«وقفة فلادلفيا»: من «المحاسبة المجتمعية» إلى «العدالة التحويلية»
عن تطور التعامل مع حالات الاعتداء الجنسي
 
 
 
المصدر: نورا كمال
 

نشأت مجموعتا «فلادلفيا غاضبة» و«وقفة فلادلفيا» لمعالجة وقائع اعتداء جنسي متتالية عصفت بوسط موسيقى «البَنك التحرري anarcho-punk» في أثناء مهرجان صيفي في فلادلفيا عام 2004، وكانت كلتاهما تعبيرًا عن طبيعة جماعة بشرية تعتنق أفكارًا تحررية، وتميل إلى الاستغناء عن المؤسسات والاعتماد على العمل الأهلي التعاوني، وتلجأ عادةً إلى التنظيم السياسي في أوقات الحاجة وخصوصًا في الأزمات. تغيّرت ملامح جماعتنا منذ تلك الأيام، لكن مجموعة «وقفة فلادلفيا» تعلمت دروسًا قيّمة من نشاطها العملي الذي امتد -تقريبًا- لعقد من الزمان في معالجة حالات الاعتداء الجنسي واشتباكها المباشر مع مرتكبي الأذى. إن منظمتنا تجاهد عقليات الثنائيات متضادة الطرفين في هذا العمل، وتوازن في ذلك بين التنظيم الواسع الممتد إلى كل أنحاء البلد وبين التثقيف المحلي والعمل المجتمعي لمناهضة العنف. هذه الكتابة عن حكاية رحلتنا وتحوّلاتنا التنظيمية والدروس التي تعلمناها والنهج السياسي الذي توصلنا إليه من خلال هذا العمل التنظيمي.*

الجذور والتحول

كانت المجموعتان، «غاضبة» و«وقفة»، في أولهما مجموعتين تعاونيتين أنشأهما متطوعون تحرريون من وسط موسيقى «البَنك»، وكانت أعمارهم تتراوح بين العشرين والأربعين، وجميعهم تقريبًا من البيض من أصحاب الهوية الجندرية المعيارية cisgender**، ومعظمهم من مغايري الميول الجنسية، وبعضهم من أصحاب الهوية الكويرية [نسبة لـ queer]. وجاءت نشأتهما بعد أن فاض الكيل ببعض أفراد الوسط -ممَن تعرضوا لاعتداءات أو شهدوا اعتداءات في ذلك الصيف، أو في أوقات أخرى من حيواتهم- وتملكهم الغضب، فقرروا أن ينهضوا وينظموا أنفسهم.

المجموعة الأولى، «غاضبة»، كانت للنساء؛ فقد كانت في بدء تنظيمها ترى النساء فئةً تُستهدف بالاعتداء الجنسي أكثر من غيرها، وعليه فإن النساء -وهن الناجيات اللواتي تعرضن إلى مثل هذا العنف- أقدر الناس على تقديم الدعم العاطفي والنفسي والقانوني، وغير ذلك من صُور الدعم. كانت النسوة اللواتي أسسن المجموعة متمرسات -كغيرهن من النساء في أوساط ومجتمعات أخرى- في دعم الصديقات والقريبات في تجاوز صدمات الاعتداء الجنسي من واقع تجاربهن الحياتية، لكن الكيل فاض بهن، فاعتزمن الاجتماع ومباشرة ذلك العمل بصورة منظمة.

لم تلبث مجموعة «غاضبة» بعد تأسيسها حتى أتى رد الرجال؛ إذ أدركوا ما عليهم، فكوّنوا مجموعة تعاونية ثانية؛ «وقفة»، والتي كانت مكمّلة للأولى، وغرضها أن تتولى معاملة الرجال الذين ارتكبوا اعتداءات جنسية. كان المجتمع «الكويري» في فلادلفيا الغربية مجتمعًا عفيًا مفعمًا بالحياة عام 2004، وكان بعض أفراده منخرطين في العمل في هاتين المجموعتين، لكن ذلك التقسيم الجندري الثنائي التقليدي لم يلق نقدًا إلا بعد مرور أشهر عدة. وقد أتى التغيير من ناحية مجموعة «وقفة» حين جاءت مسائل المحاسبة الداخلية بفرصة للتحول الراديكالي.

