بين البلدي والأفرنجي: مائة خبز وخبز
 
 
بين البلدي والأفرنجي: مائة خبز وخبز – كارولين كامل - مدى مصر - صورة: روجيه أنيس
 

كنّا أطفالًا، لكن والدي لم يتحمس سريعًا للخبز الأفرنجي.

«العيش الفينو بيجيب إمساك»، يقول مبررًا رفضه المستمر لاستبدال «البلدي» بمنافسه «الأفرنجي»، المبرر الذي لم يرضنا وقتها، وبقليل من الضغط من قِبل أمي كان «الفينو» يدخل بيتنا في حالات نادرة.

ظل الخبز البلدي على مدار الوقت هو الأحب لقلبه، وذلك بالرغم من تنوع أنماط الخبز المُتاح داخل مصر وخارجها، وبغض النظر عن جودة «البلدي».

لظروف اقتصادية انحصرت ساندويتشات المدرسة غالبية الأيام بين الجبن بالخيار أو الجبن بالطماطم في العيش البلدي، التي تهترئ قبل وصولنا للفسحة. الوجبة التي يحتاج تناولها لقدرات خاصة حتى لا تنهار جدران الساندويتش التي تشبعت بما أفرزته الخضروات.

وصل العيش الفينو منزلنا بموافقة أبي على مضض، كان ذلك في نهاية المرحلة الابتدائية. مع «الفينو» لم تعد ساندويتشات الجبنة المُضاف إليها خيار أو طماطم تحتاج مهارات لتجبيرها، كون جدران هذا النوع من الخبز قادرة على امتصاص عصارات الخضروات دون أن تنهار.

حصل «الفينو» على فرصته في منافسة البلدي خلال شهور الدراسة بشكل أساسي، وبشكل استثنائي في الإجازة الصيفية إذا رضخ أبي.

«الفرن شغال على طول والحمد لله رزقنا كتير.. لكن العيش الفينو ليه مواسم يزيد الطلب عليه» يقول الحاج فاروق، صاحب مخبز «أبو الفضل» في مدينة المحلة الكبرى في دلتا مصر.

يوضح الحاج فاروق أن موسم الدراسة هو الأكثر نشاطًا في بيع «الفينو» لتفضيل طّلبة المدارس له كونه ألذ طعمًا. «طعمه حلو ﻷن عليه سكر وخميرة» هكذا يصفه، إلا أن العيش الفينو لم يكن يومًا خبزًا أساسيًا على مائدة أسرته. يمكن فقط تناوله أحيانًا في وجبة الإفطار أو العشاء كمخبوز خفيف خاصة في حال وجود أطفال.

تقول هالة بركات، الباحثة في شؤون الغذاء، لـ «مدى مصر»: «مش عارفة بالتحديد إمتى بدأت قصة الفينو في مصر. لكن أتخيّل أنه بدء مع الطلاينة، ﻷن فينو كلمة طلياني وهي من fine يعني حاجة فاخرة، والعيش الفينو بيتعمل من دقيق أبيض تمامًا، وخالٍ من الردة وأي مكونات تانية».

وتشير إلى أن العيش الفينو ذُكر في كتاب الطهي المعروف بكتاب «أبلة نظيرة» لصاحبته نظيرة نيقولا، الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عام 1942 ويحتوي على كل وصفات المخبوزات الأجنبية، ما يُشير إلى أن وجوده في مصر ارتبط بوجود الأجانب هنا، وظهور الأفران الأفرنجية التي تقدّم خبز ومخبوزات أجنبية أخرى، على عكس الفرن [الذي] يقدم العيش البلدي فقط».

صورة: روجيه أنيس

ولكن لا تتناسب خفة الخبز الفينو، «خبز الأطفال» كما يسميه الحاج فاروق، مع محورية الخبز على مائدة المصريين، ولذا كانت منافسته دائمًا شرسة.

على عكس «الفينو» المنبوذ في منزلنا، كان الخبز الأبيض مُرحب به من قِبل أبي، وأصبح وسيلتنا للتمرد على العيش البلدي أو الأسمر، وهو خبز أبيض يشبه البلدي، لكن طعمه بالنسبة لنا أفضل، وكان الأنسب دومًا في إعداد ساندويتشات الطعمية الساخنة بالطماطم والجرجير، ﻷنه يجمع بين مذاق العيش الأسمر وتماسك «الفينو».

تقول هالة بركات إن العيش الأبيض كان الحال الوسط بين العيش البلدي الأسمر والعيش الأفرنجي الفينو، ﻷنه شكلًا يشبه الخبز البلدي بينما طعمه أقرب للخبز «الفينو». سعره أيضًا يقع في موقع ما بين الاثنين.

للعيش الأبيض خفته أيضًا، تقول بركات: «فكرة الخبز اللي من دقيق واحد ده دي حاجة جديدة جدًا، وهذا يختلف عما كان سائدًا في مصر من خبز العيش بمكونات متعددة، مثل البتاو فيه 3 أو 4 أنواع مختلفة للدقيق زي القمح والذرة والحلبة اللي بتمثل البروتين وإضافات أخرى، دي حاجة عظيمة».

صورة: روجيه أنيس

«البتاو» و«المرحرح» هما بمثابة العيش التقليدي في دلتا مصر وأريافها، وهي أصناف أكثر حداثة من العيش الشمسي المرتبط أكثر بصعيد مصر. تُصنع هذه الأصناف من الخبز من الذرة مخلوطة بمكونات أخرى مثل الحلبة ودقيق القمح، وهو يختلف كلية في الشكل عن الخبز الشمسي والبلدي، فهو رفيع أي غير منفوخ، وذلك لكونه لا يخضع لفترة تخمير طويلة تسمح بانتفاخه، ويُخلط دقيق الذرة بحبوب غذائية أخرى مثل الحلبة لتعويض غياب البروتين والفيتامينات المتوفرة في دقيق القمح. الذرة دخلت مصر منذ خمسمائة عام فقط بعد اكتشاف الأمريكيتين حيث ظهرت تلك النبتة هناك، تقول هالة.

مع الظروف الاقتصادية التي تطال غالبية المصريين من مئات السنين، اكتسب الخبز مكانته في مائدة المصريين، وأصبح الشغل الشاغل لهم، وظهر ذلك في ثقافتهم، في العديد من الأمثلة الشعبية مثل «إن صح العيش يبقى الباقي بشرَقَة» أي ترفا، ما يشير إلى ما يمثله الخبز من عنصر أساسي في موائد المصريين.  

ربما يعبّر خبز منطقة دلتا مصر الثري لما تشير له كل من ريم سعد وحبيب عايب في بحثهما عن النوع الاجتماعي والفقر والتنوع البيولوجي في مصر وتونس، والمنشور في 2009، حيث يريان أن في المجتمعات الزراعية، مسؤولية المرأة المزارعة في وضع طعام جيد ولذيذ على المائدة يساهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي، حيث تؤدي هذه المسؤولية إلى تنويع المحاصيل المزروعة.

لم تعرف منطقة الدلتا العيش الشمسي كونه يحتاج لشمس قوية صيفًا وشتاءً حتى تعمل الخميرة الطبيعية، إلا أنه من أقدم الأصناف في تاريخ ظهور الخبز، الذي يعود إلى 6000 عام في مصر، لاعتماده في النضج على التخمير الطبيعي بفعل الفطريات الموجودة في الهواء. يُخبز العيش الشمسي بوضع القليل من الدقيق مع المياه ويترك مُعرضًا للهواء والشمس التي تعمل على تنشيط عمل الفطريات، وبعد أن تظهر على السطح كرات هوائية. ما يدل على بدء عملية التخمير، تُضاف تلك الخميرة إلى الدقيق، وبعد العجن يتمّ الاحتفاظ بقطعة عجين صغيرة داخل جوال الدقيق كخميرة محفوظة تُستخدم في خبيز الأيام التالية.

وهكذا، بينما يسود العيش البلدي في مصر، إلا أن أصناف أخرى تنازعه الوجود في بعض المحافظات. ولكنه يستمر متوجًا في مخيلة المصريين.

الآن وبعد أن أصبحت اختيارات الخبز في متناول يدي بعد خروجي من بيت والدي، فاجأتني نصيحة طبيب الجهاز الهضمي بصحة حجة والدي الذي استخدمها في طفولتنا كون العيش الأسمر أو البلدي صحي أكثر فيما يخصّ عملية الهضم. يرجع الطبيب قيمة هذا الخبز إلى مكوّن الردة٬ وهي الطبقة الخارجية للقمح وتعرف أيضًا بالنخالة. تعتبر الردة الطبقة الداكنة التي تحتوي على المواد المفيدة مثل البروتينات والزيوت.

توضح هالة بركات أن فكرة فصل هذه الطبقة عن الدقيق ليس لغرض سوى أن يحصل على لونه الأبيض لاستخدامه في صناعة المخبوزات البيضاء مثل العيش «الفينو». وتضيف أن التوسع في فصل هذه المكونات يعود بالفائدة على المطاحن فتقوم ببيع كل منتج على حدةٍ؛ الدقيق بمفرده، والنخالة بمفردها، ومؤخرًا تمّ فصل جنين القمح أيضًا، وهو قلب حبة القمح التي تحتوي على أعلى مكونات غذائية، وأصبحت تلك الأجنة تُباع لتناولها كوجبة غذائية مُذابة في اللبن أو الزبادي ولكنها غالية الثمن.

صورة: روجيه أنيس

أما العيش البلدي فهو خبز الدولة «الرسمي»، ويرجح أن هذه العلاقة بدأت تترسخ منذ تولى محمد علي حكم مصر  في عام 1805، حين وضع يده على كل الأراضي الزراعية في مصر، وبالتالي أصبح مالك لكل المحاصيل، وبدأ في إعداد الحملات العسكرية لإرضاء طموحه التوسعي، والتي كانت بدورها تحتاج كميات كبيرة من المؤن، وهنا بدأت الدولة تضع يدها بشكل كبير على كل أدوات الإنتاج، ومما يدلل على ذلك قرار* محمد علي بعدم التعرض لطابونة (فرن) الشيخ عبد الشرقاوي أو البائعين التابعين له اكرام لمكانة الشيخ.  

العيش البلدي هو الخبز الذي قررت الدولة أن تدعمه لعقود عقب الحرب العالمية الأولى، وربما لعب ذلك دورًا في هيمنته على الذوق المصري في الخبز خاصة بعد تراجع الخبز داخل البيوت نظرًا لانشغال أهل البيت في العمل خارجه بسبب تحديات الوضع الاقتصادي. هكذا هيمن الخبز البلدي بالرغم من تفاوت جودته مع الوقت نظرًا لتعقيدات منظومة دعمه.

ووفرت الحكومة  الخبز المدعم بسعر نصف قرش للرغيف لفترة طويلة حتى يونيو 1980، ليرتفع بعد ذلك إلى قرش ويستقر عند هذا السعر في سبتمبر 1984، وفي أقل من أربعة أعوام ارتفع سعره مرة أخرى إلى قرشين، حتى وصل في عام 1988 إلى خمسة قروش، وظل سعره ثابتًا حتى الآن.

94 مليار رغيف مدعم تنتجه الدولة رسميًا اليوم وفق لإحصائية نشرها مجلس الوزراء، في يونيو 2018، على الصفحة الرسمية لمركز المعلومات واتخاذ القرار التابع له، بمقدار 48 قرشًا من قيمة تكلفة الرغيف وهو ما يمثل 91% من قيمته، ليصل دعم منظومة الخبز لـ 5.49 مليار جنيه سنويًا. يوثّق نفس مركز المعلومات في تقرير صادر في عام 2010، بأن 90 ٪ من الأُسر المصرية يستهلكون الخبز البلدي المدعم في غذائهم، وتعد النسبة الأكبر من مستهلكي الخبز المدعم في الوجه البحري، مقارنة بمحافظات الحضر والوجه القبلي. حينها، أوضح التقرير أن «المواطنين راضون جدًا، أو راضون الى حد ما» عن جودته.

هذا هو الخبز الذي دافع عنه مئات الآلاف عندما خرجوا للشوارع من شمال البلاد لجنوبها للتظاهر ضد رفع الحكومة لدعمه في عام 1977. وذلك في سياق التعامل مع ضغوط الدائنين من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي آنذاك. «ربط المتظاهرون جوعهم بصعود طبقة طفيلية، وسائلوا الانتصار الذي حققه الرئيس السابق أنور السادات واحتمى به في حرب 1973 قائلين: يا بطل العبور، فين الفطور؟» هكذا كتبت المؤرخة شيرين صيقلي عما عُرف بتظاهرات الخبز في مصر في 1977.

هذا هو الخبز الذي يدافع عنه أبي أيضًا حتى اليوم. «العيش البلدي المدعم ممتاز، ربما مش مطابق بالظبط لمعايير الجودة اللي الحكومة المفروض [إنها] حطاها، لكن ده حال كل حاجة في مصر مفيش حاجة بتتعمل بالظبط، لكن حتى لو فيه عيوب هيفضل أحسن من كل أنواع العيش اللي في السوق».

عن جودة العيش المدعم في مصر تقول هالة بركات: «هو بيختلف من مكان لمكان، ومن فرن لفرن خاصة المدعم. المفروض إنه 120 جرام ده وزن الرغيف، بس غالبية المخابز بتنصب على المواطنين والمواطنين عارفين ده طبعًا، وغالبًا بيكون الرغيف 100 جرام، أنا بنفسي مرة اخدته ووزنته وطلع 100 جرام».

لا نعرف إذا كان رضا وحب الكثيرين للخبز البلدي بالرغم من عيوبه التفافًا حول ما يوصفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بهيمنة الطبقات العُليا على مفهوم الذوق والتذوق وهو ما يعتبر نوع من أنواع العنف، لكن ما أعرفه، هو أن أبى يرجع حماسه للخبز البلدي إلى إمكانية إعادة تدويره بأكثر من طريقة؛ فـ «العيش البايت» يتحوّل لـ «العيش المقمر» [يتمّ تسخينه على لوح معدني فوق شعلة البوتاجاز حتى تحترق بعض أجزائه]، أو «المحمص» أي أن يُوضع داخل في فرن البوتوجاز ليتحوّل إلى عيش جاف يصلح أكثر لتناول الجبن والعسل وغيرها من صنوف الغموس اللين، كما يُمكن حفظه لفترة أطول بسبب تجفيفه.

* كتاب عبد الله عزباوي، المؤرخون والعلماء في مصر في القرن الثامن عشر ( الهيئة المصرية للكتاب)

اعلان
 
 
كارولين كامل