تدوينة| هذه الجرائم الوحشية ارتكبها بشر عاديون يشبهونك تمامًا

«تخلى سائق توك توك بجمصة عن مشاعر الإنسانية، وقام بربط زوجته وابنتها بحبل لمدة يومين، واستمر فى تعذيبهما بالضرب بخرطوم حتى لفظت الطفلة أنفاسها الأخيرة». «قام دكتور بجامعة الأزهر بقتل ابنه في دمياط بسبب 400 جنيه». «اعترافات صادمة للأم التي رمت جثث أبنائها في الجيزة». «بعد أن أخذته من حضانة المستشفى أم تلقى رضيعها في ترعة بالمنيا».

أصبح من المعتاد أن تقول الصحف المصرية إن جرائم العنف الأُسَري قد صارت واقعًا عاديًا. النفس البشرية شديدة الرعب، ومن الممكن استيعاب فكرة اعتداء الإنسان على غيره بدافع المنافسة التي تتطور إلى غيرة،  ثم الغيرة التي ستتطور لاحقًا إلى كراهية؛ ولكن لماذا يعتدي الإنسان على أقرب المخلوقات إليه؟ وكيف «ينحدر» إلى هذا المستوى؟

نتساءل عن سبب «الانحطاط» الذي أصاب المصريين. الفقر؟ الجهل؟ البطالة؟ لا. لا أعتقد أن أيًا منهم هو السبب الحقيقي وراء جرائم وحشية كهذه. الدليل؟ قصة وقعت في النمسا، البلد الأوروبي الأنيق، حيث لا فقر ولا جهل ولا بطالة.

هذه هي القصة الحقيقية لجوزيف فريتزل.

قبل عشر سنوات، في أبريل  2008، ظهرت إلى العلن قصة فريتزل التي فاجأت العالم. المهندس المخضرم الذي يصمم الصروح والأبراج؛ رجل الأعمال الذي يمتلك منزلًا فخمًا في مدينة أمشتتن بالنمسا؛ الأب المبجل الصارم الذي أهدر حياته نظير تربية سبعة أبناء، احتجز ابنته الرابعة إليزابيث حين كان عمرها ثمانية عشر عامًا في قبو ملحق بحديقة المنزل. احتجزها يومًا؟ يومين؟ شهرًا؟ عامًا كاملًا؟ لا، لقد عاقب جوزيف فريتزل ابنته بالسجن تحت الأرض لمدة أربعة وعشرين عامًا، ولأربعة وعشرين عامًا، لم تر فيهم إليزابيث الشمس، قام والدها باغتصابها حوالي 3000 مرة وأنجب منها سبعة أبناء.

الشارع في مدينة أمشتتن يبدو منكمشًا لأنه مكسو بالثلج، والسماء مظللة بقلم رصاص أقل درجة من رمادية الأسفلت، والطريق هادئ لأن الجميع في البيوت أو في العمل، والشجر، الذي يحاول تسلية وحشة المكان، غصونه صلعاء بلا ورق.

سوف تودع إليزابيث هذا الشارع للمرة الأخيرة عام 1984.

الرسالة الأولى

«والدتي العزيزة ووالدي الحبيب، أكتب إليكما كي أخبركما أني لن أعود إلى منزلنا اليوم. كما أني لن أعود أبدًا. أنا بخير، ذهبت فقط كي أكون مستقلة. أنا محاطة بأصدقاء يعتنون بي جيدًا، لذا فأرجو ألا تقوموا بالبحث عني. في النهاية هذا قراري وهذه حياتي.
مع حبي، إليزابيث».

كتب جوزيف فريتزل تلك الرسالة كي يبرر اختفاء ابنته، ووضعها أمام باب منزله. وجدت زوجته الرسالة المكتوبة بخط جيد. ابتلعت الطعم؟ صدقت الكذبة؟ لا أحد يعرف، ربما أرادت أن تصدق لأن جوزيف أرادها أن تصدق. إليزابيث رحلت ولا أحد يعرف أين هي. الأقوال تتضارب، فالبعض قال إنها انضمت لجماعة دينية متشددة، وأقسم جار لفريتزل أنه رآها تبيع الجنس في شوارع أمستردام.

الأعوام الخمسة الأولى أمضتها إليزابيث بمفردها، تأكل قسريًا، وتشرب بالإكراه، ويداها مكبلتان خلف ظهرها، وعندما يحرر جوزيف رسغيها من الأصفاد، يفعل ذلك فقط كي تداعب عضوه. القبو هو مملكة جوزيف، حصّنه بفولاذ بابين إليكترونيين يزن الواحد منهما طنًا ونصف. هو وحده من يستطيع الدخول لأنه هو الوحيد الذي يعرف الأكواد الخاصة بكل باب. عندما تتجاوز البابين تخنقك صالة ضيقة لا يتجاوز عرضها خمسة أمتار، ثم خمس غرف لم تزرها الشمس قَط. وحتى يمعن في عذاب البنت كان سقف القبو قريبًا جدًا؛ بارتفاع لا يتجاوز في بعض الأحيان المتر وسبعين سنتيمترًا. حذّر جوزيف زوجته من الاقتراب من القبو.

