ومن المخطوط.. «العسكري»
في «حماية المخطوطات» كل ما له طابع «عسكري» يحفظ في «الدفاع» 50 عامًا
 
 
 

نشرت الجريدة الرسمية قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي رقم 183 لسنة 2018 بتعديل قانون «حماية المخطوطات» [رقم 8 لسنة 2009]، والذي حمل تاريخ 13 ديسمبر الجاري. يجعل التعديل الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق -التابعة لوزارة الثقافة- هي المسؤولة عن كل ما له علاقة بحفظ المخطوطات، إلى جانب دار «المحفوظات المركزية» بهيئة البحوث العسكرية [التابعة لوزارة الدفاع]، فيما يتعلق بالمخطوطات ذات الطابع العسكري، بحسب القانون المُعدّل.

وضمّ التعديل ممثلًا لوزارة الدفاع إلى عضوية اللجنة الدائمة للحفاظ على المخطوطات، واعتبر بعض الخبراء هذا التعديل «هامشيًا» ولا يتوافق مع أزمة المخطوطات المصرية التي تعاني من السرقة والإهمال. فيما اعتبره آخرون، «متعمدًا» لإخفاء الوثائق العسكرية وعدم إيداعها بدار الوثائق القومية.

تقول النائبة جليلة عثمان، المقررة الاحتياطية للقانون بلجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب لـ «مدى مصر» إن القانون جاء ليحسم نزاع قديم بين وزارتَي الثقافة والآثار، حول تبعية المخطوطات المصادرة من الضبطيات الجمركية بالمنافذ الجوية والبرية والبحرية.

وتوضح عثمان أن قانون حماية الآثار يلزم بتسليم تلك المخطوطات إلى «الآثار»، بينما ترى «الثقافة» أن دار الكتب والوثائق هي الجهة الوحيدة المعنية بكل ما له علاقة بالمخطوطات، ولهذا أعد مجلس الوزراء مشروع القانون، الذي أُقرّ مؤخرًا، ليلزم أجهزة الدولة بتسليم الأحراز والضبطيات الجمركية التي تحتوي على مخطوطات نادرة لدار الوثائق القومية، أو إلى دار المحفوظات المركزية بهيئة البحوث العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، في حال كان لها طابع عسكري. إلا أن هذا التعديل «غير كافٍ لحل أزمة المخطوطات التي تأكلها الفئران في المخازن»، بحسب ما تقوله جليلة عثمان لـ«مدى مصر».

في المقابل يشير أستاذ التاريخ الإسلامي ومحقق المخطوطات أيمن فؤاد سيد، رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، إلى عدم صحة استخدام مصطلح «مخطوط عسكري» مضيفًا: «في مصر لا توجد مؤلفات عسكرية قبل عصر الطباعة إلا ما يخص الفروسية في العصر المملوكي وهذا ليس سرًا  ليحفظ 50 سنة».

ويقول سيد لـ «مدى مصر» إن التعديل يعبّر عن خلط واضح بين مفهوم «المخطوط» و«الوثيقة»، موضحًا «المخطوط عمليًا هو كل كتاب له مؤلف دُوّن قبل عصر الطباعة، ومكانه دار الكتب التابعة لوزارة الثقافة، مثل كتاب «الحيوان» أو «البيان والتبيين» للجاحظ، أو «[ثلاثية] بين القصرين» لنجيب محفوظ إذا كانت متوفرة بخط يد الكاتب، أو مذكرات سعد زغلول وهكذا».

يرجع الظهور الأول للطباعة بمعناها الحديث في مصر إلى عهد الحملة الفرنسية على مصر 1798-1801 حين اصطحبت الحملة الفرنسية معها مطبعة إلى مصر مزودة بالحروف العربية واليونانية والفرنسية. أما أول مطبعة أنشأت في مصر  فكانت مطبعة بولاق التي بدأت العمل سنة 1822.

ويوضح أستاذ التاريخ الإسلامي ومحقق المخطوطات، أن فيما عدا ذلك -أي «ما دُوّن قبل عصر الطباعة»- فهو «وثيقة»، سواء كانت «ورقة، أو بيان، أو محضر، أو اتفاقية، أو عقد، أو مستند، أو خلافه»، ما يجعل التعديل ينطوى على خلط واضح بين المخطوط والوثيقة العسكرية، بحسب أيمن فؤاد سيد.

ويضيف سيد أن الفارق بين المخطوط والوثيقة أن الأول  يحفظ في دار الكتب، بينما تحفظ الوثائق في دار الوثائق القومية.

ويشدد رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، على أن التعديلات الأخيرة على قانون المخطوطات سلبت اختصاص دار الوثائق القومية في حفظ جميع الوثائق العسكرية وغير العسكرية، لافتًا إلى أن تعديلات قانون حماية المخطوطات تضمنت استحدث مصطلح «المخطوط العسكري»، ما يعد أمر غير موجود واقعيًا بحسب سيد.

ويشير أستاذ المخطوطات إلى أن التعديلات اكتفت بتعريف هذا النوع من المخطوطات بأنه يتعلق بأمور ذات طابع عسكري، وإذا طبقنا باقي التعريف فلن نجد بحسب سيد، مخطوطات أو كتب دونت بخط اليد قبل عصر الطباعة ذات طابع عسكري، وبالتالي  يستهدف التعديل في رأيه الوثائق وليس المخطوطات.

