثل أفلامها الثلاث الأولى.

أخرجت عطيات أفلامها التسجيلية الأولى في بداية السبعينيات، وهي الفترة التي شهدت حراكًا سينمائيًا كبيرًا في مصر، حيث نشأت جماعة السينما الجديدة في 1969، نادي السينما بالقاهرة في أوائل السبعينيات، ثم جمعية السينما التي أنتجت أكثر من فيلم خلال نفس الفترة. هذا الحراك أتاح للأفلام التسجيلية فرصة للعرض شبه العام، فبجانب العروض الأسبوعية لتلك الأفلام كان نادي السينما بالقاهرة ينظم مهرجان للأفلام التسجيلية والقصيرة، وكل هذا سبب ازدهار في السينما التسجيلية في مصر خلال تلك الفترة، ومنح الفرصة لمخرجين مثل سعد نديم وهاشم النحاس وسمير عوف وأحمد راشد.

تعتبِر عطيات أفلامها الثلاثة الأولى «الأقرب إلى قلبها»، وهي: «حصان الطين» (1971) الذي يدور حول حياة عمال صناعة الطوب اللبن قرب النيل، ثم «أغنية توحة الحزينة» (1972) عن فرق السيرك الشعبية التي تتجول في الأحياء والضواحي، وأخيرًا «ساندوتش» (1975) الذي يسجل يومًا في حياة الأطفال في قرية «أبنود» بمحافظة قنا. وهي بالفعل الأفلام التي بشّرت بأنها مخرجة ذات مشروع واضح ينحاز بشكل كامل لحيوات الناس على الهامش، ونستطيع أن نرى فيها تأثرها الشديد بتيار «السينما الثالثة» الصاعد آنذاك -والذي كتبت عنه كتابًا كاملًا فيما بعد- ويقصد بالمصطلح سينما أمريكا اللاتينية الصاعدة حينذاك، وسمتها الأساسية هي البحث عن مساحات على هامش السينمات المهيمنة، الهوليوودي منها وسينما المؤلف وحتى إنتاج الدولة.

عطيات الأبنودي هي نموذج مصري مثالي لـ«السينما الثالثة»، ومن المثير للاهتمام في أفلامها كونها ترينا أن هناك منطقة رمادية بين إنتاج السوق وإنتاج الدولة، المهيمنين على معظم الأفلام المصرية، منطقة تسمح بتجربة لغة بصرية لا يسمح بها مجال الإنتاج التجاري وسرديات منتقدة للدولة التي تساعد على إنتاج هذه الأفلام، ويشارك عطيات في هذه المساحة مخرجون مثل حسام علي وعلي الغزولي إلى حد ما، وهي ظاهرة يجب النظر إليها عند الكلام عن التجريب والاستقلال، وحتى علاقة الفنان بالدولة والإنتاج. في حديثي معها، سألتها عما يعنيه أن «ينتج المعهد العالي فيلمًا؟ هل يوفر الأفلام الخام والمعدات والأجور وما إلى ذلك من تكاليف إنتاجية؟» فأجابت أن المعهد يوفر الأفلام والمعدات فقط، أما باقي التكاليف فكانت تتكفل بها هي بمساعدة آخرين من طاقم العمل، وبالتالي تجربة إنتاج هذه الأفلام تمزج بين إنتاج الدولة وبين ما يمكن أن نطلق عليه «سينما مستقلة»، ليس فقط على المستوى الإنتاجي ولكن أيضًا على مستوى المحتوى والتناول.

أفلام عطيات الأبنودي، خصوصًا الأولى منها، ليست فقط ممتعة ومثيرة للاهتمام والجدل ولكنها أيضًا مهمة، ورغم أن صفة «الأهمية» مثيرة للجدل كوصف للأفلام ولكن استعمالها مبرَّر هنا لأنه يوثق لهامش تجرأت الأفلام على اختراقه وأنتج شيئًا لا نزال نستطيع تقديره بعد مرور أكثر من أربعة عقود على إنتاجه، وهو ما قد يثري مناقشات حالية عن التجريب والاستقلال. فما قد يجعل من الفيلم –أي فيلم- «مهمًا» هو راهنية جدوى التحدث عنه على الرغم من مرور الزمن.

أعتقد أن تطور أفلام عطيات إنتاجيًا وجماليًا يفصِح عن كيفية تطور الأفلام الوثائقية في مصر وكيف انحسر دور الدولة، وأي من المؤسسات تدخلت لملء هذا الفراغ وتأثير ذلك على الموضوعات التي تم تناولها في الأفلام الوثائقية المنتجة في ذلك الوقت. تشير أفلامها التي تلت الأفلام الأولى إلى تطور ذلك النموذج الإنتاجي شبه المستقل تمامًا إلى نموذج يمكن وصفه بـ«التنموي» في صنع واستهلاك الأفلام الوثائقية، ولكن حملت تلك الأفلام اللاحقة أثرًا من روح الشرارة الأولى الزائلة ببطء وثبات.

