أتوبيسات النقل التشاركي.. أكثر رفاهية من «الميكروباص» وأرخص من رحلات «السيارة»
 
 

احتاجت علياء، الطالبة بكلية الفنون الجميلة، بعض الوقت حتى تتمكن من إيجاد نقطة التلاقي مع أتوبيس «سويفل» في شارع 26 يوليو بالزمالك. أجرت عدة مكالمات هاتفية مع السائق، الذي اضطر إلى دفع غرامة انتظار في مكان مخالف قبل أن تجده علياء وتبدأ رحلتها إلى منزلها بالمعادي.

«سويفل» هي إحدى الشركات التي تقدم خدمة أتوبيسات النقل التشاركي، التي تستخدم تطبيقات الهواتف الذكية. وبدأت الشركة عملها في مصر قبل 20 شهرًا، وهي شركة محلية تسعى مؤخرًا لدخول أسواق في الخارج، وتدير حاليًا نحو 600 خط للأتوبيسات في القاهرة والإسكندرية، بحسب موقع الشركة على الإنترنت.

عندما بدأت «سويفل» عملها في 2017، كانت بلا منافس، إلا أن شركتي«أوبر» و«كريم»، العاملتين في خدمة النقل التشاركي باستخدام السيارات، أعلنتا مؤخرًا بدء تقديم خدمات الأتوبيسات أيضًا. جاء إعلان «أوبر» في بداية شهر أكتوبر الماضي بتشغيل خط تجريبي من المهندسين إلى مصر الجديدة والعكس، وآخر من الدقي إلى مدينة نصر، وبالعكس أيضًا. ثم أعلنت شركة «كريم»، مطلع شهر ديسمبر الجاري، عن طرح خطوط تجريبية من مدينة 6 أكتوبر حتى ميدان التحرير في الاتجاهين، وآخر من التجمع الخامس للمعادي في الاتجاهين كذلك.

وتستخدم الشركات الثلاثة في تقديم هذه الخدمة ميكروباصات سياحية مكيفة، تستوعب 13 راكبًا بحد أقصى.

تقول شركتا «سويفل» و«كريم»، في إعلانهما عن خدمة الأتوبيس، إنهما تهدفان بالأساس إلى تشجيع عدد أكبر من الركاب على استخدام وسيلة مواصلات غير فردية لتقليل الزحام والتلوث في شوارع القاهرة، وفي الوقت نفسه تقديم خدمة مريحة وأقل تكلفة من خدمة النقل التشاركي بالسيارة الخاصة.

تعتمد الخدمة على وجود خطوط ثابتة للأتوبيسات، بنقاط ومواعيد توقف محددة مسبقًا. يبدأ المستخدم بتحديد وجهته، فيُطلعه التطبيق على نقاط التوقف الأقرب لمكان تواجده وتوقيت مرور الأتوبيس فيحجز الراكب رحلته، وعند وصول الأتوبيس يظهر رقم الحجز للسائق.

تستخدم علياء خدمة «سويفل»، منذ بداية تقديمها في 2017، للذهاب صباحًا إلى كليتها بالزمالك، بدلًا من الميكروباصات العادية التي رفض والدها استخدامها لأنه «شعر أنها غير آمنة بما يكفي»، بينما تلجأ للمترو في ساعات المساء لعدم توفر رحلات مسائية في تطبيق «سويفل» في مواعيد عودتها إلى المعادي.

تكثّف الشركات الثلاثة رحلاتها في الساعات الأولى من بداية يوم العمل والساعات الأخيرة في نهايته، فيتراجع عدد الرحلات في تطبيق «سويفل» بدءًا من الساعة السادسة مساءً بحسب المستخدمين الذين تحدّث معهم «مدى مصر». كما تكثّف شركة «كريم» عدد رحلاتها بين السادسة والعاشرة صباحًا، والثالثة والثامنة مساءً، فيما تعمل أتوبيسات شركة «أوبر» لمدة 12 ساعة تبدأ من السابعة والنصف صباحًا.

تُفضّل علياء استخدام أتوبيسات «سويفل» كلما كانت متوفرة، ولا تراها مكلفة بالمقارنة بالتاكسي أو بخدمات «أوبر» و«كريم» للنقل بالسيارات الخاصة، حيث تبلغ تكلفة الرحلة 25 جنيهًا من المعادي إلى الزمالك والعكس، بينما تتكلف الرحلة نفسها 75 جنيهًا على الأقل إذا ما استخدمت خدمات أي من الشركتَيْن للسيارات الخاصة، أو في حال استقلال تاكسي.

ما يشجع علياء على استخدام خدمة أتوبيسات النقل التشاركي بشكل أساسي أنها لا تحتاج إلى ركوب أكثر من وسيلة مواصلات في المشوار الواحد، وهي تستخدمها ثلاث مرات أسبوعيًا بحد أقصى في الذهاب إلى كليتها، بينما تلجأ إلى مترو الأنفاق في المساء، وتستخدمه أيضًا يوم السبت من كل أسبوع، فعادة ما تتوقف الشركات الثلاث عن تقديم خدمة الأتوبيس خلال إجازة نهاية الأسبوع.

أما علي، الطبيب النفسي الذي يسكن بالمعادي ويعمل في ضاحية التجمع الخامس، فيملك سيارة خاصة إلا أنه قرر منذ ستة أشهر أن يستخدم خدمات النقل التشاركي بالأتوبيس للذهاب إلى عمله يوميًا.

