حوار| عن «تطبيقات حيّة»: استعارات اللغة والصوت بين الحقيقي والمتخيّل
محمد عبد الكريم يتحدث حول «7 عروض أدائية».
 
 
 
غلاف دعائي للفاعلية الفنية التي شارك بها 7 من المشاركات والمشاركين
 

مرت ثلاثة أشهر على «تطبيقات حيّة» جمعتني خلالها عدة لقاءات مع محمد عبد الكريم، المنظم الرئيسي لها. نسترجع من خلال الحوار التالي بعض الأفكار التي تناقشنا فيها على مدار اللقاءات المختلفة ونناقش موضوعات أوسع حول الممارسات الأدائية النصية وعلاقة الكلمة المنطوقة بجسد المؤدي أو المؤدية، وعلاقة الأفعال الكلامية بتاريخ فن الأداء وطبيعة المساحة التي يُقام داخلها فعل الأداء من ضمن موضوعات أخرى.

بدأنا كتابة هذا الحوار في أكتوبر 2018 وانتهينا منه في نوفمبر 2018 فأخذنا الوقت ليس فقط لإسترجاع أحاديث قد مرّت عليها شهور، ولكن أيضًا للتمعن فيما يمكن أن نبني عليه من هذه التجربة كفاعلات وفاعلين في الساحة الفنية القاهرية.   

نور: نظمتَ في أغسطس 2018 ليالي ثلاث تحت اسم «تطبيقات حيّة» عَرض خلالها 7 مشاركات ومشاركين أعمالًا أدائية أمام الجمهور، فكيف أتت فكرة «تطبيقات حيّة»، وما علاقتها بجلسات «إعادة تشغيل»، التي نظمتها بالتعاون مع مادلين أمسلر وفيدريكا مارتيني في يناير 2018؟

محمد عبد الكريم: على المستوى الفردي أعمل منذ 2013 على مشاريع أدائية مختلفة، وأهتم خاصة بالممارسات الأدائية النصية. بالنسبة لـ «إعادة تشغيل»، جاءتني الفكرة منذ كنتُ أدرس الماجستير في 2014، وكانت ثمة اهتمامات مشتركة بيني وبين فيدريكا مارتيني التي كانت مديرة البرنامج حينها، متعلّقة  بإمكانيات «أشكال النص»، وعلاقتها بالبحث الفني والنصوص المؤداة بالخصوص. ثم التقيت بمادلين أمسلر في 2016 وبما أنها قيّمة [Curator] تنظِّم عدة مشاريع وفعاليات متعلقة بـ «البرفورمانس»، خاصة النصية منها، فكانت أيضًا مرجعًا مهمًا، لأن نتناقش في «البرفورمانس النصية المعاصرة» وعلاقتها بتاريخ الفن والأدب.

في سبتمبر 2017 سافرتُ إلى إقامة بحثية بسويسرا، كي ألتقي بعدة فنانين، كُتّاب، وقيِّمين، ودور نشر، بهدف التفكير في علاقات «نشر النص المقروء والنصوص المنطوقة»، ومن هنا قررتُ دعوة فيدريكا ومادلين لتنظيم جلسات أو «سيمينار» يتقدّم إليه مشاركون من تخصصات وخلفيات مختلفة، يجمعهم الاهتمام بـ «النص»؛ لفتح نقاشات حول اللغة، الأصوات، النشر، وإمكانيات النص نفسه.

أما «تطبيقات حيّة» فجاء بعد هذه الجلسات بحوالي 7 أشهر، بتفكير مختلف إلى حد ما عن «إعادة تشغيل»، فـ«تطبيقات حيّة» هي عروض وإنتاج وليست نقاشات وجلسات، وهي مظلة أعمل من خلالها في مشاريع منفصلة عن مشاريعي الفردية. «تطبيقات» هي مشاريع أقرب إلى الإنتاج الثقافي، مساحة للكتابة، وإصدار مطبوعات، ولقاءات ونقاشات. وتحت هذه المظلة، قررتُ تنظيم أيام للأداء، وأن أشرِك عددًا من المشاركين في جلسات «إعادة تشغيل». الدافع الأساسي بجانب اهتمامي بالممارسات الأدائية، هو أنني فكرتُ -ربما- أن أحاول من خلال «تطبيقات حيّة» المساهمة في خلق مجتمع فني يهتم بالأداء، برد فعل للتفكير فيه كطريقة تفكير ووسيط.