في شهر أكتوبر من عام 2004 انتحت إحدى عضوات «غاضبة» جانبًا بواحد من أعضاء «وقفة» الأوائل القلائل، وأسرّت إليه بأن أحد زملائه [فلنسمّه تشارلي] قد ارتكب اعتداءً جنسيًا في حق ناجية كانت مجموعتها تعمل معها، دون أن تفصح عن هوية الناجية، وأوعزت إليه بضرورة إثارة المسألة في لقاء «وقفة» الشهري الذي كان موعده في وقت لاحق من ذلك الأسبوع. تشارلي شخص رفيع المكانة في وسط موسيقى «البَنك»، محبوب بين التحرريين. حين أُثيرت المسألة في الاجتماع نفى تشارلي نفيًا قاطعًا أن يكون ارتكب مثل ذلك الفعل، وأكد مرارًا على استحالة ذلك، فأمّن الحشد  -المكوّن من ثلاثين رجلاً تقريبًا- على قوله وآمنوا به إيمانًا مطلقًا. ولما كان تشارلي رجلًا طيب الخصال حسن السمعة فقد كان الإصرار على مناقشة المسألة مضيعة للوقت.

لم يخرج عن الإجماع إلا رجلان. لم يكن بين الجمع مَن يعرف بوجود خلفية للمسألة، غير أنهم لم يأبهوا لذلك. كانت غاية مجموعة «وقفة» التي خُلقت لها أن تنظر في وقائع الاعتداء الجنسي وتحاسب مرتكبيها، لكن التغاضي عن الاعتداء الجنسي ظل سُّنةً وواقعًا معتادًا في أوساط البَنك التحررية رغم التغييرات.

هذه العلاقات الحركية ذات الطابع الجندري، التي تحكمها تقسيمات الجندر وقواعده، أعادت إنتاج الأوضاع المعهودة في مجموعات الرجال، حيث يفزعون لحماية بعضهم بعضًا، ويتهافتون لإظهار ولائهم لذوي الحيثية والمنزلة العالية منهم. فعلامات السلوك الأبوي الذكوري التي نعرفها لم تخفت في مجموعات العمل السياسي الأهلية؛ بل إن هياكل الجماعات المنظَّمة والعلاقات الوثيقة التي تتشكل في جنباتها المنعزلة توشك أن تخرج ما بَطَنَ من تصريحات الفوقية الذكورية، وأداءاتها الاجتماعية الخادعة إلى العلن.

كان أسلوب توافُق الآراء أسلوب اتخاذ القرارات الأساسي عند «وقفة»، وبانتفاء الإجماع الكلي على تجاهل الواقعة و«الاتهام» الموجه إلى تشارلي كانت المجموعة ملزمة بأن تبدأ عملية محاسبة مجتمعية، لكن وقت الاجتماع نفد، فحددت المجموعة موعدًا لاجتماع شهر نوفمبر. لم يحضر في ذلك الموعد إلا شخصان، لكنهما عقدا الاجتماع رغم ذلك بصفتهما قوام المجموعة، ثم عقدا اجتماعًا آخر بعده بأسبوع حضره معهما عضو جديد. وحين حلّ شهر ديسمبر كانت المجموعة قد ضمت إليها ثلاثة أشخاص آخرين. منذ ذلك الحين ظلت «وقفة» مجموعة تعاونية صغيرة شبه مغلقة، أعضاؤها منظِّمون مخلصون لا يرون في المكانة الاجتماعية ما يجعل صاحبها فوق العتاب أو الحساب.

تجديد بناء وتطور «أركان»

صارت المجموعة -التي كانت في سابقها خليطًا من الرجال الغيريين والرجال المثليين الذين يخفون ميولهم closeted- بنيانًا ملتحمًا قوامه من الكويريين وغير المنصاعين للتنميط الجندري gender non-conforming المحتفين بهوياتهم علنًا، ولم تعد عضويتها كلها من البِيض كما كانت منذ بدئها. أصبحت «وقفة» مجموعة تعاونية شبه مفتوحة؛ فالحصول على عضويتها يستلزم موافقة أعضائها، لكن لأيٍّ شخص كان أن يطلب هذه المزيَّة.

في أول نشأتهما كانت المجموعتان تتخذان قراراتهما  -كلٌ على حدة- بأساليب لا تكلُّف فيها، وتستند إلى مبدأ توافق الآراء، وكانتا مجموعتين مفتوحتين، إذ يكتسب كل مَن حضر اجتماعًا «عضوية» المجموعة التي حضر اجتماعها بمجرد حضوره. واتخذت كل منهما «الأركان» التي تجمع شمل أعضائها Points of Unity، وهي مبادئ واضحة يتفقون عليها ويقبلون بها، تحكم عملهم، وتكون أساسًا ومرجعًا لنشاطهم، وقد دأبت كل مجموعة على تعديل «أركانها» كي تُجاري الأفكار والنهج السياسي الذي تتبناه حركتنا الوليدة وأعضاؤها في تغيُّرها وتطوُّرها، وإلى تلك الأركان يعود فضل كبير في صمود المجموعتين؛ فإذ إن نشاطنا كثيره مع رجال ارتكبوا أفعالًا مؤذية، فلا بد إذن لأعضائنا من أن يشكِّلوا  -معًا- تحليلًا دقيقًا للنظام الأبوي الذكوري ويتوافقوا عليه، ثم يستحضروه عند تناول الصراعات مع ما يتكشَّف في أثناء العمل مما استبطنته أطراف عمليات المحاسبة من قناعات الفوقية الذكورية.

