«ورد مسموم» .. ما ظَهَر منه وما بَطَن
 
 

لا قصة أو حكاية يمكن القبض عليها بسهولة في فيلم «ورد مسموم» (2018)، أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج أحمد فوزي صالح، والذي عُرض عالميًا للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ47 لمهرجان روتردام الدولي (يناير 2018)، بينما حظي أثناء عرضه مؤخرًا بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (نوفمبر 2018) على ثلاث جوائز. أو على الأقل هناك خط حكائي عام يتوخّى تقديم سردية عن أخت يتلخّص عالمها في أخيها العامل في دباغة الجلود، حيث يعيشان سويًا مع أمهما في منطقة المدابغ، بينما تشعر الأخت بانهيار عالمها حين تراود أحلام الهجرة غير الشرعية لإيطاليا أخاها، أو حتى تراوده حبال التعلق بفتاة جديدة.

قد يبدو هذا الخيط الروائي عاديًا تمامًا، غير أن الغموض الذي يغلّف علاقة الأخت بأخيها، والتي تتسرب للمشاهد منذ اللحظات الأولى للفيلم، تترك الباب مفتوحًا لتأويلات عدة، سيكون أبسطها أنّ صنّاع الفيلم اختاروا المشي فوق حقل ألغام يخصّ علاقات الحب الآثم بين المحارم. يُضاف إلى ذلك أن طبيعة المعالجة البصرية التي لجأ إليها فوزي تقود فيلمه إلى منطقة جديدة من التجريب في السينما المصرية. لا أحداث هنا بالمعنى الفعلي، أو حكاية تُسلم إلى أخرى، إنما حطام حكايات ومشاهد، لا يلضمها معا سوى خيط المكان، مشاهد بدت كما لو أنها كادرات للوحات مرسومة بعناية لونية فائقة، مع اقتصاد في الحوار إلى حد بعيد اكتفاءً بما ترسمه المشاهد ذاتها بممثليها.

يمكن أن يندرج «ورد مسموم» ضمن طائفة جديدة من أفلام المخرجين الشباب الساعين إلى تجريب لغات بصرية غير معهودة في السينما المصرية، أو اللجوء إلى حكايات غير تقليدية، وحتى استعارة أصابع مخرجين آخرين لتَبْيِئتها في الصناعة السينمائية المحلية؛ باستطاعتنا الإشارة مثلًا لمحاولة أحمد عبد الله في فيلمه «فرش وغطا» (2013) استخدام الصمت، كما يمكن الالتفات كذلك لتجربة أبوبكر شوقي مع فيلمه «يوم الدين» (2018)  بالاتكاء على عين الكاميرا أكثر من اللجوء للحوار؛ فيما أن الصمت في فيلم «ورد مسموم» ليس صمتًا يبتلع روح العالم كما في أفلام إيليا سليمان، ولا حتى صمت الحكمة، إنما الصمت هنا نقيض الكلام، إنه اقتصاد في التعبير لحده الأدنى حفاظًا على تلك الهالة الغامضة التي تلف علاقة تحية بأخيها صقر.

ولا تقف حدود الغموض عند العلاقة المعقدة بين الأخ وأخته، إنما يمتد ذلك الغموض ليشمل الفيلم ككل، إن الفيلم لا يبذل نفسه للمشاهد بسهولة، فلا نعرف إن كان هذا فيلمًا عن علاقة تكاد تقارب حب المحارم، أو كان عن منطقة المدابغ، خصوصًا وأن فوزي يلجأ للقطات تقترب من التسجيلية للحي ذاته وطبيعته القاسية: أصوات ماكينات الدباغة التي لا تنقطع؛ والماء الملوّن المنصرف من المدابغ، والجاري في مدقّات أشبه بترع صغيرة يستحيل معها المشي في نهر الشارع؛ والحارات الضيقة التي لا تصل إليها الشمس؛ والبيوت الضيقة سيئة التهوية. وبينما تسيح الشخصيات وسط كل هذا، يتسرب إلينا الإحساس بأننا وسط فينيسيا خرائبية، فينيسيا بعد فناء العالم من البشر وانهياره.

وإذا كانت مثل هذه المعالجات قد تحيل إلى ما يعرف في النقد الأدبي بوصفها «جماليات القبح»، تلك التي يتنازعها تياران في منطقتنا العربية، ما بين فجاجة العرض التي تقترب من الكيتشية، كما في أفلام خالد يوسف مثلًا عن الحارة؛ أو تيار آخر يجنح إلى رَمْنَسة (من رومانسية) الفقر والمناطق الفقيرة، فإن فيلم فوزي يهرب ببراعة من تلك الثنائية لتبدو كاميرته كما لو أنها لا تفعل شيئًا سوى تأطير حياة الحي في مشاهد متشظّية، باستعارة عين الكاميرا التسجيلية التي من خلالها أخرج فوزي فيلمه القصير الأول «جلد حي» (2011) عن منطقة المدابغ ذاتها.