نور: أول ما لفت انتباهي في «تطبيقات» هو تنوع أشكال النصوص المؤداة، وكيف حاول المؤدون والمؤديات استحضار تاريخ هذه الأشكال الخطابية داخل مساحة الأداء مع الجمهور. فمثلًا تفاعلتْ سهير شرارة مع شكل «الجواب» الشخصي، وحاولت خلق مساحة استماع، خلال عرضها، قد تعكس شيئًا من حميمية الجواب من هذا النوع. بينما نوعّت صبا محمود في أشكال الخطابات داخل عرضها ولكن كلهم يسعون إلى خطاب transcendental فائق في ادعائه البوح بكل ما أتي وما قد يأتي في تاريخ البشرية، واختارت مكتبة مليئة بالكتب مساحة للعرض. كيف عملتم على التفكير في تواريخ هذه الأشكال من النصوص في اللغة العربية، وكيف فكرتم في تأثير الأنواع الخطابية داخل مساحة التلقي «الحيّ» مع الجمهور؟

عبد الكريم: بمجرد فعل علاقة حيّة نصية مع جمهور؛ يبدأ المؤدي في استعارة أشكال خطاب موجودة بالفعل في الذاكرة الجمعية، كجماليات ولغة يمكنها خلق علاقة مع الجمهور. في جلسات «إعادة تشغيل» استمعنا وقرأنا وشاهدنا أنواعًا مختلفة من الخطابات النصية كالأغاني، خطابات سياسيين للجماهير، إلقاء الشعر، وأنواعًا أخرى من نصوص مقروءة ومنطوقة. أما بخصوص اللغة، فوجود متحدثي عدة لغات في الجلسات كاللغة العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية والإيطالية خلق نوعًا من تبادل الخبرات والمعرفة بإمكانيات كل لغة وأصواتها وتاريخها، بجانب «سيمينار» للكاتب أحمد ناجي تناولنا فيه تاريخ استخدام اللغة العربية في الفن التشكيلي، وفي الممارسات الفنية المعاصرة، وإشكاليات العامية والفصحى للغة المكتوبة والمنطوقة. كل تلك النقاشات كانت في أسبوع «السيمينار». بعدها  بدأ كل فنان العمل على تطوير مشروعه، حتى التقينا مرة ثانية في يوليو 2018. حينها كانت المشاريع قد تطورت بشكل فردي تمامًا. وخلال التجهيز للعروض؛ كانت مساهمتي الوحيدة هي اختيار مساحة العرض المناسبة لكل منهم، بعد نقاشات دارت بيني وبين كل فنان وفنانة على حدة.

[يتابع الفنان:] يختلف تعامل كل مؤدي مع المساحة وعناصر الأداء باختلاف النص وعلاقته بالجمهور، على سبيل المثال نص سهير هو نص شديد الذاتية، ولكن في حيز من الخيال: «رسالة إلى نفسها في المستقبل»، وفي عرضها استخدمت فيديو متاح على الإنترنت يحمل جماليات وعناصر تلعب دورًا موازيًا، وأحيانًا توضيحيًا، لكنه في زمن ومكان مختلف.

وقرارها بوجود الفيديو كان لخلخلة حضورها كعنصر وحيد في مساحة الأداء.  ففكرتْ في عنصر إضافي، بصري بالمقام الأول، ليصبح بمثابة نقطة ثانية، يتوجه إليها انتباه ونظر الجمهور في الوقت الذي يستمع فيه إلى صوتها، ويشعر بوجودها القريب في  تلك المساحة الضيقة، والتي اختارتها في الأساس بهدف أن يصبح الجمهور قريبًا جدًا منها كمؤدية، لخلق علاقة ودية بينهما.