أغنية توحة الحزينة

«أغنية توحة الحزينة» هو مشروع تخرج عطيات الأبنودي من معهد السينما عام 1975، ويصور الفيلم إحدى فرق السيرك الشعبي التي تتجول في الأحياء، وهو سيرك لم يألفه العديدون منا ممن عاصروا السيرك القومي الذي هيمن على هذا النشاط، بحيث لم يعد السيرك الشعبي الصغير، الذي يقوم على بعض المؤديات والراقصين والأراجوز وخيال الظل، موجودًا في ضواحي القاهرة، كما كان عندما صورت عطيات الأبنودي فيلمها، الذي يدور في جوهره عن مساءلة فعل «الفرجة» من بعيد.

تفتتح عطيات الأبنودي الفيلم بمشهد لأطفال وهم ينظرون للكاميرا، تلك النظرة المباشرة –التي تبدو وكأنها موجهة نحونا كمشاهدين- تكسر الشعور المرافق للكاميرا دائمًا بعدم وجودها، وفي حين يتعامل النقاد أحيانًا مع افتضاح الكاميرا على أنه «كسر للإيهام»، كسر للوهم الذي يجعل ما نشاهده يظهر لفترة وجوده على الشاشة على أنه الحقيقة، ولكن «النظرة المباشرة للكاميرا» تصبح –في سياقات أخرى- تعليقًا أو نقدًا لفعل النظر أو المشاهدة، وأحيانًا هي تأكيد على ذاتية وجهة النظر المعروضة.

وفي حالة «أغنية توحة الحزينة» تجتمع كل أسباب «كسر الإيهام» بالنظر للكاميرا منذ لحظة الفيلم الأولى، فالذاتية في الفيلم معلنة من خلال نظرات الأطفال، كما أن القصيدة المصاحبة للفيلم، وهي من تأليف عبدالرحمن الأبنودي، تنتقد فعل المشاهدة السلبي، حيث يسأل الأبنودي: «ولا أنتم برضه كنتم ناس قاعدة بتتفرج على الناس اللي بتتفرج على ناس؟»، وهو السؤال الذي يعززه نظرة الأطفال للكاميرا التي تصورهم كأنه موجه للمشاهد.

فعل المشاهدة هو المحور الأساسي الذي يقوم عليه الفيلم، خاصة في مشاهد أداءات فرقة السيرك في الشارع، حيث يقف الناس ليشاهدوا الأجساد اللينة في حركاتها الأكروباتية، ويجلس المشاهدون أمام الفيلم ليشاهدوا الناس الذين يتفرجون على الأجساد اللينة، ويأتي صوت «الأبنودي» منتقدًا أو متسائلًا عن فعل «الفرجة» بأكمله. ورغم مركزية فكرة «النظر» في الفيلم، لكن علاقات القوى التي تحملها هذه النظرات تأتي توثيقية فقط، غير متسائلة عما هو أبعد من الصورة الخارجية، بمعنى أننا نرى الاستعراض والتدريبات، ولكننا لا نرى ما وراء هذه النظرة التي نتشاركها مع هؤلاء الحاضرين للعرض بالشارع، هل مشاهدتنا تشبه مشاهدتهم؟ وهل النظرة إلى رجل يقوم بحركات الأكروبات هي نفس النظرة إلى امرأة ترقص بلدي؟ أو رجل أسود يرقص بلدي؟ إنها نظرات مختلفة تحمل علاقات مختلفة للقوى والتحيز والاندماج أو التساؤل داخل عالم السيرك، ولكن كاميرا عطيات الأبنودي ساوت بينهم إلى حد ما، رغم قيام الفيلم على فكرة «الفرجة».

***

*نشرت المقالة للمرة الأولى في مجلة «كراسات السيماتيك» العدد الأول، وهي نتاج ورشة نظمها مركز سيماتيك في الفترة من 2015 لـ2017.

** تُعرض أفلام عطيات حاليًا ضمن برنامج «نظرة على أفلام عطيات الأبنودي»، الذي ينظمه «سيماتيك- مركز الفيلم البديل» في الفترة من 15 إلى 19  ديسمبر 2018. وإلى جانب أفلامها المكتملة، يضم البرنامج مواد فيلمية مصورة خاصة بها لم تُعرض من قبل، وقام المركز برقمنتها.

اعلان
 
 
أحمد رفعت