يفسر علي قراره بأن «القيادة تعطل الإنتاجية»، فهو يُفضّل أن يقرأ صباحًا في الطريق إلى عمله، وتساعده خدمة «سويفل» على ذلك، وينفي أن يكون للأمر علاقة بتوفير «ثمن البنزين» قائلًا: «كانت الميكروباصات بقت البديل»، وإن كان يرى أن وجود عروض وتخفيضات متكررة من الشركة يشارك في تحفيزه على استخدام خدماتها.

لكن علي يضطر إلى استخدام الميكروباصات العادية عند مغادرته محل عمله، حيث يصعب أن يجد رحلة أتوبيس على تطبيق النقل التشاركي بعد الساعة الخامسة والنصف مساءً في ضاحية التجمع الخامس بشرق العاصمة.

فيما تستهدف شركة «كريم» شريحة عملاء مشابهة لعلي، فتقول هدير شلبي، مديرة مشروع «كريم باص»، لـ «مدى مصر» إن الخدمة التي تطرحها شركتها تستهدف بالأساس العملاء ممَن يملكون سيارات غير أنهم يفضلون تركها لاستقلال وسيلة مواصلات مريحة وغير مكلفة نسبيًا.

حتى الآن تستخدم شركة «كريم» تعريفة ثابتة قيمتها 25 جنيهًا لكل الرحلات، غير أن طريقة احتساب الأجرة ستتغير في المستقبل لتصبح بحسب طول الرحلة، وفقًا لهدير. فيما غيّرت شركة «سويفل» تعريفة الركوب بالفعل خلال العام الماضي لتصل، على سبيل المثال، إلى 35 جنيهًا من المعادي إلى مدينة 6 أكتوبر، كما زادت الأجرة بين المعادي والزمالك خلال العام الماضي من 15 إلى 25 جنيهًا، بحسب علياء.

اعتمدت شركة «كريم» في تحديد خطوط الأتوبيسات على المعلومات المتوفرة لديها من قاعدة بيانات مستخدمي السيارات المتعاونة مع الشركة، بينما أتاحت شركة «أوبر» على موقعها استمارة للعملاء يمكن من خلالها اقتراح مسارات إضافية عن تلك التي طرحتها الشركة، لأخذها في الاعتبار لاحقًا عند التوسع في خدمة أتوبيسات «أوبر».

وتعتزم شركة «كريم»، التي يقع مقرها الرئيسي في دبي، التوسع في عدد الخطوط والرحلات اليومية بداية من شهر يناير المقبل، من خلال استثمار 100 مليون دولار في خدمة الأتوبيسات، أما «سويفل» فتسعى للحصول على تمويل يصل إلى 100 مليون دولار أيضًا لتطوير خدماتها في مواجهة المنافسة المحلية، بالإضافة لعزمها دخول السوق الفلبينية في يناير المقبل.

ما زالت خدمة أتوبيسات النقل التشاركي غير مستخدمة على نطاق واسع حتى الآن. ويوضح يوسف، أحد السائقين المتعاقدين مع شركة «سويفل»، أن الرحلات الأكثر ازدحامًا تكون في بداية النهار ونهايته، بالتزامن مع حركة الموظفين والطلبة، خاصة من وإلى كل من التجمع الخامس والسادس من أكتوبر، اللتين تضمان عددًا كبيرًا من الجامعات الخاصة ومقار الشركات والبنوك. أما في منتصف النهار، فتكون الرحلات شاغرة معظم الوقت، خاصة في وسط القاهرة.

لدى علياء أربع صديقات تستخدمن خدمة أتوبيس النقل التشاركي في الذهاب إلى كلية الفنون الجميلة. كما يقول علي، الطبيب النفسي، أن ثلاثة من المترددين على عيادته يستخدمون الخدمة ذاتها للوصول إلى التجمع الخامس، بالإضافة لمعرفته بالوجوه المتكررة لمَن يستقلون نفس الرحلة الصباحية لأتوبيس «سويفل»، ومعظمهم يعملون في منطقة البنوك بالتجمع الخامس.

نافست شركتا «أوبر» و«كريم» للنقل التشاركي خدمات التاكسي، خاصة في البداية عندما كانت تعريفة الشركتين مشابهة للتاكسي، إلا أنه لا يبدو أن خدمة الأتوبيسات التشاركية تنافس الميكروباصات العادية بسبب الفارق الكبير في السعر. فقد تكلفت رحلة «مدى مصر» من مدينة 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير، عن طريق تطبيق «سويفل»، 25 جنيهًا، بينما تتكلف الرحلة ذاتها 6 جنيهات بالميكروباص.

من خبرته اليومية في العمل مع «سويفل» طوال سنة كاملة، يرى يوسف أن مستخدمي خدمة الأتوبيس هم من ركاب خدمة سيارات «أوبر» و«كريم» الخاصة وركاب التاكسي الذين لم يعودوا قادرين على أو راغبين في دفع تعريفة ركوب الوسائل السابقة، خاصة مع زيادتها في الفترات الأخيرة بعد ارتفاع أسعار الوقود، لذلك أصبح من الضروري خلق وسائل نقل أخرى، يتشارك فيها عدد أكبر من الركاب في الرحلة نفسها، لخفض التكلفة على كل فرد، مع الحفاظ على درجة معقولة من الرفاهية.

*تمّ تعديل عنوان التقرير بعد النشر.

اعلان