نور: في نفس الوقت اهتم بعض المؤديين بالتقاطع ما بين الأداء المعتمِد على النصوص المنطوقة والأداء الذي يركّز على الحركة والجسد. أتذكر هنا عرض الفنان أحمد ناجي وآش مونيز، حيث اهتم الاثنان بالمزج بين فعل الإلقاء لنص منطوق وبين حركة جسديهما أو أجساد المؤدين/ات في مساحة العرض. فماذا يضيف المزج ما بين النوعين من الأداء في علاقته بالأفكار التي تناولَتها نقاشاتكم/ن؟

عبد الكريم: لعِب مفهوم التقديم وعمليات كما المحاكاة، والتوظيف واستقراء وترجمة النص إلى حركة أو صورة دورًا في نقاشات «إعادة تشغيل». فمثلًا اهتم ناجي بمفهوم المحاكاة بين نصوص سردية مكتوبة بمثابة مشاهدات قد دوّنها في شكل قصص، وكيف يتمّ تحويل القصة إلى حركة وإيماءات تترجم ما يعجز النص عنه. يرى ناجي أن النص وحده له حدود، يمكن عبورها بعمليات التمثيل وإشراك ممثل أو راقص؛ للعمل سويًا على ترجمات «مجردة» للنص. 

بينما بالنسبة لآش مونيز، يختلف مفهوم النص والحركة، فيرى الأداء كعدسة يرى ويحلّل بها أنواع الخطاب، وهي رؤية قادمة من انشغال بال آش بـ«دراسة الأداء» performance studies. فمثلًا أثناء نقاشاتنا شارك آش بقراءات لها علاقة بمفاهيم «المنطوق» و«الوعد» و«القسم»، والتي بشكلٍ ما تعتبر ـ«إعادة تمثيل» أيضًا، ولكن لأداء يومي موجود بالفعل، يتمّ استحضاره وإعادة تمثيله ومسرحته؛ لإظهار مكونات «أدائية» محل دراسة في العرض ذاته بعيدًا عن عمليات الترجمة.

نور: يمكن  ما تقصده هنا هو انشغال آش بمفهوم الـ «speech act» أو «الأفعال الكلامية»، وهي فكرة توضح جوانب مختلفة للغة، الجانب التركيبي لها من حيث بنائها، وتداولية اللغة من حيث الدور الذي تلعبه في سياق تواصل ما بين أشخاص يتأثرون بها، والجانب الدلالي من حيث علاقة المنطوق بالعالم، والاهتمام بملامح استخدامها مثل نفسية المتحدث وموضوع الخطاب والطابع الاجتماعي له، إلخ. وأعتقد أن هذه أفكار تأسيسية في الاهتمام بدراسة الأداء من حيث «اللغة»، ولكن آش كان اهتمامه باللغة الإنجليزية على عكس الآخرين.  هل شرعتم/ن في التفكير فيما كتب عن اللغة العربية والأفعال الكلامية وعلاقة هذا كله بالـ«جسد» الذي ينطق أو الذي يتلقى؟

عبد الكريم: شارك محمود عاطف في «السيمينار» بتاريخ المنطوق في اللغة العربية، وكانت له مداخلة لغوية مهمة مصدرها الأديب اللغوي اللبناني عبد الله العلايلي، أذكر منها تحليل الفعل الصوتي لفعل «بلع»، وكيف أن ترتيب نطق الحروف هو ترتيب خطي لفعل البلع.  كما شاركنا محمود أيضًا في السيمينار ببعض تجارب شعراء الجاهلية في كتابة محتويات صوتية من شعراء يقرؤون نص في عمق بئر، فتنتهي أو يتمّ سماعها ممَن في الأعلى كأصوات مجردة، وكيف تمّ التدوين الكتابي لهذه الأصوات والتجارب. لكن، عودة لسؤالك، لم أجد قراءات من مدخل «الدراسات الأدائية» في اللغة العربية.

