هل تساعد الشراكة مع «موانئ دبي» على تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؟
 
 

قد يبدو اتجاه المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتوقيع اتفاق مع شركة «موانئ دبي العالمية» على تأسيس كيان مشترك لتطوير جزء من منطقة القناة، خبرًا سعيدًا للوهلة الأولى، لكن اختيار هذا الشريك بالذات ينطوي على أكثر من مشكلة، تتعلق بوضع الشركة الإماراتية في مصر، التي تنفرد فيها بإدارة ميناء العين السخنة، فضلًا عن تاريخها مع أكثر من ميناء من موانئ دول الجوار.

تضمّ محفظة أعمال شركة «موانئ دبي» في العالم «78 محطة برية وبحرية عاملة، مدعومة بأكثر من 50 نشاطًا ذي صلة، في 40 بلدًا عبر قارات العالم الست»، بحسب موقع الشركة الإلكتروني.

لكن اختيار تلك الشركة لإبرام هذه الصفقة -دون منافسة- يثير الجدل، نظرًا لوجود تعارض في المصالح، بين مشاركة «موانئ دبي» في تنمية وتطوير منطقة القناة، وبين إدارتها لميناء جبل علي الإماراتي.

اعتبر وائل قدورة، عضو سابق في مجلس إدارة هيئة قناة السويس، أن تعارض المصالح واضح، قائلًا: «في الأساس لكون ميناء جبل علي -الواقع في إمارة دبي والمملوك لحكومتها- منافسًا مباشرًا للمنطقة الاقتصادية للقناة.. ونجاح منطقة القناة يعد خصمًا مباشرًا من نجاحه، لذلك لا يستقيم اختيار تلك الشركة، خاصة وأن الصفقة برُمتها لم تتضمن منافسة، بل جرى الاختيار بالأمر المباشر».

وأوضح قدورة أن منطقة جبل علي في دبي متخصصة في تقديم خدمات لوجستية وصناعية مرتبطة بالتجارة البحرية، «وهي نفس الخدمات التي يفترض أن تقدّمها المنطقة الاقتصادية للقناة بعد تطويرها»، مضيفًا أن «مرور السفن على منطقة جبل علي في الوضع الحالي يمثل انحرافًا بعض الشيء عن طريقها المستقيم من الشرق إلى الغرب الذي يمر عبر قناة السويس، وهو ما يكلفها في المتوسط يومًا إضافيًا في رحلتها.. فإذا كانت السفن ستمر في كل الأحوال عبر قناة السويس فسيصبح من المثالي بالنسبة لها أن توفر لها منطقة القناة نفسها الخدمات التي تحتاج إليها، بحيث لا تحتاج للمرور بميناء آخر للحصول على الخدمات».

وتضمّ منطقة قناة السويس الاقتصادية عدة مناطق فرعية هي العين السخنة، شرق بورسعيد، غرب القنطرة، شرق الإسماعيلية، فضلًا عن عدة موانئ تشمل شرق بورسعيد، ميناء السخنة، وغرب بورسعيد، والأدبية [السويس]، ميناء العريش، بشمال سيناء، والطور، بجنوبها.

وأوضحت الهيئة الاقتصادية لقناة ‏السويس في بيان لها يوم الخميس الماضي، أن مفاوضات تجري بين الهيئة وبين مجموعة «موانئ دبي العالمية» لإنشاء شركة لتطوير وتنمية ما يقرب من 45 كيلومترًا مربعًا في المنطقة الصناعية بالعين السخنة، وتكون الشركة مملوكة بنسبة 51% للهيئة، وبنسبة 49% لشركة «موانئ دبي»، وأكد البيان أن هذه الشراكة، التي يجري التفاوض حولها منذ العام الماضي، «تهدف إلى ‏جذب الشركات والمستثمرين العالميين لضخ استثمارات في هذه المنطقة، (..) وتقوم حاليًا كبرى المكاتب الاستشارية العالمية بإنهاء ‏الدراسة الخاصة بإنشاء هذه الشركة».

