مصر لن تلبس السترات الصفراء

لم تتخيل بيرسيليا لودوسكي، أن عريضة التوقيعات التي حررتها على الشبكة العنكبوتية، مطالبة فيها بتخفيض أسعار المحروقات، ستكون شرارة لحركة تجتاح فرنسا، ومن خلفها بعض الدول الأوروبية.

برسيليا لودوسكي  هي مواطنة فرنسية، تبلغ من العمر 33 عاما، تعمل في أحد البنوك، وتستقل المواصلات العامة. شرعت لودوسكي في تأسيس مشروعها الصغير، وهو «بوتيك» لمنتجات التجميل عبر الإنترنت. لم تتمكن من تحقيق أهدافها من المشروع، حيث أن أسعار المواصلات العامة قد ارتفعت بسبب زيادة أسعار المحروقات، وكي تصل إلى عملها في الموعد، اضطرت لتأجير شقة بجوار مقر «البوتيك»، وكانت التكلفة باهظة بالنسبة لها.

في يوم 28 مايو الماضي، قررت لودوسكي أن تطلق عريضة عبر الإنترنت تطالب فيها بخفض أسعار المحروقات، فوجئت لودوسكي بأن عدد الموقعين قد بلغ ما يقرب من ربع مليون في الأسبوع الأول، وانتشرت العريضة حتى قاربت المليون توقيع.

حين لم تستجب الحكومة لهذه العريضة، وتحديدًا في العاشر من أكتوبر الماضي، أطلق إريك دوريه، سائق شاحنة، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، دعوة إلى النزول إلى الشارع، احتجاجًا على ارتفاع الضريبة على أسعار المحروقات، وحدد بنفسه اليوم، وهو 17 نوفمبر.

كتب ما كتب، ولم يتوقع أن ينزل إلى الشارع كل هذا العدد، أو ربما توقع، لا أحد يعلم.

لاحقًا، أصبح كل من لودوسكي ودوريه متحدثان رسميان باسم حركة «السترات الصفراء»، وقد تمّ انتخابهما لهذه المهمة من خلال تصويت على الإنترنت أيضًا.

إذن، حركة «السترات الصفراء» هي حركة شعبية، تختلف تمامًا عن كل التحركات السابقة في فرنسا، والتي كانت تنظمها النقابات،المعروفة بنشاطها وفاعليتها في فرنسا.

تذرعت حكومة إدوار فيليب بإن قرار رفع الضريبة على المحروقات يعود إلى رغبة إنسانية نبيلة، وهي تقليص استخدام الوقود الملوث للبيئة، واللجوء إلى وسائل أكثر أمنًا بيئيًا. الأمر الذي دفع بالحكومة في البداية إلى عقد مقابلة بين لودوسكي ودوريه من جانب، ووزير البيئة الفرنسي من جانب آخر. لكن لودوسكي عبّرت عن استيائها من هذه المقابلة، قائلة إنها المقابلة الخطأ مع الشخص الخطأ.

تم اختيار السترات الصفراء، كرمز له علاقة بالمجتمع الفرنسي، حيث أن السترات الصفراء يرتديها سائقو الحافلات، حتى إذا ما وقع حادث، يتمكن السائق من لفت نظر المسعفين له ببزته الصفراء الفسفورية. وهو رمز اختاره المتظاهرون ليقولوا إنهم في خطر وفي حاجة للفت الانتباه.

تنطلق تظاهرات «السترات الصفراء» يوم السبت من كل أسبوع، بدأت، كما ذكرنا، في 17 نوفمبر، وما زالت مستمرة حتى الآن، على الرغم من خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون الأخير الذي أعلن فيه عن إجراءات اقتصادية سيتخذها استجابة لتلك التظاهرات.

ولإن التحرك هو تحرك شعبي غير مؤدلج يتمّ تنظيمه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه يمثل كل أطياف الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة، بما في ذلك مَن يحملون أفكارًا يمينية متطرفة ضد المهاجرين والمثليين والنساء والملونين -على الرغم من أن لودوسكي امرأة فرنسية سمراء- وانتهاء باليسار المتطرف والأناركيين، وغالبية ممَن لا يفقهون شيئًا عن التيارات السياسية.