نور: لنتحدث عن طبيعة المنصة التي يحدث من خلالها فعل الأداء -the stage-  أو ما كان يعرف في السابق بخشبة المسرح، هذه المساحة التي تسمح لنا بأن «نمسرح» الأفعال والإيماءات وقدرات الأشخاص والأشياء على الفعل والتأثير.أعرف من أحاديثنا السابقة أنه يشغلك كثيرًا فكرة دخول وخروج المؤدي/ة من وإلى مساحة العرض، وعلاقة هذا الظهور والاختفاء بأفكار أوسع عن طبيعة ظهور الأجساد، المؤديين/ات، في مساحة الأداء (المسرح).    

عبد الكريم: بشكل حتمي يتعامل «البرفورمانس» مع جماليات المسرح، بل من وجهة نظري أن البرفورمانس والمسرح يتعاملان مع نفس الجماليات والاختلاف الوحيد هو تاريخ المسرح، والذي بدوره كأي وسيط فني أسّس لجماليات محددة ومعينة. في السابق كانت للدراما بتعريفها المسرحي خصوصية ما، تحاول التفريق بينه وبين فنون الأداء الأخرى. ولكن بعد ظهور مجال أكاديمي كـ دراسة الأداء يحاول التعامل مع الدراما كأداة بحثية أكثر من كونها أداة سردية، كما يخلط بين أبحاث علم الاجتماع، ومفاهيم مستقاة من تاريخ المسرح، اختلف الأمر، وصار هناك ثمة مزج حديث بين المسرح، والخطاب، والبحث، والأداء والدراما. لذلك يتمّ التعامل مع المؤدي وحضوره من ذات الطبيعة المسرحية كدراما تستعير Settings مختلفة من المسرح الى الأكاديمية «المحاضرة». ومن  وجهة نظر الـ performance studies كلا المؤديين يلعبان دور «تمثيل» في المحاضرة الأكاديمية أو على خشبة المسرح، الفارق الوحيد هو طبيعة وجماليات ودرجة التمثيل. في عروض «تطبيقات حيّة» فكرنا سويًا في علاقة حضور جسد المؤدي في العرض بالنص. بعض النصوص ذاتية، جسد المؤدي فيها حاضر كأحد أدوات العرض كما في عرض سهير شرارة وفرح برقاوي والذي يستدعي مسرحة الذات وجسد المؤدي. هذا يختلف عن نصوص بحثية مقالية يدخل فيها جانب ذاتي يخدم البحث كما في عرض محمود عاطف. حضور المؤدي هو وظيفي لا يتعامل مع تاريخ المسرح أو مسرحة جسد المؤدي وحضوره.

نور: ذكرت أن لدى المجموعة اهتمام بـ «التعامل مع الدراما كأداة بحثية أكثر من كونها أداة سردية»، وأنكم/ن تهتمون بالمزج ما بين جماليات توارثناها من خلال المسرح والرقص والحكي وجماليات المحاضرات الأكاديمية ودراما الفعل اليومي. وفي الوقت ذاته، كانت الصورة التي أعلنتم من خلالها عن «تطبيقات حيّة»، هي صورة الشاعر والكاتب الألماني هوجو بال أثناء عرضه «كرافانا» في 1916 في كباريه فولتير وهو ما سماه بالشعر الصوتي. وكان لبال و[حركة] «الدادا» Dada   اهتمام بتفكيك اللغة في علاقتها بالسلطات المختلفة وبالرتم والأصوات المتوارثة في مخزون اللغة المنطوقة (في حالتنا اللغة العربية بالأساس). فهم كانوا يسعون إلى شيء ما في علاقتهم مع لغتهم ومع الجمهور فبماذا كنتم أنتم مهتمون من خلال الخلط ما بين الجماليات التي أشرت إليها، وهل اهتمت كل المجموعة بهذه المنهجية في فهم فعل الأداء؟

وبالفعل أريد أن أطرح سريعًا أن عرض شذى الدغيدي كان على مسافة من مفهوم «البرفورمانس» كأداة بحثية، في رأيي، لأنه يبني خطًا مباشرًا مع ممارسات الدادا في بدايتها، وربما تسعى شذى إلى «المواجهة» مع جمهور، وهو مفهوم آخر (له تاريخه) في تطور فن الأداء، وله رؤيته عن ماهية «the stage».