ووفقًا لتصريحات سابقة للفريق مهاب مميش، رئيس الهيئة الاقتصادية لتنمية قناة السويس ورئيس هيئة قناة السويس، فإن المشروع المزمع تنفيذه بالعين السخنة يهدف إلى تطوير منطقة صناعية، وأخرى سكنية من خلال الشركة المشتركة بين «موانئ دبي» والهيئة.

أما عن كفاءة الشركة العالمية التي قررت إدارة «المنطقة الاقتصادية» أن تشاركها في تطوير هذا الجزء من المنطقة، والذي يعد امتدادًا لتواجدها في العين السخنة، فإن «موانئ دبي» لم تلبِ عددًا من الالتزامات عليها فيما يتعلق بتطوير ميناء السخنة، بحسب قدورة الذي أوضح قائلا: «الحكومة المصرية كانت قد أبرمت اتفاقًا في العام 2007 مع أسامة الشريف، وهو رجل أعمال مقرب لجمال مبارك [نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك]، لإدارة الميناء قبل أن يبرم هو لاحقًا مع «موانئ دبي» اتفاقًا للشراكة معها باع لها فيه 90% من الشركة صاحبة حقوق الإدارة».

وبناءً على الاتفاق الأول، كان ينبغي على الإدارة  بناء أربعة أحواض، هذه الالتزامات انتقلت للعقد الجديد بطبيعة الحال «لكن وإلى الآن لم تنشئ دبي العالمية أي منها»، بحسب قدورة.

ووفقًا لما أُعلن في فبراير 2008، فقد نقلت ملكية شركة تطوير ميناء السخنة لـ «موانئ دبي العالمية»، مع احتفاظ أسامة الشريف بمنصبه رئيسًا للميناء. كما أُعلن عن نيّة «موانئ دبي» توفير 2700 فرصة عمل إضافية للمصريين بالميناء، عبر ضخ استثمارات ضخمة، وعدم الاستغناء عن أي من العاملين.

لكن السنوات القليلة التالية شهدت عدة إضرابات للعمال في الميناء احتجاجًا على فصل عمال، إلى جانب تدني الأجور، وردت الشركة بإيقاف العمل في الميناء، وهو الإجراء الذي أزعج الحكومة المصرية في ذلك الوقت.

وأداء الشركة في ميناء «السخنة» ليس استثناءً في تاريخها، فسجلها في منطقة شرق إفريقيا واليمن كان مثيرًا للجدل.

بحلول أغسطس من عام 2012، بعد أكثر من سنة من اشتعال الثورة اليمنية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح الحليف الاستثنائي لدول الخليج، أقدمت الحكومة الجديدة على إلغاء عقد إدارة وتطوير ميناء عدن والذي كان قد وُقّع في العام 2008 مع «موانئ دبي العالمية». ونصّ الاتفاق المُلغى على استثمار 220 مليون دولار لتطوير الميناء.

وجاءت هذه الخطوة بعد عدة شهور من إعلان اليمن لأول مرة على لسان وزير النقل واعد عبدالله باذيب، أن «الشركة أخلت بهدف لرفع طاقة مناولة الحاويات إلى 90 ألف حاوية نمطية بطول 20 قدمًا في نهاية عام 2011، كما لم تبنِ وتوفر البنية التحتية المنصوص عليها في العقد المبرم في عام 2008».

واتضح وقتها أن الشركة لم تلتزم بتنفيذ ما نصّ عليه العقد، وصولًا إلى ما أسماه وزير النقل اليمني «الشلل التام للميناء بعد إدارة موانئ دبي له»، متهمًا الحكومة اليمنية السابقة بتوقيع عقد اتفاق لتشغيل ميناء عدن مع «موانئ دبي العالمية» لـ «أهداف سياسية بعيدة من الجدوى الاقتصادية أو التجارية».

وأظهرت إحصاءات رسمية لهيئة موانئ عدن تراجع عدد سفن الحاويات الواصلة بنسبة 11% بنهاية عام 2011 مقارنة بعام 2010 في محطة عدن للحاويات، وعدد السفن الواصلة إلى محطة المعلا للحاويات بنسبة 100%.  وأشارت الإحصاءات إلى «انخفاض عدد سفن الحاويات من 45 إلى 33 فقط، وعدد الحاويات المتداولة من 20 ألف و881 إلى 18 ألف و473 حاوية».

وبحسب موقع «بورت ستراتيجي» المتخصص في شؤون الموانئ، فإن السبب في هذا التدهور قد يرجع لتضارب المصالح الواضح لـ «موانئ دبي» التي كانت تدير مينائين متنافسين في وقت واحد: عدن اليمني، و«دوراليه» الجيبوتيّ.

وفي العام 2014،  بدأت جيبوتي بدورها -بعد سنتين من النزاع- في السير قُدُمًا في إجراءات قانونية لإنهاء عقد وقعته في العام 2000 مع «موانئ دبي العالمية» كان يفترض أن يمتد لخمسين سنة لإدارة مينائها الرئيسي والذي يعد أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا، بسبب ما يتضمنه الاتفاق -من وجهة نظرها- من محاباة لصالح  «دبي العالمية»، وما تضمنه من فساد في إرساء العقد.

وفي مارس الماضي، أعلنت جيبوتي في بيان رسمي من مكتب رئيس الجمهورية إسماعيل عمر جوليه إنهاء بـ «أثر فوري» لعقد تشغيل ميناء «دوراليه» للحاويات وصادرت بالفعل الميناء، لكن «موانئ دبي العالمية» بطبيعة الحال قاومت الأمر ووصفته بأنه استيلاء غير قانوني، ولجأت لمحكمة لندن للتحكيم الدولي، التي أصدرت لاحقًا حكمًا لصالحها. وبحسب بيان لحكومة دبي، فإن الشركة قالت إن العقد ساري المفعول. لكن جيبوتي لجأت في نهاية المطاف في سبتمبر الماضي لتأميم الميناء.

وفي السياق نفسه، رصدت هيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي استخدام أساليب عدائية من قِبل «موانئ دبي العالمية» مثل «التباطؤ المتعمد» في تطوير الميناء «لصالح أصلها الرئيسي في جبل علي».كما وقعت «موانئ دبي»، في مارس الماضي، اتفاقًا مثيرًا للجدل مع حكومة «أرض الصومال» الانفصالية وحكومة إثيوبيا. وبناءً على الاتفاق، تصبح إثيوبيا شريكًا في ميناء «بربرة» في «أرض الصومال» [ المنفصل عن دولة الصومال]، ما يوفر لها منفذًا بحريًا تفتقده. وينصّ الاتفاق على أن تحتفظ «موانئ دبي العالمية» بحصة 51%، مقابل 30% تمثل حصة هيئة الموانئ في «أرض الصومال»، و 19% تمثل حصة إثيوبيا مقابل توليها تطوير البنية التحتية.

ويتضمن الاتفاق كذلك «تطوير مشروع منطقة اقتصادية حرة تتكامل مع مشروع تطوير ميناء بربرة». ويقع الميناء على ممر بحري هو الأكثر استخدامًا عالميًا، ويربط بين قناة السويس والمحيط الهندي.

وانفصل إقليم «أرض الصومال» عن الصومال مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ويسعى منذ ذلك الوقت الحين لانتزاع اعتراف دولي باستقلاله. ومن هذا المنطلق، رفض الصومال -بطبيعة الحال- الاعتراف بشرعية الاتفاق واعتبره باطلًا، وأصدر برلمانه بالإجماع قرارًا يحظر على «موانئ دبي» العمل في البلاد، وقال البرلمان، في بيان، إن الشركة انتهكت استقلال ووحدة الصومال على نحو صارخ.

اعلان
 
 
بيسان كساب