بحكم «الجلسة العرفية».. الإفراج عن معتقلي «كوم الراهب»
 
 

بموجب ما اتفقت عليه الجلسة العرفية بقرية كوم الراهب بمركز سمالوط في المنيا، أفرجت السلطات اﻷمنية أمس، اﻷربعاء، عن 19 شخصًا من أبناء القرية، الذين أُلقي القبض عليهم في أعقاب أحداث عنف طائفي مطلع اﻷسبوع الجاري على خلفية افتتاح أحد المباني التابعة لمطرانية سمالوط للصلاة.

تعود الأحداث إلى صباح الأحد الماضي، حين توجهت مجموعة من أقباط كوم الراهب إلى أحد المباني المكون من أربعة طوابق، خُصص أحدها لإقامة الصلاة دون الحصول على ترخيص وفقًا للقانون، نظرًا لعدم وجود كنيسة بالقرية. سرعان ما تطور الأمر، في مشهد معتاد، إلى اعتداءات من قبل مسلمي القرية على أقباطها على مدار يومين، حتى تدخل الأمن، ما أسفر عن اعتقال 19 شخصًا، وإغلاق المبنى بناءً على قرارات جلسة عرفية شارك فيها قيادات أمنية.

يقول شاهد عيان كان متواجدًا في القرية منذ السبت وحتى الأربعاء، حيث تقيم أسرته في كوم الراهب، فيما يقيم هو في قرية مجاورة، إنه ذهب لحضور القداس الأول في المبنى المخصص للصلاة في قرية أسرته، «أنا كنت متحمس إني أخيرًا هصلي في مكان قريب ليا، هي مش كنيسة، ده بيت أربع أدوار، مساحته 200 متر، ودور واحد اللي مخصص للصلاة، احنا رحنا نصلي الفجر زي الحرامية خايفين من أي رد فعل من القرية، مكملناش 400 واحد»، يقول الشاهد.

وأضاف لـ «مدى مصر» أنه في الأغلب تلقى الأمن إخبارية بالصلاة، فحضرت القوات في الرابعة من صباح الأحد، وأحاطت بالمبنى، وحين انتهى القداس ذهب كل ٌ إلى منزله. بعدها مباشرةً بدأت مناوشات خفيفة من قبل بعض الأهالي المسلمين، الذين هاجموا منازل أقباط على أطراف القرية، وهي بعيدة عن موقع المبنى المخصص للصلاة، وبالتالي بعيدة عن الأمن الذي ظل في محيط المبنى.

في اليوم التالي، وبحسب شاهد العيان، انتشرت شائعة بأن قوات الأمن ستزيل المبنى، فتوجه عشرات من أقباط القرية إلى هناك، حيث وجدوا المبنى مغلقًا من قبل قوات الأمن، فأقاموا الصلاة في الشارع، وبعد مفاوضات أمنية ووساطات من الرهبان بالقرية والمطرانية، تفرق المتجمهرون. لكن شائعة أخرى بدأت في الانتشار، بحسب الشاهد، أن الأقباط يعتدون على المسلمين في القرية، ما أدى إلى هجوم أعنف على منازل وسيارات أقباط، حتى تدخل الأمن وفرض حظر تجول واعتقل عددًا من أهالي القرية.

القس داود ناشد، وكيل مطرانية سمالوط، أخبر «مدى مصر» أن المطرانية هي التي قامت ببناء هذا المبنى على مدار العام الماضي، وكان افتتاح المبنى يوم الأحد، وفسر ناشد الأمر بأن «عدد أقباط القرية حوالي 2500 شخص، مضطرين هم وخمس قرى للصلاة في كنيسة السيدة العذراء بقرية أبو سيدهم، وهي كنيسة مساحتها 150 مترًا، فاضطرينا لعمل جدول عشان الكل يقدر يصلي».

وأضاف ناشد أن المطرانية تتقدم بطلبات للتصريح ببناء كنيسة في كوم الراهب منذ 2001، وآخرها كان هذا العام، لكنهم لم يحصلوا على رد رسمي، «عشان كده لما افتتحنا المبنى الناس ما صدقت تروح تصلي فيه»، بحسب ناشد.

وأشار ناشد إلى أن قوات الأمن بذلت «مجهودًا جيدًا» في احتواء الأمر، رغم التحريض الذي شهدته القرية ضد الأقباط يوم الإثنين الماضي، معربا عن دهشته لأن «الإسلام الحنيف لا يمنع بناء الكنائس»، على حد قوله.

ويقول شاهد العيان: «احنا حريمنا ما بيعرفوش يروحوا يصلوا، المسافة بين الكنيسة وبيني حوالي ساعة إلا تلت، ولازم أركب كذا مواصلة، ومش هاعرف اروح بالعيلة والعيال، حتى راس السنة مابنعرفش نروح نصلي فيها، احنا مابنطلبش حاجة كبيرة، احنا بس عايزين مكان نصلي فيه»، مضيفًا: «احنا مسلمين وأقباط حبايب واخوات ونزور بعض في رمضان وفي المناسبات، وأول ما يبقى فيه كنيسة هتتبني تبتدي المشاكل».

انتهت الأحداث بمجلس عرفي عقد الثلاثاء الماضي بحضور قيادات القرية والقيادات الأمنية، بحسب إسحاق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

راجي فؤاد، أمين مساعد لجنة المواطنة بحزب مستقبل وطن في محافظة المنيا، حضر الجلسة، التي رفض تسميتها بـ «العرفية»، قائلًا إنها كانت «جلسة صلح»، والتي حضرها أيضًا قيادات أمنية في الأمن العام، والأمن الوطني، ومباحث المديرية، بالإضافة إلى عمدة القرية، وممثلين عن المطرانية وعن كبار الأهالي، وتمت الجلسة في قرية أبو سيدهم المجاورة لكوم الراهب، حيث تم الاتفاق فيها على «تطبيق القانون» باستمرار غلق المبنى الكنسي بكوم الراهب، في مقابل تقديم أوراق تقنينه لمحافظة المنيا للحصول على ترخيص بالصلاة، وكذلك غرامة مليون جنيه يدفعها أي طرف يعتدي على الآخر، كما تم الاتفاق على إطلاق سراح جميع المعتقلين، بحسب ما قاله فؤاد لـ «مدى مصر».

وأوضح ناشد أن المطرانية حصلت على وعد بالموافقة على تصريح الصلاة في المبنى الكنسي خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، وحتى يأتيهم الرد، سيعود المصلون للصلاة في الكنيسة البعيدة بأبو سيدهم.

يرى إسحاق إبراهيم أن الاعتداءات الطائفية من هذا النوع ستتكرر، بسبب مشكلات قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016، مشيرًا إلى أن هناك 3730 طلبًا لكنائس موجودة قبل القانون لتوفيق أوضاعها في المهلة المحددة وفقًا للقانون والتي انتهت في سبتمبر 2017، أما الكنائس الجديدة فعليها التقدم بطلب للمحافظة التابعة لها، وقد يردوا بالموافقة أو الرفض، أو يعلقون الموضوع دون رد.

«الآن الأمر أسوأ، قبل القانون كان هناك مجال للتحايل وإقامة الصلاة في البيوت، الآن هناك تهمة تسمى الصلاة بدون ترخيص»، يقول إبراهيم.

صدر قانون بناء الكنائس في أغسطس 2016، وينصّ في المادة الثامنة منه على تشكيل لجنة لبحث طلبات توفيق أوضاع الكنائس القائمة بالفعل. وفي يناير 2017، أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل اللجنة من 10 أعضاء، هم: وزير الدفاع، ووزير الإسكان، ووزير التنمية المحلية، ووزير الشؤون القانونية ومجلس النواب، ووزير العدل، ووزير الآثار، وممثل عن المخابرات العامة، وممثل عن هيئة الرقابة الإدارية، وممثل عن قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، بالإضافة إلى ممثل الطائفة المعنية. وتلقت اللجنة طلبات التوفيق من وقت تأسيسها حتى 28 سبتمبر في العام نفسه. وترفع اللجنة توصياتها لرئيس مجلس الوزراء الذي يقرّها.

رصد تقرير أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في نوفمبر الماضي، حول ملف توفيق أوضاع الكنائس عن الفترة من انتهاء مهلة تقديم ملفات الكنائس في 28 سبتمبر 2017 وحتى أكتوبر الماضي، أنه خلال هذه الفترة أصدر مجلس الوزراء ثلاثة قرارات بتوفيق أوضاع 214 كنيسة و126 من مباني الخدمات، بناءً على توصيات اللجنة، بينما 6 كنائس ومبانٍ فقط هي ما صدر لها قرار نهائي بالترخيص.

وكان تقرير نشرته جريدة اليوم السابع نهاية نوفمبر الماضي حول اجتماع حديث للجنة توفيق الأوضاع، أشار إلى أنه منذ بداية عمل اللجنة وحتى نهاية نوفمبر تم توفيق أوضاع 508 كنائس ومبانٍ تابعة.

وأضاف تقرير المبادرة أنه خلال الفترة بين سبتمبر 2017 وأكتوبر 2018، وقعت توترات طائفية بسبب ممارسة الشعائر الدينية في عدد من الكنائس، تمكنت المبادرة المصرية من رصد 15 منها. وأدت تلك التوترات إلى إغلاق تسع كنائس بشكل نهائي. كما أُغلقت كنيستان لفترة قبل عودة الصلوات بهما مرة أخرى. وأُجبر أهالي قرية زاوية سلطان بمحافظة المنيا على غلق المبنى الكنسي الجديد والعودة للمبنى القديم المتهالك بحسب التقرير. وتستمر كنيستان في العمل بدون توقف رغم التوترات. وجميع الكنائس الـ15 تمّ تقديم طلبات توفيق أوضاع بخصوصها. وتوزعت هذه التوترات الـ 15 على 8 محافظات، 6 منها في المنيا، و3 في الأقصر، وواقعة واحدة في كل من البحيرة والجيزة والقليوبية وبني سويف وسوهاج وقنا.

اعلان
 
 
هدير المهدوي