جواب لجدي

 

جدي العزيز،

أنا بكتب لك مع إننا ما كناش قريبين. أنا كنت أقرب  لـ «نانو». بس من ساعة ما مشيت، والحياة مش زي ما كانت في بيت المحلة؛  الكنز الخفي اللي كان فيه كل الأجوبة. حسيت إن أخيرًا جه الوقت اللي أحط فيه الحاجات جنب بعض علشان أفهم حكايتك وحكايتي.

فات وقت كتير من ساعة ما مشيت، ومن أخر مرة أنا دخلت فيها بيت عيلتنا في المحلة الكبرى. البيت اللي كان دايمًا مفتوح لكل وأي حد، ومنه بيتنقل  الأمل من جيل لجيل. أنت عمرك ما كنت بتحب تقفل البيت، حتى لما كنت بتبقى مسافر.

بادخل البيت النهارده وأنا شخصية مختلفة عن أخر مرة جيت، شخصية منفتحة أكتر، شخصية شافت أكتر ونسخة أنضج من نفسي. بس لسه بادوّر، وبحاول أجمع ذكرياتي واللحظات اللي قضيتها بين حيطان البيت ده.

لقيت نفسي باقعد في كل ركن من أركان البيت، وباشوفك في سريرك اللي كنت بنام فيه في حضن «نانو»، وفي المطبخ اللي كنت دايمًا بتخترع فيه وصفاتك المميزة، وعلى كرسيك اللي في الصالة اللي ما كانش حد يجرؤ يقعد عليه غيرك.

بامدد في المساحة اللي بين الأيام دي والأيام اللي بعدها، وباحاول أتأمل وأهندم ذكرياتي. باغوص في صورك، وباضيع في وقت بعيد عن أي حاجة إحنا عايشينها النهارده. مع إن الحياة في صورك أبيض وأسود إلا إن في عيني الصور دي مليانة بألوان الحياة.

فاكر إزاي بيوتنا كانت مليانة ناس؟ الأطفال بتجري في الجنينة والممرات، والأصوات المألوفة والصلاة والدموع، وأصوات تانية كتير صداها مالي أوض وممرات كل بيت. دنيتي طلعت من العالم ده، زي شجرة لها جذور غارزة وممدودة في الأرض.

بقيت مدركة قد إيه أنا شبهك. متعلقة بالماضي وبكل حاجات جدودك -عمتي قالت لي إن انت كنت كده بالضبط.

مكتبك كان مليان بكنوز ما لهاش عدد. و«نانو»  كانت بتكره الكراكيب اللي كنت بتحتفظ بيها، وكانت بترمي كل حاجة قديمة. هى كانت بتعرف تعمل ده، بس انت كنت بتحب تفكر نفسك انت مين. دلوقتي، هندخل دنيتك السحرية بفضول رهيب، وهنستكشف اللي انت خبيته. هاسافر مع رسايلك اللي مكتوبة على الآلة الكاتبة، والطوابع اللي كنت بتبدلها مع أصحابك في الهند.  وهاعرف كل حاجة عن رحلاتك مع أصحابك في المدرسة، وعن كل مكان رُحتُه من خلال العملات اللي جمعتها.

اتعرفت عليك أكتر من ساعة ما مشيت. و«نانو» ما استنتش كتير بعدك، حصَلتِك بعدها بسنة، ما قدرتش تلاقي حياة من بعدك، لأنك كنت مليان قوي بالحياة.

أنا كمان قلبي مشتاق للماضي، ومش قادرة أتحرك لقدام، مزنوقة في وقتك. بس من خلال رحلتي في زمنك، بقيت عارفة أشوف أمل ورؤية وطريق لقدام باعيد فيه تشكيل الماضي من خلال فني، وباعيد بيه إحياء تعقيداته وبساطته وباخلق من خلاله حكايات جديدة وماضي جديد.

بسببك، وبسبب اللي انت كُنتُه، حياتي خدتني لأماكن ساحرة. بقيت نَفسي  من خلالك ومن خلال عيونك.. كان نفسي أقضي وقت أكتر معاك، كان نفسي تعرفني دلوقتي.

شكرًا على كل الصور اللي سبتها، وشكرًا إنك خلتني أعيش اللحظات دي تاني. شكرًا إنك سبت كل الكراكيب علشان أقدر أكتشف من خلالها دنيتك وأستكشف رحلتك الجميلة، الرحلة اللي عشتها من خلال رفوفك.

جدي، تراثك هو اللي بيخلق هويتنا وبيعيش في الأصحاب القدام، وفي الأظرف المنسية، وفي الصور. وفي أشكال جديدة، بتظهر  دلوقتي وأنا باشارك اللي اكتشفته عن حياتك ودنيتك مع العالم باعيش فيه النهارده.

حفيدتك،

أمينة قادوس

 

Read in English
 
 
اعلان
 
 
أمينة قادوس 
 
 
More from Panorama