أصدقاء وأعداء: فصل من «مآزق لينين»
فصل من كتاب «مآزق لينين: الإرهاب والحرب والإمبراطورية والحب والثورة» الصادر حديثًا عن الكتب خان
 
 
 
لينين يجلس في المنتصف، ومارتوف يجلس على يساره
 

«علينا أن ندفن جسد لينين، وأن نحيي بعض أفكاره». ربما تكون هذه هي الجملة الرئيسية في كتاب طارق علي الأخير «مآزق لينين»، والذي صدرت نسخته العربية مؤخرًا عن دار نشر «الكتب خان»، بترجمة أمير زكي. التوقف عن التعامل مع لينين كقديس بيزنطي تحيطه هالة دينية، ويتبرك الناس بصورته واسمه. لا يقوم بذلك أصدقاء لينين ومحبوه، بل يستفيد من هذه القداسة أعداؤه. يشير طارق علي إلى أن أكثر شخص حرص على إضفاء تلك القداسة على لينين هو عدوه في آخر أيامه، ستالين. وبدلًا من أن يتحول لينين وفكره إلى وقود للثورة تحول إلى مومياء.

في كتاب «مآزق لينين» نرى لينين إنسانًا يصيب ويخطئ ويراجع أخطائه. يستغل طارق علي عشرات الكتابات والوثائق، ليغزل صورة سياسية وفكرية وشخصية عن لينين وزمنه.

في الفصل الأخير من الكتاب، «أصدقاء وأعداء»، يلقي طارق علي الضوء على صداقة وعداوة ممتدة بين لينين وجوليوس مارتوف، البلشفي والمنشفي، قائدي الفصيلين الذين انقسما بداخل الحزب الاشتراكي الروسي، وكان لهذا الانقسام دورًا كبيرًا في تغيير مسار التاريخ. يشير علي إلى أن الخلافات السياسية يمكنها أن تدمر أقوى صداقة، مهما كان الرابط الفكري والإنساني بين الصديقين. ألا يحدث هذا في كل زمن وفي كل ثورة؟ ألم يحدث لنا هذا في مصر مثلًا في السنوات المتوترة التي تلت 25 يناير؟ ولهذا اخترنا هنا فصل «أصدقاء وأعداء» من الكتاب.

يلخص أحد أبيات جلال الدين الرومي ببراعة النظرة الباطنية للصداقة: «هناك فيما وراء أفكار فعل الشر والخير يوجد حقل، سألتقيك فيه، حين تستلقي الروح على ذلك العشب يكون العالم مكتملًا للحديث عنه». ماذا لو كانت الروح مفعمة بالمسائل السياسية؟ لا تجد الباطنية إجابة على هذا السؤال؛ ولكن الصداقة الحميمة بين أشخاص ذوي آراء سياسية شديدة التعارض ليست بالغة الشيوع، وفي بعض الأحيان ما يعتبره صديقان آراء متعارضة لا يكون بهذا القدر من الاختلاف. هذا هو الوضع في الأزمنة الحالية على وجه الخصوص، حين يتظاهر الليبراليون والمحافظون والاشتراكيون الديمقراطيون أنهم أعداء، ولكن بدون تدريب مسرحي مناسب، ينتهي الأمر بظهورهم كممثلين سيئين. يمكن للشقاق السياسي الحق أن يحطم الصداقة الممتدة، على الرغم من تشارك الذوق الأدبي أو السينمائي.

لدى جيل لينين، أفسدت المواقف الخلافية حيال الحرب العالمية الأولى العديد من الصداقات الحميمة في القارة، سواء على المستوى الشخصي أو السياسي. العديد من الناس الذين كانوا يميلون إلى اليسار بحس لاهوتي ظهر أنهم بطبعهم يمينيون. وتقريبًا كل الاشتراكيين الذين ناصروا إمبريالياتهم أثناء الحرب انتقلوا بعد ذلك للمساهمة في دعم الرأسمالية، والدفاع عن الحروب الإمبريالية الكبيرة والصغيرة، وفي بعض الأحيان صاروا مدافعين أيدولوجيين صريحين عن أعدائهم السابقين. هذه العملية مستمرة حتى اليوم.

كل هذا يعتبر مفهومًا، ولكن هناك نمط آخر ينطبق على السياسة؛ أي معارك الفصائل بداخل الحزب نفسه، هنا أيضًا يمكن أن تَفسَد الصداقات القديمة في لحظة اندفاع أو تشكك. لم يسلم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي من هذه العملية، ولأن الحزب كان إما في المنفى أو يعمل بسرية في روسيا، اتسمت الانقسامات بأهمية مبالغ فيها. خضعت الجدالات الدائرة داخل الماركسية الروسية للعديد من أشكال السخرية والتعليقات السلبية في قاعات اجتماع الأممية الثانية، ولكن من عبروا عن انزعاجهم الأعظم –الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني– انتهوا أنفسهم إلى خوض حرب أهلية مقيتة مع جريدة «فوروارتس»، حين احتفت باغتيال روزا لوكسمبورج وكارل ليبكنشت، الذي ساهم فيه بعض من زعمائه.

كان لينين ومارتوف من الأعضاء المؤسسين لعصبة النضال من أجل تحرير العمال، التي أُطلقَت في سان بطرسبرج عام 1895، والتي لعبت دورًا هامًا في وضع أسس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. كانا في نفس العمر تقريبًا، على الرغم من أن لينين كان أكبر بثلاث سنوات (ويبدو هذا الفارق أوسع حين يكون المرء في عشرينياته). سيظلان رفيقين وصديقين مقربين في السنوات الخمس التالية. مارتوف هو الصديق الذكر الوحيد الذي سيخاطبه لينين بود، والعكس صحيح. كانا مختلفين كثيرًا بطبعهما. ناقشتُ لينين ببعض التفصيل، وعومل منافسه المهزوم بالأسلوب الذي أطلق عليه المؤرخ الإنجليزي إدوارد تومسون ذات مرة وفي سياق آخر: «الاستعلاء الهائل للخَلَف».

جاء لينين ومارتوف من خلفيتين مختلفتين. وُلد جوليوس مارتوف سيدرباوم في عائلة يهودية مستنيرة بالقرب من أوديسا. كانت هناك أربعة أجيال من آل سيدرباوم منتمين للهسكالاه، وهو تيار اندماجي داخل اليهودية، أكد على الدور الحيوي للتعليم لإخراج اليهود من الجيتو على الرغم من كل القيود. مِثْل كل اليهود في الإمبراطورية القيصرية، لم تراود مارتوف أوهامًا متعلقة بوضعه، واعتاد على معاداة السامية المتواصلة التي تهيمن على الحياة اليومية في روسيا. المثير للاهتمام أنه لم توجد مذابح بوجروم على الإطلاق في جورجيا، حيث استقر اليهود البابليون لأكثر من ألفين عام. كانت الجلافة، وهي التنويعة الروسية على التعسف، هي ما واجهه اليهود، بغض النظر عن طبقتهم، في المدرسة والجامعة. شعر مارتوف بالصدمة بسبب عنصرية مدير مدرسته، التي كانت تعتبر أفضل جيمانزيوم (مدرسة ثانوية) في أوديسا.[1]

القمع المستمر لليهود في الأزمنة القيصرية دفع العديد من المثقفين والعمال نحو الاشتراكية الديمقراطية. مارتوف نفسه كتب أنه يتعجب ما الذي ستكون عليه سيرته لو لم يكن يهوديًا. تذكر كيف تعودت أمه أن تضع قدورًا كبيرة من الماء لتغليه عندما تسمع عن انتشار مذابح البوجروم. كانت ترسل الخدم إلى منازلهم استعدادًا لسكب الماء من النوافذ على العصابات المعادية للسامية المحتشدة بالأسفل. الأوصاف الفظيعة والقوية التي كتبها مارتوف وتروتسكي عن تلك المذابح تتسم بطبيعتها الخاصة. أثناء عودته إلى روسيا في أكتوبر عام 1905، رأى مارتوف لاجئين يهودًا من آخر مذابح بوجروم في المدن الروسية، وهم محتشدين على أرصفة محطة فيلنو. أعاد ذلك لذهنه ذكريات بوجروم أوديسا عام 1881، واليهودي الشيخ الذي التقاه في قطار متجه إلى سان بطرسبرج من المدينة الغارقة في الدماء: «نفس العينين المنطفئتين، نفس الخضوع للقدر، ونفس القصة… عاصفة من البشر تخرج على النائمين بسلام وتلقيهم إلى هاوية الوسخ والدماء».[2] لم تبارح ذهنه تلك الصور أبدًا. بعد عدة سنوات، وأثناء الحرب الأهلية، صرخ غاضبًا في جريجوري آرونسون، زعيم العصبة اليهودية، عندما أشار إلى أنه ربما على أعضاء العصبة البقاء على الحياد لأن الجيوش البيضاء تحظى بدعم قطاعات كبيرة من الفلاحين الذين يقاومون القمع البلشفي، على الرغم مِن أن مَن يقودها هم الجنرالات القيصريون، ذَكَّره مارتوف بمذابح البوجروم التي ارتكبها البيض في كل مكان وصاح قائلًا: «ألا تتذكر الماضي، عندما كان علينا أن نقرر إذا كان هذا التوجه السياسي تقدمي أو رجعي، فنجد أن اضطهاد اليهود هو أفضل معيار للحكم؟ هل عليّ أن أذكرك بهذا المعيار الدقيق وأنت عضو بالعصبة؟»[3]

كان التعاون المبكر بين لينين الشاب ومارتوف الشاب نموذجيًا. عملا معًا في «إسكرا»، وأعجب لينين والعديد من الآخرين باللهجة الأخلاقية القوية في مقالات مارتوف التي تستنكر العديد من جوانب الأوتوقراطية. كثيرًا ما كان يشار إليه على أنه «دوبريولوف عصرنا». تنامت الخلافات بين الرجلين، على الرغم من أنه ينبغي القول إن من بدأ بالهجوم ليس لينين، ولبعض الوقت سيقنع مارتوف نفسه أن شخصية لينين وأسلوبه المتسلط ورفضه للتنازل، وقناعته الكبيرة بأنه على حق، وليس أي موضوع سياسي رئيسي، هو المسؤول عن هذا الانشقاق. كان لينين واثقًا من العكس، كان توجه مارتوف المنحرف المستمر في السياسة هو ما فرق بينهما، على الرغم من أن لا أحد منهما اعتبر الثاني عدوًا تمامًا. جوزيف وفولسكي، وهما شابان بلشفيان كانا في المنفى في جنيف مع لينين، وجداه هادئ الطبع ومتسع الصدر في الشؤون غير السياسية. يستعيد فولكوف (في مذكراته عن لينين والتي كتبها بالاسم المستعار، فالنتينوف)، كيف كان لينين يصف حياته في لندن قائلًا:

«من المستحيل أن تعيش في منزل لا تُغلق فيه النوافذ والأبواب على الإطلاق، حيث تكون مفتوحة على الدوام وكل عابر يرى أنه من الضروري أن يلقي نظره ويرى ما تفعله. سأصاب بالجنون إذا كان عليَّ أن أعيش في كميونة مشابهة للكميونة التي أنشأها مارتوف وزاسوليتش وآليكسييف في لندن عام 1902. المسألة لم تقتصر على منزل بنوافذ مشرعة، كانت أشبه بطريق عام. يستطيع مارتوف أن يكون مع الناس طوال اليوم، أنا لا أستطيع ذلك. مارتوف يعتبر ظاهرة بحق؛ يستطيع في الوقت نفسه أن يكتب ويدخن ويأكل ويتناقش باستمرار مع حوالي دستة أشخاص. كان تشرنشفسكي على حق عندما قال إنه ينبغي لكل شخص أن يكون لديه ركن في حياته لا يخترقه أي أحد، وأن كل شخص لا بد أن يحظى بغرفة تخصه وحده فقط».[4]

كان للانشقاق بين البلاشفة والمناشفة طابعه الخاص، لا يرجع ذلك لفرادة اختلافاتهما السياسية –وُجدت التيارات الإصلاحية وشبه الثورية في كل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تقريبًا باستثناء البريطانية منها- ولكن لأنه في روسيا لم تستطع الأغلبية المنشفية بسهولة أن تناصر الليبرالية. إصلاح الأوتوقراطية كان يُنظر إليه كممارسة تعاونية بداخل المعسكر القيصري أو على هامشه. نتيجة ذلك، تركز الجدال بين تياري الاشتراكية الديمقراطية الروسية على نمط الثورة الضرورية -ديمقراطية برجوازية أم اشتراكية– وما الأداة الأرجح لتحقيقها –الفلاحون أم العمال أم مزيج بين الاثنين. كانت المواقف فضفاضة بشكل أكثر أو أقل حتى أبريل عام 1917، ولكن الاتجاه الذي كان يتحرك نحوه التياران صار واضحًا في وقت أبكر بعد الانشقاق الشهير عام 1903 على السؤال التنظيمي المتعلق بمهام عضو الحزب. كتب لينين لاحقًا أن التنازل في هذه السؤال كان ممكنًا جدًا ولكن المناشفة وحلفاءهم أصرّوا على عزله من مجلس تحرير «إسكرا» لأنه أزعج العديد من الناس. رأى أن هذا كان ضروريًا، لأن مجلس التحرير المكون من الأشخاص الثلاثة الذين اقترحهم كان الطريق السليم الوحيد لإصدار الجريدة. كان مبعث قلقه هو أن مارتوف لن يكون قادرًا على إدارتها بنفسه وأن الجريدة ستنهار، وفي الحقيقة هذا هو ما حدث بعد ذلك. بغض النظر عن الدافع الحقيقي، السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو إذا لم تكن هناك خلافات سياسية جوهرية، لم تطور الانشقاق وتحول إلى أزمة دائمة؟

وهنا لا توجد سوى إجابة واحدة. في أعماق المناشفة كان هناك انقسام غير معبر عنه، ولم يطف إلى السطح إلا بعد ثورة 1905، عندما أقام العمال المناصرون للبلاشفة المتاريس وقاتلوا القوات القيصرية. أصر لينين على إجراء مؤتمر فوري لمناقشة أحداث عام 1905، والتخطيط لما يستوجب عمله. مارتوف أيضًا كان في صف الوحدة وكان مستعدًا لقبول المادة التنظيمية التي يفترض أنها كانت نقطة التنازع الرئيسية عام 1903، ولكنه لم يكن في صف الاستنتاجات التي توصل إليها لينين بعد «البروفة». أقيم مؤتمر مشترك في لندن في أبريل عام 1907، كان النقاش مثمرًا في العديد من المستويات. أصر المناشفة على الحاجة للعمل في الدوما القائم (شبه البرلمان القيصري) ولأنهم كان يؤمنون بأن الثورة لا بد تكون برجوازية ديمقراطية، كانوا متسقين حين ذهبوا إلى أن التحالف مع الكاديت الليبراليين المحافظين ضروري. لم يعارض لينين فقط هذه الفكرة، بل عارضها تروتسكي وروزا لوكسمبورج، أعلنوا أن البرجوازية الروسية مضادة للثورة، وأن الوضع تغير منذ الثورتين الإنجليزية والفرنسية. أصر البلاشفة على ضرورة إضافة مسألة العصيان المسلح على الأجندة، قاوم مارتوف بقوة وسعى لإفشال هذا الاقتراح، واستخدم نوعًا من التشويه المارتوفي الذي عادة ما كان يُغضب رفاقه ومنافسيه: «ربما يشترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الانتفاضة المسلحة، وربما يدعو الجماهير للثورة… ولكنه لا يمكنه أن يعد لانتفاضة إذا ظل مخلصًا لبرنامجه الذي يرفض أن يكون حزبًا لـ (الانقلابيين)». بخلاف مسألة «العصيان المسلح»، انتصرت حجج البلاشفة في كل الموضوعات. بعد ستة أسابيع من المؤتمر، وجَّه الأمير ستوليبين ضربة قاتلة للمناشفة داخل الدوما وخارجه، وللصحافة الاشتراكية الديمقراطية الشرعية، وعاود اللجوء للقمع والبوجروم كما تنبأ لينين وغيره. غضب مارتوف، ولكن كان لا بد من مواجهة الحقائق. يعترف بيانه في عيد العمال عام 1908 بالواقع:

«من الخلف تهدد البروليتاريا الاشتراكية عصابات المئات السود ومرتكبو البوجروم الذين أطلقتهم الحكومة؛ ومن الأعلى –من دائرة الإنتلجنسيا الروسية التي قدمت لها (الإطراء)– تأتي الضحكة الساخرة النابعة من الانتشاء الذاتي للبرجوازية الصغيرة؛ وفي الخلفية البعيدة للمشهد يلوح ظل المشانق الخمسة آلاف لنيكولاي الثاني».

مع اندلاع الحرب، أصرت غالبية قيادات المناشفة والاشتراكيين الثوريين على ضرورة الدفاع عن روسيا القيصرية، ناصروا المجهود الحربي، أدى ذلك لانقسام بين صفوفهم: أدرك المناشفة اليساريون الذين كان يقودهم مارتوف أنهم اتخذوا مواقف قريبة من مواقف البلاشفة، أكثر من قربها من مواقف رفاقهم، رغم أنهم ارتعدوا حين قرأوا لأول مرة نداء لينين لتحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية؛ أي ثورة قارية على الرأسمال والإمبراطورية. ذهب مارتوف إلى أنه لا ينبغي عليهم أن يخرِّبوا الحرب، وأن يكتفوا بالتصويت ضد ديون الحرب، شعر أن الرمزية ستكون كافية لتنبيه الجماهير بأن الاشتراكية الديمقراطية مناهضة للحرب. مجددًا صار موقف لينين مُبَرَّرًا باندلاع ثورة جديدة في روسيا.

عاد لينين من المنفى في أبريل، وعاد مارتوف في يونيو. ووجه الرجلان بأحزاب سياسية مشغولة كثيرًا بالحاضر، وتخفق في النظر إلى المستقبل. كان هذا أمرًا مبررًا جزئيًا في هذه الحالة، إذ كانت الأحزاب الداخلية تعاني من ضيقات الثورة، وكانت تزدري المنفيين الذين وصلوا مؤخرًا والذين كانوا يظنون أنهم يعرفون كل شيء. استعاد لينين حزبه منهم وأعدهم لثورة أكتوبر. أما مناشفة مارتوف اليساريين فأخفقوا في السيطرة على الحزب حتى ديسمبر عام 1917. تعرض مارتوف للانتقادات من حلفائه بالحزب، إذ أرادوا منه أن يكون أكثر قسوة مع المناشفة اليمينيين، وأن يقاطعهم إذا استلزم الأمر ذلك. سوخانوف، عضو جناح مارتوف، عبر عن غضبه من التردد الذي تبدى حين اتبع المناشفة اليساريون الجناح اليميني، والأحزاب المضادة للثورة وغادروا سمولني، بدلًا من البقاء في مؤتمر السوفييتات. كتب المؤرخ:

«بمغادرة المؤتمر… قدمنا بأيدينا للبلاشفة فرصة احتكار السوفييت، والجماهير، والثورة… أكدنا على انتصار لينين الكامل… أعتبر أن جريمتي الراسخة الأعظم هي حقيقة أنني أخفقت في ترك جماعة مارتوف على الفور، بعدما صوَّت الفصيل لمغادرة المؤتمر. حتى اليوم لم أتوقف عن الندم على هذه الجريمة التي ارتكبتها في 25 أكتوبر».

بغض النظر عن المبالغة، كان هذا النقد الموجه لمارتوف مبررًا كلية. في لحظة محورية، أخفق في مناصرة الثورة، وانتقص ذلك من شأنه، والأهم، أنهى كل الفرص الممكنة لتشكيل حكومة موحدة مع البلاشفة. ناصر الاشتراكيون الثوريون اليساريون الثورة؛ وإذا كان مارتوف قد سار على هذا النهج لربما صار تأثيره أعظم بكثير.

معزولًا ومريضًا ومنهكًا، تأمل الزعيم المنشفي في كيف استطاع لينين أن يتفوق ذهنيًا وتصويتيًا على فصيله، كان يعرف أن حجته لم تنتصر حين فاز البلاشفة بالأغلبية في سوفييتي بتروجراد وموسكو عام 1917، تحول عندها المناشفة إلى فصيل زائد عن الحاجة. عرف بعد انتخابات الجمعية التأسيسية أن لا مكان لفصيله. سيطر الاشتراكيون الثوريون على الريف وحظوا بالأغلبية؛ وحظت الثورة بالمدن وبالطبقة العاملة. صوَّت عشرة ملايين للحزب البلشفي. حل البلاشفة الجمعية واتخذوا طريق الدكتاتورية الثورية، وأعلنوا ذلك ولم يتظاهروا بعكسه. هكذا كانوا أكثر بديهة من القيادة العليا الألمانية في النهاية وانتصروا في الحرب الأهلية التي يدعمها الوفاق. على عكس الطلب البلشفي الرئيسي بأن تنهي معاهدة برست ليتوفسك الحرب، ناصر مارتوف البلاشفة المعارضين للمعاهدة وطالب الميليشيات بقتال الألمان في كل مكان على التراب الروسي. ناشد لينين الجنود والبحارة الألمان بإسقاط القيصر (هذا الذي فعلوه)، وإقامة سوفييتات (هذا الذي فعلوه) والقيام بثورة، هذا الذي رفضوه.

في مارس عام 1919، كتب تروتسكي، الذي تعاون مع مارتوف في السنوات التي كان فيها منشفيًا، مقالًا وصفيًا عن رفيقه السابق، ورغم أنه كان دقيقًا، إلا أنه افتقد الكرم:

«لا شك أن مارتوف يمثل إحدى الشخصيات التراجيدية في الحركة الثورية. كاتب موهوب، وسياسي قدير، وعقل ثاقب، وخريج المدرسة الماركسية، ومع ذلك سيدخل مارتوف تاريخ ثورة العمال كصفر كبير. كان فكره يفتقد إلى الشجاعة، وتردده يفتقد إلى الإرادة. لم يكن عناده بديلًا، لقد دمره. الماركسية هي منهج للتحليل الموضوعي وفي الوقت نفسه شرط للفعل الثوري؛ إنها تفترض مسبقًا التوازن بين الفكر والإرادة هذا الذي يمكنه أن يوصل القوة الجسدية للفكر نفسه ويمكنه أن يضبط الإرادة بالتعاون الديالكتيكي بين الذاتي والموضوعي. مجردًا من الدافع الإرادي، وجَّه عقل مارتوف على الدوام كل قواه التحليلية نحو التبرير نظريًا لفكرة المقاومة الأقل. من النادر في أي وقت أن يتمكن سياسي اشتراكي من استغلال الماركسية بهذا القدر من الموهبة ليبرر الانحرافات عنها وخيانتها المباشرة. من هذه الجهة يمكن أن ندعو مارتوف مهاريًا، بدون أي رغبة في التهكم. هيلفردينج وباور ورينار وكاوتسكي نفسه على الرغم أنهم كانوا على دراية أكبر بمجالاتهم من مارتوف، إلا أنهم مبتدئين خُرْق في مسألة التزييف السياسي للماركسية، أي التمثيل النظري للسلبية والتكيف والخضوع كالأشكال العليا للنضال الطبقي غير القابل للتصالح.

لا شك أن مارتوف كان يملك غريزة ثورية؛ رد فعله الأولي على الأحداث العظمى كشف على الدوام عن طموح ثوري. ولكن كلما بذل جهدًا من هذا القبيل، انحلَّ فكره وتراجع، لأنه لا يحظى بدعم قوة الإرادة. يمكن أن نلحظ ذلك في الملامح الأولى من موجات الثورة (إسكرا)، ثم في عام 1905، ثم في بداية الحرب الإمبريالية، وجزئيًا حدث ذلك مجددًا في بداية ثورة عام 1917. ولكن كل ذلك كان بلا جدوى. اتسعت قدراته ومرونة فكره كلية في تجنب الأسئلة الأساسية والساعية نحو الوصول لمبررات لأمور لا يمكن الدفاع عنها، صار الديالكتيك على يديه أكثر أنواع التضليل تهذيبًا. العناد الذي لا يضاهى والأشبه بعناد القط، وإرادة التردد والتشبث بعدم اتخاذ القرار سمح له لشهور وسنوات في النهاية أن يتمسك بأكثر المواقف تناقضًا وغير القابلة للحل. على الرغم من كون ذلك كاشفًا أمام القلاقل التاريخية الحاسمة، والرغبة في اتخاذ موقف ثوري وتغذية الآمال، في كل مرة شعر بالإحباط: لم تُغفر خطاياه، ونتيجة ذلك غرق أكثر واتجه نحو القاع. في النهاية صار مارتوف واحدًا من أكثر السياسيين المثقفين والمهذبين والمخادعين والمترددين بين الإنتلجنسيا البرجوازية الصغيرة الغبية والتافهة والجبانة. وحقيقة أنه نفسه لم ير أو يفهم هذا يشير إلى أن تردده الموسوي كان يتهكم منه بلا رحمة. في أيامنا، في حقبة المهام والإمكانات الكبرى، التي ينفتح فيها التاريخ ويتمثل أكثر من أي وقت، كان مارتوف في منزلة بين لانجويه وتشرنوف.[5] ويكفي هذين الإسمين من أجل أن نقدر عمق السقوط الأيدولوجي والسياسي لهذا الرجل الذي كان أكثر موهبة من العديد من الآخرين».[6]

أقلق مرض مارتوف لينين، وتأكد من أن القيادة البلشفية أرسلت له أفضل الأطباء المتاحين لعلاجه. تعافى بما يكفي ليتمكن من السفر، وقَبِل دعوة ليتحدث في مؤتمر هاله للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني المستقل، الذي كان يناقش إذا كان سينضم للأممية الشيوعية أم لا. عارض مارتوف ذلك. ورغم وجود رفض بداخل القيادة البلشفية، أصرَّ لينين على أن يحصل على جواز سفر سوفييتي وأن يُسمح له بالحضور. عاود المرض مارتوف ولم يتمكن من الرجوع. أصر لينين أن يُرسَل له المال من أجل أن يحصل على الطعام والدواء، ورد ديفيد ريازانوف على ذلك قائلًا: «لن يقبل به إذا عرف أنه منك».

ولكن رغم ذلك أرسل الطعام والمال. كان مارتوف يحتضر ببطء حين أصيب لينين بأول جلطة. تمتم بحزن لكروبسكايا: «يقولون إن مارتوف يحتضر أيضًا». كان مارتوف قد مات بالفعل عندما أصيب لينين بالجلطة الثانية، ولكن لم يخبروه بذلك خوفًا على صحته. عندما أخبرته كروبسكايا، خرق لينين قواعد الأطباء وطلب أن يُجر كرسيه إلى مكتب الكرملين، حيث قرأ أفضل المراثي عن مارتوف في الصحافة السوفييتية. أ. ي. سفيديرسكي، أحد الأصدقاء القدامى لعائلة أوليانوف ومفوض الزراعة، والذي زار لينين في شهوره الأخيرة، ذكر أن لينين كان مصرًا على الذهاب لرؤية مارتوف، ولأنه مشلول وغير قادر على الحديث، كان يشير إلى كتب مارتوف ويومئ للسائق أن يصحبه لرؤية مؤلفها على الفور. بلطف أخبرته كروبسكايا مجددًا أن مارتوف توفى. هل كان يفكر في مناشدة مارتوف اليائسة للبلاشفة في أن يتركوا المناشفة اليساريين يمارسون نشاطهم كـ «معارضة وفية» في السوفييت؟ أصر مارتوف بأن هذا سيكون مفيدًا للثورة والبلاشفة، ولكن صاحوا فيه حتى صمت.

مع وضع النقد السياسي المتضمن في مقالات لينين الأخيرة في الاعتبار –«لا نعرف أي شيء»– من الأرجح أنه كان يفكر فيما قاله مارتوف في بعض المسائل.

توفى لينين في 21 يناير عام 1924، بعد ثمانية أشهر من وفاة مارتوف. نشرت الجريدة المنشفية الصادرة من المنفى «الرسول الاشتراكي»، مرثية قالت فيها إنه «رمز بارز في الحركة العمالية» و«رفيق مارتوف»… المناهضون الآخرون، ومن ضمنهم كاتبي سيرة ذاتية غربيين رئيسيين مناهضين للشيوعية، ريتشارد بايبس وروبرت سرفيس، سيكتبون نصوصًا طويلة بشكل مشابه بعد وفاته. بينما لم يستطيعوا أبدًا الثناء على أي عنصر في سياسة لينين «الوحشية»، وفقًا لسرفيس كان لا بد من الاعتراف أن لينين:

«كان سيشعر بالعار كما شعرت كروبسكايا من الاستغلال السخيف لاسمه وأفكاره ونشاطاته. تتمثل المفارقة في أن الرجل الذي أشرف أكثر من الآخرين على التجميل والمبالغة من دوره في الحركات الاشتراكية في العالم ليس سوى الرجل الذي سعى لينين لإزاحته من موقع السلطة في الحزب البلشفي. هكذا تعرض لينين لإذلال بعد وفاته على يدي عدوه في آخر أيامه».

ينهي سرفيس كلامه قائلًا: «على فراش الموت لم يتصور لينين إستراتيجية تسمح بسفك دماء ملايين الفلاحين الأبرياء الذين يعملون بكد. ولم يسع إلى التخلص من أعدائه الحقيقيين والمتخيلين في الحزب… كانت رؤيته لمستقبل بشرية يتلاشى منها الاستغلال والمعارضة رؤية مخلصة، كانت هذه هي النقطة المركزية في حياته».[7]

أولى ريتشارد بايبس أهمية كبيرة لمراسلات لينين التي نُشرت بعد سقوط الشيوعية. جل النصوص التي يشير لها كدليل على قسوة لينين المتأصلة كُتبت أثناء الحرب الأهلية، حين كانت الجمهورية السوفييتية الوليدة تقاتل للحفاظ على حياتها. ينبغي أن يعلم الأكاديميون الأمريكيون أن الحروب الأهلية ليست شؤونًا بسيطة، بغض النظر عن الجانب الذي تناصره، وكذلك لا يصح أن تتبنى لهجة أخلاقية عالية مع لينين، ولا تتبناها مع مظاهر النفاق لدى لنكولن. لم يكن هذا هو الحال على الدوام مع بايبس؛ في كتاب أبكر كان أكثر اتزانًا، كتب أن لينين مات قبل أوانه، «والهيكل النهائي للاتحاد السوفييتي كان سيختلف تمامًا عن الهيكل الذي شكله ستالين في النهاية».[8] وهذا أمر واضح.

كل شيء كان لينين يخشى حدوثه حدث بالفعل، بداية مما فعله ستالين والبوليتبورو بالجسد الميت. ظلَّت عائلة أوليانوف كلها، وخاصة أرملته، معارضة بقوة لتحنيط لينين. ألقى بخطاب الجنازة الرسمي تلميذه السابق جوزيف ستالين، بلهجة مستلهمة بشدة من الكنيسة الأرثوذوكسية. تحوَّل الثوري إلى قديس بيزنطي. ولكن بأسلوبها الهادئ ألقت ناديا كروبسكايا في اليوم نفسه خطابًا أقوى، وقفت إلى جانب نعش زوجها في الجناز وقالت:

«أيها الرفاق، العاملون والعاملات، والرجال والنساء الحاضرون! لدي طلب عظيم منكم: لا تنصبوا تماثيل له، أو تسموا قصورًا باسمه، أو تنظموا احتفاليات وقورة وفخمة لذكراه –لم تكن لهذه الأشياء قيمة كبيرة في حياته، بل حتى كانت عبئًا عليه. تذكروا عدد الفقراء والمشردين في بلادنا. إذا كنتم تريدون تكريم اسم فلاديمير إيليتش، انشئوا بيوتًا للأطفال ورياضًا لهم ومنازل ومدارس ومكتبات ومرافق إسعاف ومستشفيات ومنازل للمصابين، وقبل كل شيء كونوا شهادات حية على مُثُله».

سيتم تجاهل ذلك أيضًا، وبعد تحويل لينين إلى مومياء بعدة سنوات سيحوِّل رجال الحزب وزعيمهم أفكاره أيضًا إلى مومياوات. بأسلوبه الغريب، تنبأ لينين بهذا الاحتمال. وكل ما يتمناه المرء، في الوقت الذي سيُدفن فيه جسده في النهاية، أن تحيا بعض أفكاره، خاصة المتعلقة بأهمية السياسة والإمبريالية وتقرير المصير والدولة الشيوعية. وسواء حدث ذلك أم لا، فالتحذير التالي يمكن أن يقوم بدور النقش الحقيقي على شاهد القبر:

«بعد موتهم، كانت هناك محاولات لتحويل الثوريين إلى أيقونات بلا حول ولا قوة، محاولات لتقديسهم، وبالتالي تبجيل أسماءهم إلى حد معين من أجل (تعزية) الطبقات المقهورة وبهدف خداع تلك الطبقات، بينما في الوقت نفسه تُسرق النظرية الثورية من جوهرها ويُشَذَّب طابعها الثوري، ويتم ابتذالها».

***

[1] السيرة الوحيدة المتبقية عن مارتوف كتبها إسرائيل جتسلر «مارتوف: سيرة سياسية لاشتراكي ديمقراطي روسي»

Israel Getzler, Martov: A Political Biography of a Russian Social Democrat, Cambridge, UK,1967.

بالطبع يحتوي عمل جتسلر على نقد لموضوع كتابه، ولكنه يستنتج أن إيمان مارتوف بالماركسية والبروليتاريا هو ما أبقاه في مجال الشخصيات المؤثرة على لينين، وإن لم يعد رفيقًا مقربًا. يحتوي الكتاب على قدر كبير من المعلومات القيمة إلى جانب بورتريه للرجل الذي أطلق عليه تروتسكي «هاملت الاشتراكية الديمقراطية».

[2] Getzler, Martov, p. 110.

[3] Ibid, p. 191.

 Nikolay Valentinov,Encounters with Lenin, Oxford, 1968, p. 43.[4]

[5]  Charles Longuet (1839-1903) صحفي فرنسي شارك في كميونة باريس وانضم للأممية الأولى، Viktor Chernov (1873-1952) أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الثوري وكان وزيرًا بالحكومة المؤقتة.

[6]Leon Trotsky,World Revolution, vol. 1, 18 March 1919/24 April 1922.

[7]Robert Service, The Iron Ring, vol. 3 of Lenin: A Political Life,London, 1995, pp. 322–3.

[8] Richard Pipes, Formation of the Soviet Union, Cambridge, MA, 1964, p. 276.

النسخة البشعة كانت في كتابه «لينين المجهول»

The Unknown Lenin, New Haven, 1998.

اعلان