يعلم الجميع أن التحركات اشتملت على إحداث فوضى، وحرائق، وموت إحدى النساء المسنات، واعتداءات على المهاجرين والمثليين، وتكسير لـ «المنشآت» التي يحبها المصريون كثيرًا، مما أثار ريبة بعض المصريين والعرب، ربما لاختلاف الثقافات، أو لتجربة سابقة للمصريين تخللها هتاف «اللي يحب مصر ما يخربش مصر»، وكنس للشوارع، ودهن للأرصفة، واطلاع على تحقيقات الشخصية للمتظاهرين، وخلافه.

أما عن رد فعل الطبقة الحاكمة، في البداية، حذا ماكرون حذو المتشككين المصريين، وتحدث عن نظريات مؤامرة، وتحريض من اليمين، واتهم المتظاهرين بإنهم غير أهل للثقة، وأنهم تحرك مصنوع لهدم استقرار فرنسا.. إلخ إلخ إلخ. وأنا الحقيقة مش عارفة إيه اللي طسه في عقله وخلاه يعمل كده؟ قعدته الكتيرة مع ابن سلمان مثلًا؟

على أية حال، هذا الخطاب المستغرب على الجمهور الفرنسي لم يثر حفيظة المتظاهرين فقط، وإنما أثار غضب واندهاش بعض القطاعات التي لم تشارك في التظاهرات، وربما لم تتضرر من الضرائب وارتفاع الأسعار. مما دفع بعض نجوم المجتمع، خاصة الفنانين والممثلين، منهم بريدجيت باردو، باتريك سباستيان، باميلا أندرسون وغيرهم، إلى إعلان تأييدهم لتحرك «السترات الصفراء». كما اعتبر مراقبون أن ماكرون يتعالى على الجماهير، خاصة بعد أن صرح رئيس وزراء فرنسا، إدوار فيليب، قائلا: «على كل مَن يدعو للتظاهر أن يعلم بإنه يضع نفسه في مرمى الخطر»، فتضاعفت أعداد المتظاهرين في السبت الذي تلا هذا التصريح.

هذا المسلك من جانب الدولة، رفع سقف مطالب المتظاهرين إلى المطالبة بانتخابات مبكرة والإطاحة بماكرون، لأنه عامل الجماهير باحتقار، خاصة بعد استخدام الشرطة للقوة مع المتظاهرين.

عقب تدهور الأوضاع، وفشل الشرطة، على الرغم من إحداثها خسائر في صفوف المتظاهرين والقبض على مئات منهم، خرج إيمانويل ماكرون على الناس معتذرًا عن «جرح مشاعر الفرنسيين»، ووعدهم بزيادة مرتبات في أول العام، وإعفاء المعاشات من الضرائب، وتحسين أوضاع أولئك الذين لا تتجاوز دخولهم الـ 2000 يورو.

يبدو أن الخطاب، والذي قابله المصريون بترحاب -وأنا الحقيقة مش فاهمة إحنا محشورين للناس ليه؟- لم يعجب الفرنسيين، وأكدت حركة «السترات الصفراء» أنها ستكمل تظاهراتها حتى استكمال مطالبها.

