بعد تصعيد إيطاليا.. أين تقف مصر من «مقتل ريجيني»؟
 
 

لا تزال الخطوات المقبلة لحكومتي مصر وإيطاليا في ما يخص قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ضبابية، وذلك بعد تصعيد روما، أوائل الشهر الجاري، الذي تمثل في قيام رئيس مجلس النواب الإيطالي بتجميد العلاقات الدبلوماسية مع نظيره المصري، واستدعاء وزير الخارجية للسفير المصري في روما، فضلًا عن إعلان محامية أسرة الباحث الإيطالي عن قائمة متهمين تضمّ 20 اسمًا من ضمنهم خمسة ضباط مصريين مشتبه في تورطهم في اختطاف وتعذيب «ريجيني» قبل نحو ثلاثة أعوام في القاهرة. في حين يحقق مدعي عام روما في ضلوع خمسة ضباط مصريين بالقضية.

في حين تتوقع مصادر تحدثت لـ «مدى مصر» أن القاهرة سترد على التصعيد الإيطالي، فيما يرى أحد هذه المصادر أن مصر ستسعى لترضية روما، إلا أن مصدرين يشيران إلى إمكانية عدم الاستجابة للمطالب الخاصة بحسم القضية، وذلك حتى لا يتمّ الإقرار بتورط أجهزة أمنية مصرية في «مقتل جوليو»، وهو الأمر الذي واظب مسؤولون مصريون على إنكاره  منذ العثور على جثمان جوليو في فبراير 2016. بينما تعتبر آراء أخرى أن إيطاليا لن تستمر في تصعيدها وذلك مرده الاهتمام بالملفات المشتركة مع مصر مثل «الحرب على الإرهاب»، أو مكافحة الهجرة غير المنتظمة، أو المصالح الاقتصادية المتبادلة.

يقول مصدر حكومي مصري -مطلع على العلاقات بين البلدين فيما يخص ملف ريجيني- إن روما أبلغت القاهرة، الأسبوع الماضي، أن إصرار السلطات المصرية على تجاهل المطالب بإحراز تقدم في مسار القضية سيكون من شأنه «دفع الحكومة الإيطالية» للتصعيد. مضيفًا لـ «مدى مصر»: «نتحدث عن أسابيع، وليس عن شهور لبداية تصعيد إيطالي ما لم تتحرك الحكومة المصرية لترضية روما. وسيكون على القاهرة حسم أمرها خلال الأيام التالية لعطلة أعياد الميلاد ورأس السنة قبل حلول الذكرى الثالثة لاختفاء ريجيني في القاهرة». التحرك المصري بغرض ترضية الجانب الإيطالي يمكن أن يتمّ من خلال التحقيق على الأقل مع بعض الأسماء الوارد ذكرها في الاتهامات الإيطالية، بحسب المصدر المطلع على ملف القضية.

وسبق أن كشف «مدى مصر»، مطلع الشهر الجاري، عن مطالب إيطالية ببدء محاكمة المتهمين المصريين المشتبه في تورطهم في اختطاف وقتل الباحث الإيطالي قبل منتصف العام المقبل.

كما يقول مصدر بالخارجية المصرية إن هناك توقعات بأن يعود هشام بدر -سفير مصر لدي روما- قريبًا للقاهرة، موضحًا أن هناك تكهنات حول ما إذا كانت العودة ستكون مطلع العام المقبل، أو يستمر في منصبه في حال نجحت الجهود الدبلوماسية التي يبذلها- بدر- لمنح العلاقات بين البلدين فترة سماح حتى تحرز السلطات المصرية تقدمًا، بحسب المصدر نفسه.

فيما يضيف المصدر الحكومي المصري، المطلع على التواصل بين الجانبين، أن مساعي القاهرة لدى بابا الفاتيكان لطلب وساطة جديدة لم تلقِ استجابة. وكان البابا فرانسيس قد سبق أن تدخل لدي أسرة ريجيني والسلطات الإيطالية لدعم الأصوات الداعية لعودة العلاقات الدبلوماسية، العام الماضي، في أعقاب زيارة الحبر الأعظم للقاهرة في أبريل 2017. وتعهدت مصر للبابا أنها ستتخذ خطوات جادة نحو كشف المتورطين ومحاسبتهم.

ويقول مصدر دبلوماسي أوروبي، كان قد عاصر بدايات القضية، لـ «مدى مصر» إن إدانة إيطاليا لمسؤولين مصريين بالتورط في اختطاف وتعذيب جوليو حدثت العام الماضي، وعددهم عشرة، وذلك بعد استبعاد عدد من السياسيين والتابعين لجهات سياسية أيضًا. وبحسب المصدر، فإنه الوقت تأخّر الآن لتوقع أن يسهم التصعيد الإيطالي في تحريك القضية، ودفع الجانب المصري لاتخاذ خطوات كذلك.

ولا يتوقع المصدر الأوروبي أن المصريين سيسلمون أي شخص مسؤول، لأن ذلك سيحمل «اعترافًا منهم بممارسات التعذيب والاختفاء القسري، [وهو الأمر الذي] يتمسكون بإنكاره»، بحسب المصدر الذي يضيف أن إيطاليا أبدت استعدادها، منذ العام الماضي، للتنازل عن بعض الأسماء المثبت تورطها في مقتل ريجيني، ومع ذلك لم يكن هناك استجابة من المصريين.

في الوقت نفسه، يستبعد مصدر حكومي مصري آخر أن تتحرك القاهرة نحو توجيه اتهامات بحق أي من الضباط الذين وُردت أسماؤهم في القائمة الإيطالية، وهو ما يتعارض مع تأكيدات سابقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمعاقبة المتورطين، مؤكدًا لرئيس الحكومة الإيطالية، في سبتمبر الماضي، التزام القاهرة ببذل كافة الجهود من قِبل الأجهزة المعنية للتوصل إلى الحقيقة في قضية مقتل ريجيني.

ويضيف المصدر أن المشكلة تكمن في أن«الجهة التي أوقفت ريجيني التي بدأت التحقيقات معه ليست هي  الجهة نفسها التي استكملت التحقيقات ومات ريجيني وهو محتجز لديها»، بحسب المصدر الذي أوضح أن المتورطين في مقتل الباحث الإيطالي يأتون من أكثر من جهة ولا يمكن أن يُحال أحدهم للتحقيق، ما سيؤدي إلى إعلان أنه كان ينفذ تعليمات مصدرها أفراد ينتمون لجهات أمنية أخرى، ويوضح المصدر أن هناك أسماء «مطلوب حمايتها سياسيًا».

ويشير مصدر سياسي مصري إلى أن السلطات الايطالية لديها معلومات مؤكدة من الأجهزة الأمنية الأمريكية حول ما جرى لريجيني؛ «ومَن تورط في خطفه ومَن تابع تفاصيل التحقيقات»، بحسب المصدر.

فيما يصف المصدر الدبلوماسي الأوروبي التصعيد الأخير بأنه ربما يكون «بالونة اختبار» لرد الفعل المصري، بينما لا يتوقع تقدمًا كبيرًا في القضية. موضحًا أن الحكومة الإيطالية الحالية مختلفة عن تلك التي عاصرت مقتل ريجيني. ويشير المصدر إلى أن أولويات علاقات الحكومة الإيطالية مع نظيرتها المصرية تكمن في محاربة الإرهاب، والهجرة غير المنظمة، والحفاظ على مصالح شركة «إيني» التي تدير المشروع الضخم لاستخراج الغاز الطبيعي من حقل «ظهر» على السواحل المصرية.

ويضيف المصدر الأوروبي أن الشأن الداخلي الإيطالي متوتر بسبب تحديات ميزانية الدولة، وانتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة في 2019، مما قد يعطل إمكانية حدوث تقدم حقيقي في ملف ريجيني. موضحًا أن رئيس البرلمان الإيطالي روبيرتو فيكو، المنتمي لتيار «النجوم الخمسة» ذي التوجه اليساري، يختلف في مواقفه عن موقف الحكومة برئاسة جوسيبي كونتي.

وسبق أن أعلن فيكو عن قطع العلاقات البرلمانية الدبلوماسية مع مصر في أوائل الشهر الحالي احتجاجًا على وضع ملف قضية ريجيني. وبحسب المصدر، فإن رئيس الحكومة الإيطالية بدا متفاجئًا من إعلان البرلمان قطع العلاقات مع نظيره المصري، وذلك أثناء حضور كونتي اجتماعات مجموعة الـ 20 في الأرجنتين، والتي انطلقت في 30 نوفمبر الماضي.

وتقول صحفية إيطالية مختصة في قضية «مقتل جوليو» لـ «مدى مصر» إن فيكو من أهم المسؤولين الذين قاموا بزيارة أسرة ريجيني، وكان مؤخرًا هو الصوت الإيطالي الأعلى الذي يتتبع تطورات قضية مقتل نجلهم.  

ويقول ريكاردو نوري، المتحدث باسم الفرع الإيطالي لمنظمة «العفو الدولية» التي تبنت قضية ريجيني، إن النائب العام الإيطالي  قام بتسليم قائمة بأسماء المتهمين لمصر، في ديسمبر الماضي، ومرّت سنة ولم يحدث شيء، ثم قامت إيطاليا، مطلع الشهر الجاري، بالتصعيد. ويضيف: «نرحب بهذا التحرك حيث أنه أجبر الحكومة على التحرك أيضًا خاصة أن موقف روما الصديق من مصر لم يعد على القضية بأي منفعة. لقد أضعنا عامًا كاملًا منذ عودة السفير الإيطالي». 

وقررت الحكومة الإيطالية سحب سفيرها في القاهرة للتشاور في أبريل 2016 احتجاجًا على ضعف تعاون الجانب المصري في تحقيقات قضية مقتل ريجيني. ثم قررت إيطاليا أن يعود سفيرها ليؤدي مهام منصبه من القاهرة في سبتمبر 2017.

وتشير الصحفية الإيطالية إلى أن الرأي العام واستمرار الضغط الإعلامي حول القضية يسببان شيئًا من الحرج للحكومة.

بالنسبة لريكاردو نوري، فإن الأمل في تقدّم الكشف عن الحقيقة في مقتل ريجيني يكمن في الضغط السياسي، ويضيف: «لم يعد هناك ما يمكن أن يقدّمه التعاون القضائي بين البلدين، ولم يكن هناك تعاون قضائي، أو بين المحققين في الأصل. هناك فريق واحد لمحققين وهو الفريق الإيطالي. الكرة الآن في ملعب الحكومة الإيطالية التي لديها خيارين: أن تدير تصعيد وتواجه توتر في العلاقات مع مصر، أو أن تترك النائب العام بمفرده، وفي هذه الحالة، للأسف سيتمّ إغلاق التحقيق».

وعُثر على جثمان الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، 28 عامًا، خارج القاهرة في 3 فبراير 2016 بعد أسبوع من اختفائه في يوم ذكرى ثورة 25 يناير. وذكر تقرير الطب الشرعي المبدئي بعد فحص الجثة في روما أن ريجيني قد تعرّض للتعذيب على مدى عدة أيام، وأنه فارق الحياة بعد تعرضه لكسر فقرات عنقه.

اعلان