ويدلل على ذلك بأن التعديلات خصت هذه النوع من المخطوطات أو الوثائق العسكرية بآلية جديدة في الحفظ، تتمثل بالحفظ في دار المحفوظات المركزية بهيئة البحوث العسكرية لمدة 50 عامًا قبل أن يتم تعامل مثل المخطوطات العادية ويجري إيداعها بدار  الكتب والوثائق القومية، ما يعتبره سلبًا لاختصاصات دار الوثائق، ومخالفة لما يحدث في العالم كله، وتحديدًا في إنجلترا وأمريكا وفرنسا، من حيث حفظ الوثائق في الأرشيف الوطني، الذي يعادل دار الوثائق في مصر، مع تحديد مدد زمنية معينة لإتاحة الوثائق العسكرية للمواطنين، تبدأ من 30 إلى 50 سنة.

وبحسب الجريدة الرسمية الصادرة قبل ثلاثة أيام، يتضمن القانون «رقم 183 لسنة 2018» ثلاث مواد تعدّل نصوص «حماية المخطوطات»؛ المادة الأولى الخاصة بتعريف «المخطوط»، فأضيف لها عبارة «أو كان يتعلق بالأمور ذات الطابع العسكري»، ليصبح تعريفه هو «كل ما دُوّن بخط اليد قبل عصر الطباعة أيا كانت هيئته، متى كان يشكّل إبداعًا فكريًا أو فنيًا أيًا كان نوعه، أو كل ما يتعلق بالأمور ذات الطابع العسكري». أما المادة الثالثة فعُدلت لتتضمن انضمام ممثل لوزارة الدفاع للجنة الدائمة للحفاظ على المخطوطات، إلى جانب الممثلين عن الأزهر ووزارتي الأوقاف والعدل والمكتبات المعنية.

كما شمل التعديل أيضًا استحداث مادة برقم «5 مكرر أ» تلزم جميع أجهزة الدولة التي تضبط مخطوطات لأي سبب من الأسباب أو تعثر عليها، بإخطار دار الوثائق بذلك خلال 30 يومًا من تاريخ الضبط أو العثور على المخطوط، لتقوم الدار فور إخطارها باتخاذ «كافة الإجراءات لحماية المخطوط والحفاظ عليها».

وفيما يخصّ المخطوطات التي تتعلق بالأمور ذات الطابع العسكري، تضمنت المادة المستحدثة، النصّ على أن «تحفظ بدار المحفوظات المركزية بهيئة البحوث العسكرية خلال 30 يومًا من تاريخ الإخطار، وذلك لمدة لا تجاوز 50 عامًا، على أن يتمّ إيداعها بالهيئة بعد مضي هذه المدة».

ويوضح أيمن فؤاد سيد لـ «مدى مصر» أن المخطوطات المصرية لديها تتمثل في عدم تخصيص الحكومة المصرية ميزانية لشراء المخطوطات من مالكيها.

ويشير أستاذ التاريخ الإسلامي ومحقق المخطوطات إلى أن أزمة المخطوطات

تكمّن في عدم قدرة الحكومة على منع بيع المخطوطات في المزادات، مضيفًا أن «كثير من المخطوطات هي في الأساس ممتلكات ومقتنيات شخصية، والحكومة ليس لديها ميزانية لشراء تلك المخطوطات من الأشخاص الذين يملكونها، ومن ثم تلجأ إلى المصادرة والاستيلاء، وهذا يجعل مالكي المخطوطات لا يفصحون عنها ويخفونها».

فيما ترى النائبة جليلة عثمان أن القانون بعد تعدّيله لن يحمي المخطوطات. مشيرة إلى أن كل دول العالم لديها معارض ومتاحف لعرض المخطوطات والوثائق النادرة، ليطلع عليها المواطنون، وتقول: «لكن في مصر المخطوطات تُحفظ في المخازن، حتى تتلف أو تسرق».

في نوفمبر الماضي، تقدّمت جليلة عثمان بطلب إحاطة داخل لجنة «الثقافة والإعلام» بالبرلمان حول تهريب «مخطوط قنصوة الغوري» الذي عُرض للبيع في صالة مزادات بلندن، أكتوبر الماضي، ثم تمّ استرداده ووقف بيعه.

والمخطوط يخص آخر حكام المماليك قبل الغزو العثمانى لمصر، وكان مُثبتًا في سجلات دار الكتب والوثائق بتاريخ 1884. وهُرب من مصر وجرى تداوله في المزادات منذ عام 1998، وهو مخطوط قرآني يضم آيات من سورتَيْ «آل عمران»،  و«النساء». وبعد الإعلان عن عرضه للبيع تحركت وزارة الثقافة ممثلة في دار الوثائق في أواخر أكتوبر الماضي لمنع البيع.

وتقول النائبة جليلة عثمان لـ «مدى مصر» إنها طالبت، وقت الإعلان عن عرض المخطوط للبيع، باستدعاء رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق وسؤاله عن كيفية تهريب هذا المخطوط منذ عام 1998، فضلًا عن توضيح عدد المخطوطات الموجودة بالدار، وآليات الحفاظ عليها من التلف والحريق، والتأكد من فاعلية طُرق جرد الهيئة السنوية في الكشف عن وقائع السرقة.

لكن طلب النائبة لم يُستجب له، حسبما تؤكد لـ «مدى مصر». وفي 25 نوفمبر الماضي، أقرّ مجلس النواب التعديل دون اعتراضات، ثم صدر القانون بعد إقراره في الجريدة الرسمية بتاريخ 13 ديسمبر الجاري.

اعلان