عبد الكريم: شخصيًا أعتبر الـ «دادا»، ومن قبلهم المستقبليين مرجعًا أساسيًا للممارسة الأدائية وعلاقتها باللغة، علاقة الشعر بالأداء، لذا أهتم بالـ «دادا» وأسئلتهم التي  تطمح لفهم ماهية الغرض من الفن، أو كما ادعي هوجو بال بالفعل، أن الممارسة الفنية تسعى لتصبح أداة تحليلية في علاقة مباشرة مع المحيط، وإزالة الغموض المفاهيمي المنفّر للجمهور. استمعنا في الجلسات الأولى من «إعادة تشغيل» إلى عدة تسجيلات لـ«كرافانا» كمدخل لنقاش عن النص والصوت. واخترتُ صورة هوجو بال مرتديًا الزي الذي ألقى به «كرافانا» والذي كان بمثابة انطلاق لحركة «الدادا»، لتكون صورة إعلان «تطبيقات حيّة» في القاهرة، لتحديد أننا بصدد جنس أدائي معين له علاقة بـ«النص» في المقام الأول.

في سياق اللغة العربية اهتممنا بالفصحى والعامية والمنطوق والمكتوب، بجانب عدة نقاشات عن العلاقة مع إشكالية دمج الفصحى بالعامية، وطُرحت أسئلة لها علاقة بجماليات الاثنين. لكن لم تنتج أعمال تتحدى تلك العلاقة، فنجد أن الأعمال كانت بالفصحى أو الإنجليزية.

في الحديث عن هوجو بال والدادا، أريد أن أوضح أن ثمة مزج قد يحدث بين نيتي الفنية وتوجهاتي كمؤدي وكمنظم للحدث، وتوجهات المنظمين للسيمينار مادلين وفيدريكا وبين رغبات ونوايا المشاركين الفنية التي تختلف في بعض الحالات، وربما تتعارض في دورته الأولى بدأ «تطبيقات حيّة» كسيمينار له ثيمة مفتوحة الى حد ما بين النشر الصوتي والأداء والنصوص، لهذا فـ «تطبيقات حيّة» لا تحاول ادعاء مسار ورؤية تقييمية «curatorial statement» بل حدث يأتي كنتيجة سيمينار.

بالنسبه لعرض شذى الدغيدي، بالفعل كان مختلفًا عن العروض الأخرى، من حيث أنها اعتمدت على الحضور والمواجهة، ولكن العمل يحمل بشكل ما بحثًا لم يتمّ إدماجه في المنتج النهائي، وهو علاقة شذى باللغات التي لا تجدها وسيلة كافية للتعبير. ربما لهذه الجزئية بالذات، كان مهمًا بالنسبة لي وجود العرض وسط  بقية العروض.

نور : لماذا، ماذا يضيف من وجهة نظرك عرض شذى؟ ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من افتراض عدم وجود رؤية تقييمية، أعلم بأنه تمّ اختيار عدد معين من المشاركات والمشاركين من الورشة، للاشتراك في «تطبيقات حيّة» بما يعني أنه كانت هناك رؤية ما، صحيح؟ يعني على أي أساس تمّ تشكيل المجموعة التي عرضت أثناء «تطبيقات»؟

عبد الكريم: يعود عرض شذى بالجمهور لجماليات «برفورمانس» له تاريخ، وخاصة في المشهد المحلي، في «صالون الشباب» [الذي تنظمه وزارة الثقافة سنويًا] على سبيل المثال، لكنه يختلف عنها في الوقت نفسه، لأنه مازال يتعامل مع اللغة أو يستخدمها في أضعف تقدير. وعكس باقي المشاركين كانت شذى غير معنية وغير مهتمة بكتابة نصوص مقالية، معرفية أو بحثية. كان عرضها بالنسبة لي مقاومة لنوع أداء معاصر رائج ومسيطِر. لذا أرى إضافته في كونه رابطًا  نعود له لنحاول فهم: لماذا ندمج محاضرات وخطابات ملقاة شفويًا ونضعهم تحت مظلة عروض برفورمانس.