ما هي مطالب حركة السترات الصفراء؟

  • القضاء على ظاهرة المشردين (عاجل).
  • التمايز في ضريبة الدخل (الضريبة التصاعدية).
  • وضع حد أدنى للأجور ليكون صافي 1300 يورو.
  • دعم المحال والمتاجر الصغيرة في القرى والمراكز والمدن، والتوقف عن إنشاء مراكز تسوق كبيرة تعطل المشاريع الصغيرة، وتوفير مواقف سيارات مجانية.
  • عزل الشقق على نطاق واسع لحماية البيئة.
  • عودة الضريبة على الثروة.
  • نظام تأمين اجتماعي موحد يشمل الحرفيين وأصحاب المهن الحرة.
  • وقف زيادة الضريبة على الوقود.
  • حد أدنى للمعاشات 1200 يورو.
  • إعادة هيكلة الأجور.
  • المساواة بين العمال: كل مَن يعمل على الأراضي الفرنسية هو عامل فرنسي، ويجب ألا يتم التفريق بين العمال فرنسيي الأصل والعمال الأجانب طالما يعملون على أراض فرنسية.
  • الحد من العقود المؤقتة في الشركات الكبرى.
  • إنهاء سياسة التقشف.
  • القضاء على أسباب الهجرة القسرية.
  • التعامل الصحيح مع طالبي اللجوء وتوفير المأوى والعلاج اللازم لهم.
  • تنفيذ سياسة دمج فعلية لطالبي اللجوء داخل المجتمع الفرنسي.
  • لا يزيد الحد الأقصى للأجور عن 15000 يورو.
  • زيادة امتيازات الأشخاص متحدي الإعاقة.
  • تخفيض أسعار الغاز والكهرباء.
  • فرض ضرائب على الديزل البحري والكيروسين.
  • تمديد مخصصات رعاية الأطفال بعد ست سنوات حتى الطفل العاشر (!!!)

ومطالب أخرى كثيرة لا يتسع المقال لها، لكننا يمكن أن نجمل تفصيل المطالب في: خذ من الأثرياء أكثر، خذ من الفقراء أقل، ووفر للجميع عيشًا كريمًا لا يثير الأحقاد التي دفعتنا نحن الجمهور إلى حرق أحجار أبديت حزنًا عليها أكثر من حزنك على أحوالنا المعيشية.

طيب.. هل كل ما سبق يستدعي من الدولة المصرية أن تحظر بيع السترات الصفراء، كما أشارت تقارير إعلامية، ويستحق من السادة الإعلاميين وصحفيي الدولة عناء سباب المواطنين المصريين وتحذيرهم وتوبيخهم وإهالة اللعنات على المرحومة ثورة يناير؟

أولًا: مَن يرتدي السترات الصفراء في مصر هم في الأغلب عساكر المرور، وسياس مواقف السيارات، وبعض المهندسين في المواقع، وبعض العمال المشتغلين معهم. إذن فرمزية السترة الصفراء في مصر لا تتصل البتة برمزيتها في فرنسا.

ثانيًا: مَن يريد النزول للشوارع والتظاهر لا يحتاج إلى سترات صفراء.. يعني إحنا كنا مولعين الدنيا مظاهرات ولما منعتوا السترات الصفراء رجعنا البيت؟

ثالثًا: المطالب المذكورة أعلاه هي ضرب من ضروب الخيال بالنسبة للمواطن المصري، وقد يظن، حين يقرؤها، أن كاتبها مختل عقليًا. بالطبع الكاتب ليس مختل، هو يريد أن يحيا حياة كريمة، لكن مفهوم الحياة الكريمة في مصر يختلف تمامًا عن مفهومها في فرنسا، المطلب الرئيسي للمواطن المصري: سيبوني في حالي.

رابعًا: المواطن المصري مرّ في خلال ثمان سنوات بأهوال متعاقبة ومتتالية امتصت طاقته ولم يعد لديه الجهد للمشي خمسة أمتار من منزله وحتى محطة المترو، وهذه التجربة المضنية المنهكة المهلكة، تمت بتخطيط، و«بدراسة جدوى»، وقد تكون هذه هي دراسة الجدوى الوحيدة التي نُفِذت وآتت أكلها، فلم يعد يطيق تكلف عناء الاعتراض، الانتحار أسهل.

خامسًا: مش حننزل.. أنت تنزل.

سادسًا: لا داعي لسباب للمواطنين الذين شاركوا في ثورة يناير عبر الوسائط الإعلامية المسموعة والمرئية والمقروءة، أقسم بالله ما لنا دخل باللي بيحصل. انظر إلى الجمهور الفرنسي المشارك في التظاهرات، ليس هناك أي قواسم مشتركة بينه وبين ما تمّ في يناير.

اهدي يا منار.

سابعًا: ماكرون لا يستمع إلى نصائح «اوعى ترجع في كلامك أحسن يستلطخوك»، وإذا استمع فأنتم تلقون به إلى التهلكة.. مصر ليست فرنسا.

اعلان