يعني هذا أن كاميرا فوزي كانت ضيفًا على الواقع المعاش دون حاجه لإعادة تشكيله بتعسّف، وهو ما ألمح إليه المخرج أثناء العرض الرسمي الأول لفيلمه في مصر، عبر منصة  الدورة الـ 40 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (2018)، حيث أشار فوزي لطول الصحبة التي جمعت فريق العمل بأهل المنطقة حتى لا تبدو الكاميرا نافرة عن هذا الواقع، إضافة إلى أن أحد صناع العمل يعيش في منطقة المدابغ وليس انتهاءً بالاعتماد على الإضاءة الطبيعية معظم الوقت دون حاجه لتجهيزات صناعية، ما يحسب لماجد نادر مدير تصوير الفيلم، كما كان الصوت مرتكزًا على أصوات الحي نفسه بما فيه، دون تجهيز صوتي موسيقي بالمعنى المعروف.

ما تنبغي الإشارة إليه هنا هو هذه الحساسية الرهيفة لدى صناع السينما الجدد من الشباب حين يقودون كاميراتهم لاختبار علاقة جديدة بالمدينة بعيدًا عن الاستديوهات المغلقة أو الحارات الزائفة في مدينة الإنتاج الإعلامي، فضلًا عن علاقة المصاحبة مع البشر باعتبارهم ناسًا وأهلًا لا باعتبارهم ديكورًا أو مجاميع، في تضاد مع تاريخ طويل من التنميط والتلفزة للأحياء الشعبية، إما عبر الإشارة إليها برومانتيكية باعتبارها موطن الأصول والشهامة، أو بتقديمها موئلًا للجريمة والخروج على القانون. ولم يكن من الغريب، والأمر كذلك، أن تتوجه إحدى الحاضرات بتعليق مفاده اندهاشها من احتواء غرفة صقر على بعض الكتب والروايات، باعتبار ذلك متنافيًا مع مستواه التعليمي (الذي لم يشر الفيلم إليه أبدًا بالمناسبة) وما يمارسه من عمل.

كان الفنان محمود حميدة، وهو أحد الأبطال المساعدين في العمل وأحد منتجيه كذلك، قد صرّح في ذات العرض بالقول إن مَشاهد الفيلم أعيد بناؤها وهدمها أكثر من مرة بعد بدء التصوير، وهو أمر – والقول لازال لحميدة – جديد على السينما المصرية، حيث يظل الأمر مقبولًا متى ما كان ذلك على الورق فيما قبل مرحلة الإنتاج، أما مع أول أمر بالتصوير لا يعود ممكنًا إلا تنفيذ ما اتفق عليه، وتبقى التغييرات طفيفة جدًا. لكن في «ورد مسموم» كما أشار فوزي لكاتب المقال تم تغيير السيناريو أكثر من مرة بناءً على محددات داخل موقع التصوير في منطقة المدابغ، وحذفت مشاهد وصوّرت مشاهد أخرى بدلًا منها، بل إن طاقم التمثيل نفسه تم تغييره هو الآخر، ليستقر الفيلم في نهاية الأمر كما ظهر ببطولة كوكي وإبراهيم النجاري، وببطولة مساعدة لكل من صفاء الطوخي ومحمود حميدة.

وقد يقول ذلك الكثير عن التجريب الجريء الذي يحمله فيلم «ورد مسموم». إن الأمر يبدو كما لو أنها قصيدة يعاد كتابتها وتحريرها أكثر من مرة، بالحذف أو الإضافة، وفيما تكون الكتابة ليست إلا عملية الكتابة ذاتها، أي لحظة إنتاجها ومراجعتها، فإن فوزي يستعير تقنيات الكتابة لينجز بها فيلمه؛ يبني ويهدم، يحذف ويضيف، ثم من ركام ذلك كله يخلق سردًا لا يمكن ببساطة وصف أحداثه أو تلخيصها في حكاية تتصاعد دراميًا، لينتهي فيلمه مخلصًا لما بدأ به: الغموض كتسبيحة صوفية لها ظاهر وباطن ينفتح على تأويلات عديدة، لا إجابة واحدة ووحيدة.

اعلان
 
 
محمود عاطف 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن