«قبل ما أنسى»: كيف يمكن للسينما أن تعيد ترتيب علاقتنا بالواقع مؤقتًا
 
 

«مؤخرًا، اجتاحت الفيضانات العالم بأسره، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. لا شيء يمكننا فعله إلا الدعاء. هذا نداء مدوٍ لكل أنواع البرمائيات التي يمكنها السباحة كي تسلم نفسها فورا إلى المحطات البحرية للقوات المسلحة. نحن بحاجة إلى البرمائيات كي تمد لنا يد العون. قوتنا في وحدتنا».

هل نحن على الأرض؟ أم تحت البحر؟ هل نخرج من تحت الماء؟ أم ربما نحاول الهبوط إلى أعماق البحار؟ ألم تعد الأرض صالحة للتنفس، وربما للعيش؟ هل سيصبح البحر هو أملنا الوحيد في الحياة؟

يطوف فيلم «قبل ما أنسى»(2018) للمخرجة مريم مكيوي  بين الأرض والبحر. يبدأ الفيلم برحلة إخصائي علم المحيطات الدكتور شرف فخر البحار، الذي يملك خطة لإنقاذ العالم، تتضمن دعوة معاونيه البرمائيين للتجمع من جديد في «جمعية البرمائيين السرية» لإنقاذنا من أرض لا يمكن التنفس فيها. لكن من أجل لم شمل الجمعية السرية مرة أخرى، يجب عليه أن يستعيد الذاكرة المنسية للقبطان الضائع منذ زمن طويل. كإنسان تعلم التنفس تحت الماء، يحتفظ القبطان بالسر لإنقاذ البشرية. فقط لو يعيد الدكتور شرف القبطان، سيتمكن من حمايتنا من الانقراض.

يخبرنا الدكتور شرف أن «أغلب الناس يعتقدون أن القبطان قد مات، لكن في الحقيقة أخذه البرمائيون وحفظوه تحت الماء».

هل هي حكاية خيالية ديستوبية؟ أم هل هو عمل من أعمال الخيال العلمي؟ ماذا يخص النوع الفني الذي تستخدمه المخرجة والذي يفكك تقاليد الواقعية، وفي نفس الوقت يناقش مفاهيم الذاكرة والفقد والموت؟ وما الأفكار والاحتمالات التي يفتحها الفيلم لنا، نحن المشاهدين، بينما يُطلَب منا تخيل الحياة تحت البحر؟

عند عرضه في مهرجان «برلين السينمائي الدولي» ضمن قسم (المنتدى الموسع) لعام 2018، قُدّم ملخص للفيلم باعتباره «قصة خيال علمي تدور أحداثها في منطقة ساحلية غير محددة». في الحقيقة، وفي حين تلتزم اختيارات مريم مكيوي الإخراجية بعدد من تقاليد أفلام الخيال العلمي، من التصوير السينمائي إلى الطرق التي تُشعِر  بها المشاهدين بالاغتراب وتشوقهم؛ إلا أن تصنيف «الخيال العلمي» يستدعي أفلامًا مليئة بالصراعات الأيديولوجية ضد روسيا، والتي تدور وقائعها في الأغلب في الفضاء الخارجي. أما «قبل ما أنسى» فيأخذ شكلًا تجريبيًا يلعب على مفهوم النوع والتصنيف، فيرواح بين المشاهد الطويلة التي تذكرنا بأفلام الغرب الأمريكي القديمة، والأفرومستقبلية، والفانتازيا، والخيال العلمي.

في سعيه للم شمل جمعية البرمائيين السرية من جديد، يقابل الدكتور شرف عددًا من الشخصيات الرئيسية: امرأة برمائية تبحث عن أمها، التي كانت تابعة للقبطان وقطعت ذات مرة كابلات الإنترنت كعمل تخريبي دعمًا لمعلمها، وامرأتين في عنبر مستشفى فقدتا ذاكرتهما، ويمكن أن تكون أي منهما هي أم المرأة البرمائية. تجذبنا مريم مكيوي، من خلال الدكتور شرف، إلى حالة هذا العالم الخيالي، وفي نفس الوقت تأخذنا في رحلاتنا التأملية الخاصة داخل قضايا مثل نهاية العالم من الناحية البيئية، قلق ووطأة الذاكرة، ألم وخدر الفقد والموت.

كل شخصية في هذا العالم الخيالي تتصارع مع مشكلة تتصل بذاكرتها: «فقدت ذاكرتي»، «ليس لديّ أي ذكرى عن أمي»، «لقد سُرقت ذاكرتي»، «تقودني ذاكرتي إلى العيش تحت الماء». إن صراعاتهم مع الذاكرة، بالإضافة إلى البحر ذي الحضور الكلي، تساعد بطريقة ما على نفي أي حس بالحدود، مُشكِّلةً خطوطًا للتنقل والهروب بدلًا من ذلك.

تخرج المرأة البرمائية من تحت الماء وتعلن استعدادها للعمل مع الدكتور شرف، ومعرفة من تكون أمها. ونعرف بأمر شخصية برمائية أخرى: ياسر قرش البحار، الذي اختار أن يبقى تحت سطح البحر لأنه يتمنى الهروب من الأرض. بينما يخبرنا الدكتور شرف: «همي الأساسي هو إنقاذ العالم!». حالات الوجود المتفاوتة للشخصيات تعطي انطباعًا بعملية طقسية تشمل المرور بعدد من الأحداث والأفعال. في حوار مع مريم مكيوي أثناء كتابة هذه المراجعة، حدثتني المخرجة عن أهمية الطقوس في الفيلم. تقول: «هناك شيء ما في فكرة الطقوس هام بالنسبة لي [توضيحه]. تحديدًا أردت أن أبين كيف يمكن أن تكون الطقوس مجرد أفعال دون قدسية تحيط بها، حيث تُؤدَّى طقوس مختلفة – مثل إنقاذ العالم، أو توديع شخص ما، أو فعل النشاط الثوري – بطريقة آلية».

توظف مريم مكيوي تكنيكات عديدة لخلق هذا العالم: تصميم الخلفيات، الأزياء وحركة الكاميرا، بالتوازي مع تضمين عناصر سمعية مثل خلق لغة غريبة، والموسيقى والأداء. تتكامل هذه التكنيكات لتساعدنا كمشاهدين على تقبل العوامل الخيالية المحددة للقصة. بصيغة أخرى، الفيلم عبارة عن خبرة غامرة حيث يشعر المرء بالانغماس، ليس فقط تحت الماء، لكن في فضاء الفيلم وشخصياته وتيماته وعالمه.

بتصوير الفيلم في منطقة ساحلية غير محددة وعنبر مستشفى فقير الحال، فإن تصميم خلفية المشاهد يعتبر عنصرًا رئيسيًا في غمر المشاهد داخل القصة وفق شروطها. عنبر المستشفى، الذي هو نفسه مكتب الدكتور شرف، مرشوش بالأخضر الفاتح؛ وهو اللون المرتبط غالبا بالمستشفيات، والذي يتعارض مع الأزياء البرتقالية الفاتحة للمرأتين. الجمع بين المشاهد الداخلية الناعمة والملساء وتصميم الأزياء في عنبر المستشفى تكمله صور الشخصيات قرب البحر – سواء وهي تخرج من تحت الماء، أو تسبح بمحاذاة حطام السفن الغارقة، أو في الحوارات الدائرة بين المخلوقات البرمائية أو البشر.

يركز «الميزانسين» أو تكوينات المَشاهد في الفيلم على نقل إحساس زخارف العالم المصنوع. ننتقل تحت الماء بلقطات كاميرا تضع المخلوقات البرمائية جزئيًا في مجال الرؤية قبل خروجهم إلى سطح الماء. ننظر ببطء شديد إلى حطام السفن بينما يفسر لنا صوت الرواي الدكتور شرف أن موت القبطان كان فقط «مناورة ذكية» لخداع وكالات الفضاء التي كانت تحاول التخلص منه. يُطلب منا تخيل أن القبطان «المؤسس الأول للجمعية السرية» كان يعرف مبكرًا أن «مستوى البحر سيرتفع وأن العالم سوف يغرق». لكن الأكثر من ذلك أن «البشر سيتمكنون من البقاء أحياء تحت الماء». الإحساس بالفضاء – المادي والنفسي – تلتقطه اللقطات الطويلة وزوايا الكاميرا التي تتخذ أوضاعًا جميلة.

يأخذنا مونتاج الفيلم إلى داخل العالم الذي خلقته مريم، وكأن هناك وعيًا بأن المونتاج المريح سيساعد في سرد الرحلة الشاقة التي ننطلق فيها مع الفيلم، وهو الأمر الذي يساعد فيه أيضًا شريط الصوت المميز، الذي يشمل كل شيء من المؤثرات الصوتية للماء (الآلي والمثلج والفوَّار والغامر) إلى الإحساس الوشيك بنهاية العالم (أصوات أمواج كهرومغناطيسية، ووشيش الراديو وسط البيانات غير المسموعة).

تدفع تجربة مشاهدتي للفيلم لهذا السؤال: كيف لي أن أشعر بهذه المشاعر الحقيقية حيال أشياء أعرف أنها غير موجودة؟ إن نداء الدكتور شرف للمخلوقات البرمائية كي تعود إلى المحطات البحرية للقوات المسلحة يستدعي المجمعات العسكرية-الصناعية في مصر المعاصرة، وتيمة القلق البيئي تثير موضوع العلم الشعبي وتصوراتنا عن المعرفة. كنت أود رؤية المزيد من هذه الروابط بين عالم الفيلم والجدالات الثقافية الأوسع.

أنا حائر بين وضع الفيلم في سياق عالمه من جانب، وبين الانخراط في الخبرة التأملية الأكبر للتفكير في الحكايات الرمزية التي يثيرها حول الذاكرة والفقد والحياة والموت من جانب آخر. الأفكار التي تطرحها الشخصيات في الفيلم تقف بمواجهة المنطقية كمعيار في تشكيل خبراتنا الإنسانية وتدعو إلى إعادة تصميم أحاسيسنا، خاصة فيما يتعلق بالعالم الطبيعي والحياة الأخرى.

«قبل ما أنسى» يُعرض في مركز الصورة المعاصرة يوم الثلاثاء المقبل، 11 ديسمبر 2018، السابعة مساءً، ضمن برنامج أفلام: «حيث لا أحد يعلم أين»، والذي يأتي بدوره ضمن الفعاليات المصاحبة لـ«مغمر – عن الأنهار وتدفقها المنقطع»، وهي فعالية تقتفي الأعمال الفنية التي تتناول التوابع البيئية المستقبلية.

اعلان