عند انتهاء سيمينار النشر الصوتي كانت تتطوّر مشاريع عدد من المشاركين. عمِل البعض علي مطبوعة ومشارك عمِل على تجهيز صوتي sound installation،  بينما الأغلبية اشتغلت على عروض أدائية، اخترتُ منهم سبعة عروض فقط في «تطبيقات حيّة» النسخة الأولى، على أُسس عملية في المقام الأول -أغلب الفنانين كان يعمل كل منهم على مشروعه في فترة السبعة أشهر بين سيمينار يناير وعرض «تطبيقات حيّة» في أغسطس، آخرون عملوا على مشاريع أيضًا مكتملة، لكني فضلت أن يكونوا في «تطبيقات حية النسخة الثانية» 2019.

اخترتُ العروض بناءً على وجهة نظر شخصية معنية بالتنوع – التنوع قيمة تقليدية ومحل تساؤل بالتأكيد، لكن أظنها كانت مهمة للنسخة الأولى من حدث، ربما يكون غير معتاد في المشهد المحلي.

نور: عندما تقابلنا بعد العروض بأيام قليلة تحدثت عن «شعبوية» بعض العروض ووصفتَ عرض محمود عاطف بالخصوص بأنه يسعى إلى الشعبوية. هل يمكن أن تشرح لي ماذا تقصد؟ ولو للوصف علاقة باستخدام أنواع «برفورمانس» مألوفة مثلًا، الشعبوية مقبلة من الألفة، تعودنا كجمهور على التفاعل عاطفيًا بشكل معين مع المسرح الذاتي أو القصص في دوائر الحكي، هل هذا ما تقصده؟

بمعنى أن عروض فرح برقاوي ومحمود عاطف وسهير شرارة مثلًا استخدموا genres (أنواع) في الكتابة وفي الأداء مألوفة للجمهور من دوائر الحكي التي انتشرت في مصر مؤخرًا، أو من المسرح الذاتي ووارد أن تفاعلنا مع تلك الأنواع عاطفيًا أصبح بشكل أوتوماتيكي، ومن هنا تأتي شعبوية هذه العروض. ولكن ربما في اهتمام عاطف بـ«برجوازية اللغة في المدينة» جانب أخر هو الذي تقصده بوصف عرض يسعى إلى الشعبوية. وأعتقد بأن عاطف هو الوحيد الذي قَّدم عرضه على كل من مسرح «روابط» وفي مبنى النبراوي،بالتالي يبدو أن ألفة المسرح كسياق للعرض لم تكن عاملًا أساسيًا.   

عبد الكريم: الموضوع والرتم والمشهدية، هي أدوات يمكن أن تجعل العرض «جماهيريًا»، بمعنى يكون أقرب إلى الذوق والانتباه العام. عرضيْ محمود عاطف وفرح برقاوي، هما عروض تفكر في تلك الأدوات منذ بدء العمل عليها، لأسباب كثيرة أهمها خلفية المؤدين، فمحمود يأتي من مجال الأدب و«الحروفية»، وفرح من الكتابة والنشاط النسوي، على خلاف مؤديين خلفيتهم هي مجال الفنون البصرية، الذي بطبيعة المشهد يتعامل مع جمهور حصري، ويفكر بأدوات ذات صلة بلغات فنية، وعلاقة لا تسعى إلى جمهور عريض. فعلى مستوى الموضوع في عرض محمود عاطف، الانتقال من القرية إلى المدينة، وكما أشرتِ برجوازية اللغة في المدينة، هي مواضيع تجد اهتمام عند الجمهور خاصة عندما تُروى بطريقة حكي ذاتي في قالب مقالي. وفي عرض فرح برقاوي يلعب الحكي الذاتي المحمل عاطفيًا بأداء مسرحي قريب من لغة معروفة عند الجمهور المحلي، دورًا في جعله عرضًا جماهيريًا.

كما أشرتِ، فعلا المكان والمساحة لا تلعبان دورًا أساسيًا في عرض محمود عاطف، الذي يعتمد على النص والصور التوضيحية كما «المحاضرة». بالتأكيد العرض في «روابط» جماليًا كان غير العرض في مبنى النبراوي، لكن النص وقوة إلقاء وقراءة محمود عاطف كانت هي المسيطرة.

نور: عرض فرح برقاوي تناول علاقتها مع والدها، وتطوُّر هذه العلاقة عبر مراحل عمرها المختلفة، وحمل عرض محمود عاطف أيضًا جانبًا من علاقته بأمه، وربط أمه بروح اللغة غير المتكلفة التي قابلها في الريف على عكس المدينة. في اليوم الذي جمع عرضيْ محمود وفرح، حدث توازن ما بين ذاتية محمود وهي ذات تمتلك امتيازات كثيرة بحكم كونه ذكرًا، مسلمًا، أزهريًا إلخ  وما بين ذاتية فرح، المرأة الفلسطينية، المهاجرة إلخ، بعكس اليوم الذي حضرت فيه عرض محمود بدون عرض فرح. فهل تناولت نقاشاتكم/ن بخصوص هذه العروض «الجماهيرية» موقع الذات التي تحكي، خاصة لأن إدعاء الذاتية، أو اللعب على هويات المؤديين/ات، أصبح في بعض الأحيان استراتيجية لجذب جمهور.

عبد الكريم: بالنسبة لي هوية المؤدي هي الهوية التي اختارها أو اختارتها لنفسها في العرض، التي ربما تكون على علاقة مع ذاتهم الحقيقية، أو مجرد اختيار إظهار أنواع معينة من تفاصيل الذات والسيرة الشخصية، كإستراتيجية لخلق علاقة معينة مع الجمهور، علاقة تعاطف على سبيل المثال. أظن أن السيمينار أخفق في تناول علاقة النص بالذات والجمهور، لم نتناول إشكاليات النصوص الذاتية عندما تتناول فقط السائد أو المتوقع».

 

نور: من كان جمهور «تطبيقات حيّة» من وجهة نظرك؟

عبد الكريم: في الواقع، كان جمهور النسخة الأولى من جمهور «تطبيقات حيّة»، خليط من جمهور المعارض البصرية، والمهتمين بفنون الأداء، وقليل من جمهور المسرح، وقليل جدًا جدًا من جمهور غير متوقع أو «جمهور غير حصري».

أتوقع من النسخة الثانية أن تكون مقسمة إلى عروض كما النسخة الأولى، بجانب جزء آخر من نقاشات وجلسات، تهدف إلى محاولة لفهم تاريخ الأداء في المشهد المحلي من خلال سعي نظري، يحاول وضع الأداء في سياقات مختلفة. فربما تستهدف طبيعة الحدث جمهور مشاهد وآخر متخصص.

نور: استخدام الصور التوضيحية والأسلوب البحثي كان أداة في عروض أحمد ناجي وآش مونيز أيضًا، لكن بحثيهما مزج ما بين عرض أجزاء من الواقع وقراءة أخذت الواقع إلى حيز المبالغ فيه أو الخيالي. فما علاقة برفورمانس آش وناجي كأداة بحثية مع «الواقع»؟

عبد الكريم: يعيدنا السؤال للتفكير في البحث الفني عمومًا، والخلط بين الحقيقي والمتخيل، أو إدخال الخيال في البحث، وهذا الي حد ما الفرق الجذري بين البحث العلمي والفني. فالإجابة السائدة تقول بما أن البحث الفني لا يهدف إلى استنتاجات وخاتمة تعتمد على الكشف والحقيقة، أكثر من كونه يهدف الى اكتشاف طرق تفكير ومنهجيات، تخلق مع الجمهور علاقة فضول واهتمام تستدعي الاستمرار في التفكير. المتخيَّل في البحث الفني يخلق نوعًا من المقاومة للمنهجيات. التفكير في هذا النوع المقاوِم يتطّلب منّا عدم التعامل مع الخيال والواقع كونهم ثنائية شديدة التباين.

اعلان
 
 
نور الصافوري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن