على هامش حديث الاستثناء حول خطة تعديل الدستور

متى لم تكن مصر في مرحلة استثنائية؟ كان هذا هو السؤال الذي تداعى إلى ذهني فور مشاهدتي لفيديو تمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد الزملاء من أساتذة العلوم السياسية متحدثًا عن ضرورة تعديل مُدد رئاسة الجمهورية في مصر ضمن عدد آخر من المواد المقترحة للتعديل الدستوري الذي يتوقع البعض أن يتمّ خلال العام المقبل، أو الذي يليه على أقصى تقدير.

أسس الزميل مقترحه على أن مصر تمرّ بأوضاع استثنائية انتقالية تأسيسية تحتم عليها أن تتعامل بشكل مختلف مع مُدد الفترات الرئاسية وتعديلها، لتصبح المدة الواحدة ست سنوات بدلًا من أربع، مع الإبقاء على الحد الأقصى للمُدد التي قد يقضيها رئيس الجمهورية في الحكم، وهما مدتين، فقط ليصبح الحد الأقصى للفترة التي يستطيع رئيس الجمهورية قضاءها في حكم مصر هو 12 سنة بدلًا من ثماني سنوات كما ينصّ دستور 2014 المعمول به حتى اللحظة.

ربما نختلف أو نتفق مع الفرضية التي تقول إن مدة الثمان سنوات كحد أقصى يقضيها رئيس الجمهورية في الحكم غير كافية في الحالة المصرية، لكن المهم في الحديث المذكور هو طرحه لفكرة ألا يتمّ احتساب المدة الحالية والسابقة لرئيس الجمهورية الحالي ضمن التعديل المقترح، وذلك على سبيل الاستثناء، بحيث ينطبق عليه التعديل بداية من عام 2022، وهو ما يعني إضافة إثني عشر عامًا محتملة للثمان سنوات الحالية، الأمر الذي قد يسمح لرئيس الجمهورية الحالي بالبقاء في السلطة حتى عام 2034 بإجمالي 20 عامًا.

أكثر ما أزعجني في «حديث الزميل» ثلاث نقاط أساسية: الأولى هي حديث الاستثناء؛ والثانية هو حديثه عن أن «بطن البلد مفتوحة» في إشارة إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي ولا يمكن أن تتمّ بدونه بحسب رأي الزميل؛ وأخيرًا إشارته إلى التجارب التنموية وكأنها بدائل للتجارب الديمقراطية (إما ديمقراطية أو تنموية)؛ وهى كلها أمور أود هنا الاشتباك مع محتواها بعيدًا عن شخصتنها، لأن الأمر لم يتوقف، ولن يتوقف عند الأستاذ المذكور، ولكنه امتد خلال الأيام الماضية كي يتردد بواسطة العديد من الإعلاميين وقادة الرأي والفكر؛ بل وكرر البابا تواضروس كلامًا مشابهًا في أحد أحاديثه الإعلامية الأخيرة، مما يستدعى اشتباكًا فوريًا مع مضامين هذه الحجج.

أولًا- الاستثناء: أعود لأكرر السؤال الذي بدأتُ به المقال وهو متى لم تكن مصر في حالة استثناء؟ الحقيقة أن مصر الجمهورية على أقل تقدير لم تعرف وخلال عمرها الذي تخطى الـ 65 عامًا سوى الاستثناء تشريعًا وسياسة وخطابًا رسميًا للسلطة. لم تكن الفترة القصيرة التي قضاها الرئيس نجيب في السلطة بعد ثورة يوليو سوى استثناءً انتهى بإزاحته عن الحكم. ولم تكن السنوات الست عشرة التي قضاها الرئيس عبد الناصر في حكم مصر كافية لتحقيق الاستقرار المنشود، فدخلت مصر في عدة حروب ومغامرات إقليمية أنهت المشروع الناصري عمليًا في 1967، وبعدها بثلاث سنوات لم يغادر عبد الناصر السلطة سوى محمولًا على خشبة الموتى. لم تكن سنوات الرئيس السادات بأفضل حالًا رغم خياره الاستراتيجي بالاتجاه غربًا وتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل فيما سميت بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والتي في الواقع لم تتسبب سوى في المزيد من الاضطرابات الداخلية. ولم يغادر هو الآخر السلطة سوى محمولًا على خشبة الموتى، بعد اغتياله الدرامي في ذكرى نصر أكتوبر عام 1981.

ولم تساعد سنوات مبارك الـ 30 في السلطة على تحقيق أي استقرار دائم وبقيت مصر في مرحلة الاستثناء رغم سياساته الأكثر محافظة وخطواته المحسوبة والأقل مغامرة مقارنة بالرئيسين ناصر والسادات. فلم يحكم مبارك سوى بقانون الطوارئ تحت دعوى الاستثناء، ولم يغادر السلطة إلا مضطرًا بعد ثورة يناير 2011 على النحو الذي نعرفه جميعًا.

بعبارة أخرى، فإن حديث الاستثناء كمبرر لبقاء الرؤساء في الحكم هو حديث غير دقيق ومردود عليه بأن مصر لم تبارح أبدًا عصور الاستثناء منذ تحوّلها إلى دولة جمهورية. فالاستثناء هو الأصل، وليس الاستقرار كما يعتقد البعض. والأهم أن طول فترة الرؤساء في الحكم لم ينهِ حالة الاستثناء هذه أبدًا، بل إن العكس هو الصحيح، فاستمرار رؤساء مصر في سدة الحكم لفترات أطول لم يكن إلا تعضيدًا لحديث الاستثناء كمبرر للتحكم والتسلط، ومن ثم الاستمرار في الحكم مدى الحياة، ولنا في ناصر والسادات ومبارك عبرة.

ثانيًا- عن بطن البلد المفتوحة: هل يستحيل أن تكتمل المشروعات القائمة حاليًا في مصر دون أن يبقى الرئيس الحالي في السلطة؟ لو صح هذا الكلام فهذا أمر غير مبشر بالمرة. أولًا لأن هذا يعني أن مصدر التنمية في البلاد هو الرئيس بشخصه لا بمنصبه، وهو أمر لو سلمنا بصحته فإنه سيعيدنا عقودًا إلى الوراء لأن مصر واستقرارها وأمنها وتنميتها سيكونون مرهونين بوجود شخص الرئيس في السلطة، وإن غاب الأخير عن المشهد لأي سبب تعرّضت البلاد بأسرها لاضطرابات وربما نزاعات، وهي كلها أمور تتعارض مع فكرة دولة «المؤسسات» التي يفترض -نظريًا- أننا نعيش في كنفها. وثانيًا فإن هذا يتعارض أصلًا مع فكرة التنمية والتي يفترض أنها عملية «تمكين» بالأساس وليست عملية «احتكار».

إن ربط مشروعات التنمية وأمن واستقرار البلاد بوجود الرئيس -أي رئيس- هو منتهى التلاعب بأمن واستقرار ومستقبل هذه البلاد؛ كما أن هذا يعني ببساطة أن الرئيس سيبقى في الحكم مدى الحياة لأن من غير المتخيّل مثلًا أن يتخلى عن مشروعاته التنموية في السنوات الأخيرة من حكمه حتى يتمكن من المغادرة دون أن يكون استكمال هذه المشروعات رهن باستمراره في الحكم، وهو ما يعني ببساطة أن المنطق المطروح مغلوط، لأنه ليس أكثر من تمهيد لحكم مطلق سلطوي مستمر مدى الحياة.

ثالثًا- بين الديمقراطية والتنمية: صحيح أن هناك تجارب تنموية نجحت دون اتباع نموذج الديمقراطية الغربية، لكن الحقيقة أيضًا أن الشمولية المطلقة ضربت مشاريع التنمية في الكثير من أرجاء المعمورة. ويمكن القول إنه بينما لا يشترط اتباع نموذج الديمقراطية الغربية كشرط للتنمية، فإنه وبدون قواعد الحكم الرشيد ومحاولة ضبط السلطة المطلقة فإن هذه التنمية تكون في مهب الريح.

إذًا فما يضمن عملية استمرار التنمية أو الإصلاح ليس بقاء الرئيس في منصبه لفترات أطول، ولكنه توافر عناصر الحكم الرشيد من مساءلة وتمثيل نيابي ومحاسبة شعبية؛ بل والملاحظ هنا أنه حتى الصين التي عادة ما يضرب بها المثل للمقاربة مع الحالة المصرية (التنمية غير المرتبطة بالديمقراطية) لم تتمكن من الخروج من «مأزق ماو» – والذى تمثل في تعطل عجلة التنمية والتغيير بسبب مساوئ الثورة الثقافية التي قام بها الأخير ليتربع على عرش البلاد- سوى بعد وفاته واعتماد -صدق أو لا تصدق- الحزب الشيوعي الصيني تعديلات دستورية لا تسمح للرئيس بالتواجد في السلطة سوى لفترتين متتاليتين مدة كل منهما خمس سنوات!

نعم، هذا حدث في الصين، النموذج الذي لا يحلو سوى لمُنظِّري السلطوية في مصر الاستعانة به لتبرير نموذج السلطوية التنموية، وكان هذا بمثابة البداية الحقيقية  لتغييرات كبيرة في الحالة التنموية الصينية مع صعود نجم دنج شاو بنج، وما تلاه من رؤساء. وحينما أقدم الرئيس «شي» على تغيير الدستور مجددًا في عام 2017 ليتخلص من قيود ترشحه لأكثر من فترتين في رئاسة البلاد كان أشد تخوف أبداه المتابعون للشأن الصيني هو العودة إلى معضلة «ماو»، أي معادلة «رئيس ضخم، تغيرات ضئيلة»، بالإضافة إلى تنمية معطلة نتيجة لضخامة سلطاته وصلاحيته التي لن تمكن أبدًا منازعتها بعد فترة من الزمن.

كما أن نماذج التنمية الناجحة نسبيًا في الدول القريبة منّا في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ارتهنت بتحديد مُدد الرئاسة وليس إطلاقها كما يعتقد ويروج البعض! فدول مثل البرازيل والأرجنتين اللتين خرجتا من حكم عسكري امتد لسنوات في السبعينيات والثمانينات فرضتا فترتين رئاسيتين على شاغل منصب الرئيس مدة كلا منهما أربع سنوات، ولم يكن هذا سوى بداية تغيير حقيقي في البلاد. بل إن نموذج كوريا الجنوبية ولمزيد من الحيطة والحذر لا يسمح لرئيس الجمهورية سوى بالبقاء في السلطة لمُدة واحدة تستمر لخمس سنوات، وكذا النموذج في تشيلي والذي لا يسمح للرئيس سوى بالبقاء في السلطة لمدة أربع سنوات دون أية إمكانية للمدّ أو إعادة الترشح. والحال والملاحظ أن نماذج التنمية في هذه الدول المذكورة لم تتأثر سلبًا بعملية الديموقراطية ولا بمغادرة رؤساء هذه الدول للمنصب.

اعلان
 
 
أحمد عبد ربه