تُعرض «الأركان» هذه على كل عضو وافد ليطَّلع عليها قبل انضمامه إلى المجموعة، فإما أن يؤمِّن على الأفكار والنهج السياسي المنصوص عليهما فيها، وإما أن يتقدّم باقتراحات لتعديلها وتحسينها. ونحن نرى في التصريح بالاختلاف استحثاثًا للمجموعة كلها يشحذها ويحسنها؛ فقد نبهنا واحد من الاقتراحات مثلًا إلى أن الاعتداءات الجنسية لا تقع على النساء حصرًا، بل إن الناس أجمعين -على اختلاف أنواعهم الاجتماعية وهوياتهم الجنسية وغير ذلك من التصنيفات- معرضون لها، وكذلك فإنه ما للمعتدين من تصنيف واحد مشترك بينهم. أُضيف إلى ذلك أن بعض الأعضاء، ومنهم رجال من أصحاب الهوية الجندرية المعيارية، أسرّوا إلى المجموعة بأنهم قد تعرّضوا لاعتداءات جنسية – وعليه تخلَّت «وقفة» رسميًا عن شخصية «مجموعة الرجال»، وفتحت ذراعيها لكل مَن أراد الالتحاق بها والعمل مع مرتكبي الأذى أيًا كان نوعه الاجتماعي. من هنا اكتسبنا تنوعًا جندريًا وثقافيًا جعلَنا أقدر على الوصول إلى جمهور أوسع من الأشخاص والجماعات والمجتمعات التي ارتأينا أننا مؤهلون للعمل معها، فتَعزَّز بذلك نشاطنا.

وإذ كانت جهودنا التنظيمية مركزةً على مناهضة الاعتداء الجنسي، فقد تكلمنا في ضرورة أن يفهم رفاقنا تداخل أنظمة القهر وترابطها، وفي أنَّ نجاعة العمل تستلزم أن يعتمدوا تحليلًا متماسكًا لتلك الأنظمة، وفي القلب منها: العلاقات الحركية التي تصوغها العنصرية والطبقية، والتمييز على أساس الجنس أو المقدرة الجسمانية أو وضع المواطَنة / الإقامة، واحتقار المثليات/ين والعابرات/ين جنسيًا، وما إلى ذلك من أنظمة القهر. لم تلبث «غاضبة» حتى شهدت تغيُّرًا مثيلًا، فاتسعت جهودها التنظيمية حتى تضم أعضاءً من شتى الأنواع الاجتماعية بين صفوفها، وقد عزز ذلك من مقدرتها على العمل مع الناجين من أصحاب مختلَف الهويات الجندرية. وبمرور الزمن صار أعضاء «غاضبة» و«وقفة» يتنقلون بين المجموعتين التعاونيتين بسلاسة؛ فكلما شقَّ على أحدهم عمل مجموعته انتقل إلى الأخرى، وإن رأى بعضهم في المجموعة المقابلة ما يلبي حاجته فلا حرج عليه إن لحق بها.

حتى العلاقة بين المجموعتين تغيّرت بمرور الزمن. في سنتهما الأولى كانت المحاسبة حقًا لـ «غاضبة» على «وقفة»، فكانت أُخراهما تعرض على أُولاهما شؤونها العملية ومستجدات النشاط، وتتلقى منها التكليفات، وتسترشد بها وتنصاع إلى توجيهاتها في صوغ أركانها، وتتخذ من الناجية بوصلةً لها حتى فيما هو في صُلب عمليات المحاسبة المجتمعية. أما المحاسبة فكانت تعني «العقاب»، وظل الحال على ذلك بضع سنين، فانتهجت أساليب انتقامية في مواجهة الجُناة الذين يرفضون التعاون، مثل حملات الوصم التي كانت تشنها بمنشورات ورقية تخبر الناس بما فعله الجاني وتحذرهم منه، ومثل أعمال العنف التي كانت تُرتكب بمباركة [الحركة].

لكن هذا الحال لم يدم، فقد وجد أعضاء الحركة في أنفسهم شيئًا من شكل العلاقة بين المجموعتين، ولم يعد أعضاء «غاضبة» راضين عن نهج النكاية والانتقام. اتفقنا جميعًا على أن استقلال كل من المجموعتين بقرارها وحظوتها بالاحترام شرط أساسي لفاعليتها ونجاعة جهدها، وأن هذا لن يتحقق ما دامت «وقفة» مذعنة لـ «غاضبة» طوع يديها، إذ إن هذه الصيغة كانت تستنزف الطاقات، بدلًا من الحفاظ عليها وإثرائها، وتُنبِت بين المجموعتين الشك، بدلًا من الود والبَذل.

في الوقت نفسه، كانت «وقفة» مخلصةً في أداء عملها، مضطلعةً بمعاملة المعتدين، جاعلةً من نفسها فاصلًا بين «غاضبة» وبين «الأشقياء» [وهو الوصف الذي يطلقه بعض أعضائها] في وسطنا، فكان ذلك باعثًا على الطمأنينة، ويسَّر انتقال زمام أمور «وقفة» إلى أيدي أصحابها، ثم استقلالها الكامل [الذي ظلت المجموعتان بعده مرتبطتين ارتباطًا وثيقًا]. هذا التقسيم  -الذي ولد بشيء من العفوية- حقق عزلًا مطلوبًا بين أعضاء «غاضبة» وبين المتسببين في الأذى، ورفع حمل تعقُّب المعتدين، فتسنى لهم أن يعكفوا على نشاطهم التنظيمي وعلى تطييب جراحهم، وجراح الناجين والعمل من أجل تعافيهم.

ما آلت إليه الحركة والجماعة

كان لتغيير النهج السياسي والعلاقات الحركية أثر طيب على «غاضبة»، لكنه لم يكن كافيًا لتفادي انهاك أعضائها وتمكينها من مواصلة العمل، فتناقص عددهم حتى ناء القلائل الباقون بحِملهم. حُلَّت مجموعة «فلادلفيا غاضبة» التعاونية عام 2008 بعد أربع سنوات من النشاط التنظيمي، لكن إرثها بائن في وسط «البَنك» التحرري في فلادلفيا الغربية، إذ أضحى منظور قضايا الاعتداء الجنسي عند هذا الوسط مركبًا متطورًا وفهمه إياها دقيقًا. هذا ما حصدته الجماعة والمجتمع من مجهودات «غاضبة» و«وقفة».

قوام «وقفة» -التي ظلت مجموعة أهلية تعاونية تطوعية غير مسجلة قانونيًا- بين أربعة وبين ثمانية أشخاص، وهي تسعى إلى ابتكار أساليب مجتمعية لتناول الاعتداءات الجنسية بالانخراط في العمل مع المتسببين بالأذى، وتضع احتياجات الناجين الذين تعرضوا للاعتداء أولوية لها في جهودها التنظيمية، فأعضاؤها يصدقونهم ويدعمونهم ويبذلون ما في وسعهم لمساعدتهم على استعادة قوتهم. تلتقي «وقفة» بالمتسببين في الأذى، وتبذل معهم جهدًا في محاولة فهم سلوكهم وتغييره. توجه المجموعة جزءًا كبيرًا من طاقتها إلى تثقيف عموم الناس، وهدفها في ذلك منع وقوع الاعتداءات في المستقبل، وتعزيز ثقافة الوعي والرشد في التعاملات الجنسية، والتعاون مع الجهود الرامية إلى إلغاء السجون. تغيّرت الملامح الديمغرافية للمجموعة بمرور السنين، لكن جميع الأعضاء مقيمون في فلادلفيا الغربية ويعملون فيها، ولهم صلة وثيقة بأوساط «الكويريين» والعابرين جنسيًا وغير المنصاعين للتنميط الجندري ممَن لهم توجهات يسارية صريحة. كلنا في العشرينات أو الثلاثينات من أعمارنا، ونوظف جهودنا التنظيمية في العمل مع الشباب والشيوخ وتقديم الدعم إلى الأمهات والآباء.

لا يتقاضى أحد على هذا العمل أجرًا، ونقوم به عادةً في اجتماعات لا تزيد مدة الواحد منها على ساعتين، وقد يُضاف لها جلسات عمل خاصة أو لقاءات ترفيهية. نواظب على التثقيف الذاتي، ونخصص من كل أربعة اجتماعات واحدًا لدراسة ما نواجهه من أسئلة صعبة أو قضايا شائكة، أو لتنقيح تحليلاتنا وإحكامها، أو لإثراء معارفنا. قلب المجموعة الأساسي قوامه خمسة أو ستة أشخاص، تدعمهم دوائر الأعضاء السابقين والمتدربين والحلفاء برعاية أطفالهم مثلًا أو تقديم المساعدة التقنية أو حتى الانخراط في العمل مع المتسببين في الأذى، ورغم أن عدد الناشطين في هذه الدوائر الخارجية لا يتجاوز عدد أعضاء المجموعة الأساسيين فإن المجموعة لا غنى لها عنهم.

نحن أصدقاء قبل كل شيء، وحتى حين نضم عضوًا جديدًا إلى قلب المجموعة الأساسي ونستوعبه تولد بيننا وبينه صحبة حميمة بفضل الثقة والعشرة التي يستلزمها هذا العمل. يشعر كل منّا بأنه مسؤول أمام الآخرين؛ فنُحسن أداء مهامنا وأعمالنا اللوجستية، ونصون ولاءنا السياسي، ونحرص على تمثيل نشاطنا وفلسفتنا، ونحمي سمعتنا ونحفظها. وسمعتنا هي التي تفتح لنا سبيلًا إلى المتسببين بالأذى وتحملهم على التعاون معنا، وهي التي تُكسبنا ثقة الناجين في قدرتنا على جعل مسيرة التعافي مسيرة تصالحية.

من الأساليب التصالحية إلى التغيير الجذري

إن معالجة الوقائع المنفردة شأن عويص، لكن «وقفة» و«غاضبة» كانتا تعقدان مناقشات دورية ندرس فيها فلسفات العدالة البديلة، ونفكر في أساليب عملنا وجدواها، وموقعها من أُطر العدالة، والأنظمة والممارسات التي ابتكرتها جماعات ومجتمعات أخرى في مساعيها للتدبر في الجراح وخوض مسيرات التعافي والمحاسبة.

في شتاء عام 2006 عرّفنا أحد الأعضاء على مفهوم «العدالة التصالحية» restorative justice***. استمالت الفكرة كلتي المجموعتين وأثارت اهتمامنا – وقرأنا عنها بشراهة- ثم صرنا نفتح مناقشات خلّاقة في اجتماعاتنا الأسبوعية، ونخرج منها بأفكار جديدة. ونعقد لقاءات مشتركة بين المجموعتين نعمل فيها على صياغة تحليلاتنا. وجدنا أدبيات العدالة التصالحية تجزم بأن الاعتداء الجنسي من الأنواع القليلة من الوقائع التي لم تصلح فيها العدالة التصالحية، وناقشنا هذا الزعم عدة مرات، وتشككنا فيه وبحثناه، وتساءلنا عن سبب استثناء الاعتداء الجنسي من أسلوب يبدو لنا مناسبًا.

كان أعظم ما استفدناه من مفهوم «العدالة التصالحية» توكيده على صواب منهجنا في العمل مع المتسببين في الأذى؛ فبدلًا من نبذهم واعتزالهم نحن نرى أنهم أشخاص لهم طبيعة مركبة، أعضاء في جماعتنا ومجتمعنا، لهم فيهما أحبة وأصحاب، ويستحقون أن يظلوا جزءًا منا. هذه الصياغة -في جزء منها- تعمِّم بيننا قناعة بأن آثار وقائع العنف الجنسي تلحق بالكل؛ بالناجي وبالمعتدي وبمحيطهما، وعليه فكلنا في حاجة إلى التعافي منها، ولكل منّا دور يؤديه في محاسبة الشخص الذي تسبب في الأذى، وفي رأب الصدع واستعادة ثقتنا فيه التي وهنت من جراء سلوكه. أما أوضح الاختلافات بين منهجنا وبين أسلوب «العدالة التصالحية» المعهود فكان في أننا لا نحمل الناجي على لقاء الشخص الذي تسبب في الأذى، إذ إن ذلك لا يأتي بخير إذا حدث في أعقاب حالة اعتداء جنسي، بل يؤدي إلى تعميق الصدمة والجروح.

قررنا أن نتجاوز مواطن القصور في العدالة التصالحية ونصرف انتباهنا إلى مبدئها الأساسي: آثار هذه الوقائع تلحق بنا أجمعين، وكلنا محتاجون إلى التعافي، ولكل منّا دور في إعادة جماعتنا إلى طبيعتها وسابق عهدها، لكن ما الذي ننشد العودة إليه في آخر هذه المسيرة؟ هل ستفضي بنا هذه الجهود إلى بناء عالم إشكالي موبوء كسابقه بالأبوية، والعنصرية، واحتقار المثليين والبدناء، ووصم المثليات/ين بـ «الشذوذ»، والتمييز على أساس المقدرة الجسمانية، والوجل و«انعدام الاطمئنان الداخلي»، والقلق، والاكتئاب، وغير ذلك مما أسهم بدءًا في وقوع العنف الجنسي وانتشاره؟ إن كان الاعتداء الجنسي مصيبة تمزق جَمْعنا فكيف نجعل علاجها فرصة إذا اغتنمناها اقتربنا من هدفنا: عالم تسوده العدالة الاجتماعية والاقتصادية؟

لاحظ أعضاء «وقفة» أيضًا أن آليات المحاسبة تغيّرما بأنفس الأفراد.