ضاجع فريتزل ابنته دون واقِ ذكرى. لماذا يا أبي؟ تصرخ إليزابيث ولكن أحدًا لا يسمع، ثم تحمل منه، وعندما تزداد الكرة في بطنها حجمًا يترك لها مقصًا قذرًا، ومطهرًا رخيصًا، وكتابًا رثًا عن الإنجاب. يتركها وحيدة وهي تلد في قبو معتم.

في أغسطس 1988 أنجبت كيرستن. ثم في فبراير 1990 أنجبت ستيفن.

الرسالة الثانية – مايو 1993

«والداي العزيزان،
إذا وصلتكما هذه الرسالة فهذا يعني أنكما رأيتما ابنتي ليزا. أعلم أنكما تتساءلان الآن عن السبب الذي جعلني أتخلى عنها، ولكن لا يسعني القول سوى أني أعرف أن باستطاعتكما الاعتناء بها أفضل مني. لقد قمت بإرضاعها لستة أشهر ونصف. أتمنى ألا تزعجكم لأنها تبكي دون توقف.
إليزابيث».

في ديسمبر 1994 سوف تجد روزماري رسالة جديدة من إليزابيث تطلب منها الاعتناء بابنتها حديثة الولادة مونيكا. ثم في أبريل 1996 رسالة أخرى مع ألكسندر، الرضيع الجديد، والكل يلعن إليزابيث التي كفرت بالأمومة. مفهوم أن تترك والديها، لكن أي أم هذه التي تترك أبناءها هكذا؟ منزل المهندس جوزيف فريتزل بصدد التحول إلى حضانة. صديقه يتعجب من الأمر: «ألكسندر يشبهك تماما يا جوزيف!»، يضحك جوزيف بشدة.

ما لا يعرفه صديق جوزيف أن ألكسندر لم يأتِ إلى العالم وحيدًا، بل كان معه مولود آخر سعيد الحظ لأنه مات فور ولادته ولكن جسده لم ينج من أذى والده. أدخل جوزيف جثة المولود إلى الفرن، أضرم بها النار، والرماد سيستخدمه كوقود للمدفأة لأن شتاء النمسا قارص.

21 أبريل 2008

24 عامًا في القبو

  • بابا، كيرستن مريضة جدًا..
  • أعرف، سأحضر لها الدواء الآن..
  • لا، كيرستن بحاجة إلى الذهاب إلى المستشفى. كيرستن تموت يا بابا..
  • وأنتِ تعرفين جيدًا أنه ليس بإمكاني أخذها إلى المستشفى..
  • كيرستن هي ابنتي وأختي في آن واحد ولأنها طفلة هادئة لا تصرخ فلم يسعفها الحظ مثل ليزا واليكسندر كي تخرج من القبو. منذ ولدت وهي معي تشاطرني العذاب. لا يمكنك أن تقتل ابنتي التي هي أختي! خذها إلى المستشفى يا بابا. الرحمة، ألم تسمع عن الرحمة؟ الشيطان نفسه يحب أبنائه فلماذا تكرهنا أنت هكذا؟!
  • أنا اعتنيت بك وبأبنائك، ثلاثة داخل القبو وثلاثة خارجه. لأربعة وعشرين عامًا وأنا أفعل هذا. أنا لم أضعك هنا كي أعذبك. أنت جاحدة وناكرة للجميل!
  • أب عطوف أنت؟ كنت تخشى عليّ من الوحدة؟ خذ كيرستن يا بابا إلى المستشفى إذا كنت تمتلك ذرة رحمة. هي في التاسعة عشرة الآن، أريد أن أراها وهي تبلغ العشرين. حبًا بالرب يا بابا، عالج ابنتك وحفيدتك. لا تخف، سوف أكتب رسالة جديدة إلى الأطباء. الأطباء أغبياء، والأذكياء منهم ليسوا في ذكاء المهندسين. أنت مهندس، ألست كذلك؟ ستنطلي عليهم حيلتك كما انطلت على الآخرين. حتى إذا خرجنا من هنا أنا وكيرستن وستيفن وفيلكس، بإمكاني أن أقول إني عدت من مهربي.
  • لا أعرف…
  • أرجوك يا بابا !
  • حسنا، سنكتب رسالة أخرى.

الرسالة الأخيرة

«أنا إليزابيث والدة كيرستن. هي مريضة للغاية وتحتاج إلى عناية طبية. هذه هى المرة الأولى التي تذهب فيها إلى المستشفى، فهي لا تحب الاختلاط بالناس. جدها هو الرجل الوحيد الذي يمكنها أن تثق به. أتمنى أن تعتنوا بها جيدًا».

لم تنطلِ الحيلة على الأطباء، فكيف يمكن لفتاة نمساوية تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا أن تأتي هكذا من العدم، لا بطاقة، لا تاريخ طبيًا، لا وثائق على الإطلاق. المستشفى تقوم بإبلاغ الشرطة التي كانت قد أغلقت ملف إليزابيث فريتزل منذ فترة بعيدة، والملف يُفتح مرة أخرى. الجميع يتساءل لماذا تستمر إليزابيث في بعث الرسائل ولماذا يظهر أبناؤها فجأة؟ الشرطة تنزل إلى الشارع في مدينة أمشتتن وتنادي على إليزابيث في مكبرات الصوت. محطة التلفاز في المدينة تتوسل إلى الأم التي تبلغ من العمر الآن 42 عامًا كي تظهر وتزيل الغموض.

يتفق جوزيف مع ابنته ألا تفصح عما حدث. «سوف نقول للشرطة إنك قررتي العودة». تعده بذلك، بعد أن حذرها من العار الذي سيطول كل فرد في العائلة إذا انكشف السر. يخرج من صدره نفسًا طويلًا ممدودًا ثم يفتح باب القبو. تخرج إليزابيث بعد مرور ثمانية آلاف وخمسمائة وستين يوم. أولادها ستيفن وفيلكس يريان قرص الشمس لأول مرة في حياتهما.

بعد الذهاب إلى قسم الشرطة، تبوح إليزابيث بكل شيء. لا يمكن أن يكتم الإنسان كل هذا العذاب دون الإفصاح عنه. فضيحة! وسائل الإعلام العالمية لا تصدق أن هذا حدث فعليًا. ضابط الشرطة النمساوي الذي دخل إلى القبو لأول مرة يقول إن أنفه لم يشم رائحة أقذر من رائحة هذا المكان. شرائط فيديو يظهر فيها جوزيف يمارس الجنس مع ابنته أمام أبنائها. القاضي المسؤول عن القضية يشكو من الاكتئاب. لأول مرة في تاريخ القضاء النمساوي يتم إسناد القضية لأكثر من قاضٍ.

كيف فعلها هؤلاء؟

إذا أردنا فهم الدافع الذي حث هؤلاء المجرمين على ارتكاب فظائع كتلك، فعلينا أن ندرك أن الطب النفسي لا يتعامل مع المجرم على أنه وحش. جميع المجرمين لا يعترفون لأنفسهم بجرائمهم حتى تتسنى لهم الحياة دون الشعور بالذنب.

جوزيف فريتزل مثلًا، قال إنه كان يقنع نفسه بأن في إبقاء ابنته المتمردة داخل القبو حماية لها. كان يبرر وحشيته معها بأنه يمنع عنها شرور العالم الخارجي، حتى لو كان الحل هو احتجازها واغتصابها. تعرض فريتزل في طفولته لتجارب حياتية عنيفة مثل إهمال الأب الذي تخلى عن العائلة ثم إساءة المعاملة من الأم المكلومة والتي قال الجيران إنها كانت ترتدي الأسود على الدوام. كانت البداية شعور فريتزل بالعار، ثم من العار تولد احتقار الذات والشعور بالدونية الذي سيُستخدم كوسيلة للقسوة. الضحية تبدأ في إساءة الظن بكل من حولها بناءً على ما حدث معها من قبل، وبعد ذلك يُلقى العار الذاتي اللاواعي على الآخر، أولًا على الأبناء باعتبارهم حاملين للإرث البيولوجي، وبالتالي فهم أدوات بإمكانها جلب عار أكبر، ثم على الآخرين باعتبارهم أعداء محتملين.

الشعور بالعار هيمن على المهندس النمساوي فكان يرى نفسه حقيرًا لا قيمة له، حشرة لا يأبه أحد بها. الجميع يكرهه، حتى الله تخلى عنه. لذا سيضع قوانين تخصه وحده وتخص عائلته. كراهية الذات والعقاب الذاتي كان مهربه من الجحيم التي يشعر بلهيبها دومًا. ولأنه لا ينتحر، جبان يخشى الموت، فقد وجد ضالته في التكاثر الذاتي، ووجد غيره ضالتهم في قتل أبنائهم.

الوعي هو أصل الوجود الإنساني. والإنسان المصري أو النمساوي على حد سواء عندما يرفض أن يكون إنسانًا، لا يفعل شيئا سوى أنه يتخلى عن وعيه. نعم، فقط هكذا، بعدها بإمكانه استخدام أي حجة: الغنى والفقر، العمل والبطالة، العلم والجهل، الفخر والعار، أي شيء. سوف يجد مبررًا لإطفاء ذلك النور بداخله. هناك دومًا لحظة تسبق ارتكاب كل شر. هناك دومًا لحظة يقرر فيها الإنسان أنه ليس واعيًا، تصبح بعدها كل السلوكيات صحيحة وكل القرارات شخصية. لا صراع بين الخير والشر لأنه لا وجود لهما من الأساس. حينها يمكن ارتكاب أكثر الأفعال شرًا بدافع الخير.

الإنسان يقول دومًا إنه خائف، غير أنه ليس هناك ما يثير الرعب أكثر من النفس البشرية، أليس كذلك؟

اعلان
 
 
أحمد ممدوح حجازي