فمن علامات الاعتداء الجنسي أنه لا يترك فينا شيئًا على حاله، وأن آثاره لا تُمحى، حتى إن أقرّ الشخص المتسبب في الأذى -من تلقاء نفسه- بذنبه وبمسؤوليته الخالصة عنه، وبادر بمساءلة ذاته وامتحانها، وتأمّل أُطر التحليل عنده وعلاقاته بالآخرين. أما المحاسبة المجتمعية فتُحدث تغييرًا جذريًا في نفس مَن يقطع الطريق إلى آخره؛ إذ تجعله يرى واقعة الاعتداء بوضوح ويفهمها، فيحسّن سلوكه وعلاقاته.

اختصارًا أقول إن جهودنا الرامية إلى العدالة أسفرت عن تحوُّل جذري؛ فقد انطلقنا بعد ذلك نبحث فيما أنجزته المنظمات التي تتزعمها نساء ملونات وأشخاص «كويريون» وأشخاص غير منصاعين للتنميط الجندري في استكشاف إطار «العدالة التحويلية» transformative justice ونشره، وبهذه المعارف سكن أخيرًا الارتباك الذي تملّكنا منذ أن شرعنا في تفحص عملنا وإعادة النظر فيه ومحاولة تطعيم عملنا التنظيمي بأسلوب «العدالة التصالحية». وجدنا في نظام العدالة التحويلية أيضًا؛ مفهومًا عاملًا يربط شغلنا في مجال الاعتداء الجنسي ربطًا مباشرًا بغيره من القضايا والتوجهات السياسية الحاضرة في حيواتنا كالعدالة الاقتصادية، والصحة النفسية الراديكالية، وبالقضية الأقرب إلى نشاطنا: إلغاء السجون. إن اعتماد العدالة التحويلية إطارًا لعملنا يجعلنا نرى أنظمة القهر التي تدفع إلى الاعتداء الجنسي [كالعنصرية، والفوقية الذكورية، والرأسمالية، وتحالف نظام السجون وصناعتها prison-industrial complex] ونبصر دورها. وفي ذلك أيضًا لا نحصر ذنب الاعتداء عند المعتدي وحده ونبرئ غيره، بل نسائل أنفسنا عما بذلت جماعتنا من جهد كي تجعل «أحيازنا المجتمعية» آمنة، أو كي تجعل فيما بيننا تفاهمًا ثقافيًا ناجعًا فيما يخصّ الاحتياجات والرغبات الجنسية وما لا ينبغي تجاوزه في ذلك من حدود.

لم نعد نسعى إلى إعادة جماعتنا إلى سابق عهدها، بل صرنا نستغل الفُرص ونوظف التنظيم المجتمعي لدفع الظلم الذي أنزلته بنا الرأسمالية والدولة، ومن صوره: العنف بين الشركاء الأحمَّاء، والانتهاك الجنسي للأطفال، والاغتصاب، والعنف ذو الطابع الجنسي بين المسجونين، والطيف الواسع من أنواع السلوك التي قد يُنظر إليها بوصفها اعتداءات جنسية،كل هذه أمثلة يمكن فيها مقاومة رأس المال والدولة، وتغيير الجماعات والمجتمعات والأفراد تغييرًا جذريًا.

نحو ثقافة «الرفق بالنفس»

إن السعي إلى المحاسبة المجتمعية في وقائع الاعتداء الجنسي عمل شاق مُضنٍ، يثبط العزائم أحيانًا، ويبعث الخوف في النفس، ويثير فيها الشك والوجل، وينزع منها اطمئنانها الداخلي، ويُحيي ليل صاحبه بالكوابيس، ويملأ قلبه بالوحشة. لكن نشاط «وقفة» ومسيرتها لا تدومان إلا بسلامتنا جمعًا وأفرادًا، وإن أردنا أن نطيق ذلك كله ونثابر في عملنا التنظيمي فلا غنى لنا عن التعبير الصادق عن احتياجاتنا، وعليه فقد تعاهدنا على الرفق بالنفس ووضع العناية بها موضع الأولوية، وألزمنا أنفسنا بقواعد أساسية تمنح كل من في المجموعة ما يطلبه من دعم، وتزيد جمعنا قوة وصلابة.

ينطوي عمل «وقفة» في كثير منه على معالجة الأزمات، لكن لا يصح أن تكون بيئة عملها مأزومة. إننا نعرف أن استبطان الهلع من شأنه أن يجعلنا نرزح تحت ثقله عاجزين، ولذلك فإننا نتخذ في بناء حركتنا وتيرة هادئة منتظمة نحمي بها أنفسنا من الاستنزاف والإنهاك، ونواظب على الانشغال بجهود أخرى خارج «وقفة» كي لا تصبح هي شغلنا الشاغل، بل إننا نحث بعضنًا بعضًا على ممارسة الأنشطة الحياتية والترفيهية التي يحبها كل منّا. ونعرف أيضًا أن طاقتنا محدودة، وأنه لا ينبغي لأي مجموعة أن تضطلع بأكثر مما تطيق أن تواظب على حمله، ولذلك فإننا نذكر أنفسنا بأن يراجع كل منّا مقدرته ورغبته ويوافي زملاءه بهما، فيتغيّر توزيع العمل بينهم كلما دعت الحاجة. تلك هي ثقافة التوازن في العمل التنظيمي، وباعتناقها نؤدي واجباتنا من غير أن نقسو على أنفسنا، أو نسهو عن احتياجاتنا وسلامتنا النفسية.

هذا الهيكل التنظيمي الذي توصلنا إليه بالتعديل وبالتحسين ييسر على الأعضاء الانخراط في العمل بالقدر الذي يشاءون؛ فلأي عضو أن يكتفي بحضور الاجتماعات دون أن يعامل هذا العضو مَن ارتكبوا الاعتداءات. ولمَن أراد الانقطاع عن العمل مدةً للراحة مطلق الحرية في ذلك، ولا نسأله إلا أن يُطلع زملاءه على رغبته كي توَزَّع مسؤولياته في مدة غيابه.

أما القيمة العُليا بيننا فهي الحب واللين؛ نحب بعضنا بعضًا، ونفخر ببعضنا بعضًا، ونثق ببعضنا بعضًا، وندفع بعضنا بعضًا إلى الأحسن بالنقد. نحن أسرة تستوعب المصاعب، وتبرع في الإبداع والخلق. وإيماننا ببعضنا بعضًا وبالذي نصنعه معًا يرفعنا إلى آفاق لا يتصورها أحد.

قوة الجماعة

جعلت جماعتنا -والمجموعتان في قلبها- تنمي روح التراحم فيما بينها بتطييب الجروح وبالصحبة الصادقة وبالإيمان القلبي بالعدالة الاجتماعية، ولم تكن تجربتها في العدالة التحويلية والمحاسبة المجتمعية لتستقيم أو تثمر بغير اتحاد تلك المقومات كلها.

صار الناجون، ومن حولهم، لا يجدون غضاضة في التماس العون من «وقفة»، فنحن جديرون -في أعينهم- بثقتهم، وقادرون على حفظ سرية هويات الناجين ومرتكبي الأذى.

هذه الثقة حصلنا عليها بفضل ما اكتسبته «غاضبة» من ثقة، ثم أسبغتها علينا في مرأى من الجماعة والمجتمع، إذ كان تحالف «وقفة» و«غاضبة» يمدّ يد العون إلى كل مَن يلجأ إليه، وكانت جماعتنا مطمئنة إلينا وإلى كفاءتنا، مستأمنةً إيانا على أسرارها. كان الناس يستدعوننا كي نخمد الشائعات حين تُثار الشكوك حول أحد أفراد الجماعة. كنّا قادرين أيضًا -من واقع إحاطتنا بقدر من المعلومات السرية- على تقييم الأشخاص الذين تسببوا في أذى من قبل، وتحديد مقدار الخطر الذي يشكلونه في المؤتمرات والحفلات، أو ناحية شركائهم الأحمَّاء ورفقاء السكن، أو حتى على المارة في الشارع، وكان الناس مطمئنين إلى أننا لن نتركهم في غفلة إن كانت معاملتهم أحد الأشخاص تستدعي منهم الحيطة.

اتسعت دائرة الثقة في نظامنا هذا بفضل اعتمادنا على شبكات اجتماعية تنقل الأخبار منّا وإلينا. كنّا نحرص حين نصدر التنبيهات على ألا نشوه سمعة أحد أو نصِمه، وكنّا نتجنب عمومًا إطلاق التحذيرات علانيةً إلا للضرورة؛ إن كان الشخص الذي نحذر منه يرفض التعاون رفضًا صريحًا أو يشكّل تهديدًا حقيقيًا للجماعة، ودافِعنا في ذلك الاحترام، فنحن ننشد أكبر قدر ممكن من الصراحة والصدق، ونأمل أن يستميل انفتاحنا الأشخاص الذين تسببوا في الأذى ويحملهم على التعاون معنا. أما الأخبار فلا ننقلها إلى شبكتنا الاجتماعية لغرض النميمة، بل كي يكون الأصدقاء عونًا لنا في صَون سلامة الجماعة؛ ينقلون التحذيرات، أو يُخرجون مَن قد يتسبب في الأذى من التجمعات.

أثمر هذا العمل التنظيمي ثمارًا طيبة بمرور الزمن، وبها استطعنا أن نوسع جهودنا، ونحمل جميع أفراد جماعتنا ومؤسساتها المحلية على اعتناق ثقافة المسؤولية الجنسية التي شكلناها وتأدية أدوارهم فيها؛ فإن ألحت «غاضبة» -مثلًا- على منع فرقة ما من العزف أو الغناء في وسطنا استجاب أفراده واستغنوا عن الفرقة في فاعلياتهم، وإن أوصت «وقفة» بتدريب الفريق المكلف بتأمين مهرجان ما على جعله آمنًا [من الاعتداءات الجنسية] استجاب منظموه- ثقةً منهم بأننا نعمل لما فيه صالح الجماعة، بل والتمسوا منّا المشورة في التدريب.

أدركت جماعتنا -باشتراكها وتعاونها معنا- أن في العملِ التنظيمي والثقةِ وسياسةِ الود والتراحم قوةٌ وعزةٌ ومَنَعةٌ لمَّا اكتسبها وسط «البَنك» التحرري في فلادلفيا الغربية انصرف عن السياسات النابعة من الضعف والوجل، ولم يعد يتتبَّع أسماء المعتدين، ولا يلحّ طالبًا طردهم من بيننا، بل إننا لم نلبث  -بعد أن استقرت معاني العدالة التصالحية والتحويلية في وجداننا- حتى ذهب عنّا الغضب واعترانا الفضول.

هذا المناخ الاجتماعي الجديد لم يحلّ علينا بين عشية وضحاها، فلم يكن مردود جهدنا فوريًا كالسحر، رغم أن له ملمح شاعري. كان إسهامنا خلاقًا، فقد كنّا نطلق خيالنا ونبتكر، لكننا لم نغفل عما نعرفه: التغيير الحقيقي الذي يُرجى دوام أثره يستلزم منا صبرًا واستشرافًا للمستقبل البعيد وإعدادًا له.

أما في الوقت الحاضر فإن «وقفة» منشغلة بالبحث عن سُبل -غير إمبريالية- إلى تشكيل أواصر تضامن مع من حولنا من جماعات ومنظِّمين خارج بيئة العدالة التحويلية الأهلية التعاونية التي خلقناها وخارج حركة إلغاء السجون، وتحرير روح البشرية التي كبَّلها تحالف نظام السجون والصناعة من قبضته. «عندنا من المعرفة ما ينفع الناس، لكن ما ينقصنا منها أكثر»، كما يقول إم سي سلَج مغني «الهِب هُب» عضو مجموعة «أتمسفير»؛ فكلما أخذنا قناعاتنا إلى حيز التنفيذ تكشَّف أمامنا مَسير طويل ينبغي لنا أن نقطعه حتى يكون العالم الذي نريد له أن يكون. إن القوى المحركة التي يصوغها الكتمان والألم والفوقية الذكورية وتأزُّم التواصل والعنف في حق الشركاء الأحمَّاء والاعتداء الجنسي قوىً راسخةٌ لا تغيب حتى عن الأوساط التي نخلقها للعناية ببعضنا بعضًا، وثقافة المسؤولية والتراحم لا تنتشر من تلقاء نفسها، بل إن ذلك يتأتّى بالممارسة العملية في حيواتنا اليومية، وبقناعة راسخة بأن الروابط الأهلية أقدر من صُنّاع القوانين على إخراج جماعاتنا ومجتمعاتنا من دائرة الأذى المتجدد، وعلى تغيير معنى المحاسبة كي يكون هدفها تعزيز الأواصر المجتمعية لا هدمها. كل ممارسة عملية لها مهارات نكتسبها كي نؤديها، ونحن لن نبرح نسعى إلى اكتساب مهارات جديدة نفتح بها قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا.

* الكاتب عضو أساسي في مجموعة «وقفة فلادلفيا» منذ آخر عام 2004، والذي يتميز منظوره بكونه رجلًا «كويري» أسود اللون صاحب هوية جندرية معيارية إضافةً إلى كونه أبًا مربِّيًا، وأنه أقدم أعضاء المجموعة الحاليين. يحمل هذا التقرير أيضًا أصوات غيره من أعضاء «وقفة فلادلفيا» السابقين والحاليين. مع توجيه الشكر الخاص إلى عضوة المجموعة جِنا بيترز-جولدن على إسهاماتها القيمة وعلى دعمها.

** صاحب الهوية الجندرية المعيارية cisgendered هو مَن تتفق هويته الجندرية والهوية المنسوبة إليه عند الميلاد بسبب تكوينه البيولوجي.

*** تعريف العدالة التصالحية الذي نركن إليه في عملنا قائم على صياغة مفهوم المحاسبة الذي قدمته منظمة Generation Five في وثيقتها المنشورة عام 2007 بعنوان Toward Transformative Justice: A Liberatory Approach to Child Sexual Abuse and Other Forms of Intimate and Community Violence (نحو العدالة التحويلية: منهج على طريق التحرير لمعالجة الانتهاكات الجنسية في حق الأطفال وغير ذلك من صور عنف الأحمَّاء والعنف المجتمعي)

هذا التقرير ضمن: سلسلة| المحاسبة المجتمعية.. هكذا تحدث بشكل عملي.

اعلان
 
 
إستِبَن لانس كِلي