إصلاح الجهاز الحكومي على طريقة «انسف حمامك القديم»

في أكتوبر الماضي تحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أمام رجال الأعمال في غرفة التجارة الأمريكية عن خطة لإصلاح هيكلي للجهاز الحكومي، لم يتم الكشف بعد عن تفاصيلها التي قال مدبولي إنه يتم إعدادها بالتعاون بين وزارتي التخطيط والاتصالات، لكن الملمح الأساسي الذي اختارت وكالة رويترز أن تركز عليه، في نقلها لكلمة الوزير خلال هذا الاجتماع، هو توقعه بأن « 38% على الأقل من الموظفين في القطاع العام سيحالون إلى التقاعد في السنوات العشرة المقبلة».

يستدعي هذا إلى الأذهان بطبيعة الحال التجربة التونسية، فقد ابتُلي هذا البلد باتفاق مع صندوق النقد الدولي قبل الاتفاق المصري بنحو سبعة أشهر، ومن وقتها أصبح مُلزمًا ببرنامج من الإجراءات الاقتصادية للسيطرة على الوضع المالي المتدهور.

وأحد أسس برنامج التقشف الذي اتفقت عليه الحكومة التونسية مع الصندوق هو تشجيع الموظفين في الجهاز الحكومي على الخروج طواعية من الخدمة، ووضعت البلاد خطة لتسريح عدد ضخم بنحو 16.5 ألف موظف خلال عامي 2017 و 2018.

ومع النظر إلى أن أعباء الأجور الحكومية في تونس تفوق مصر بشكل كبير،إلا أن الحكومة التونسية لم تستطع تجميد الأجور الحكومية بعد اتفاقها مع الصندوق مثلما فعلت مصر.

فنفقات الأجور في تونس بلغت نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي في 2017، وأقصى طموحات أشقائنا التوانسة أن يتم تخفيضها إلى 12% من الناتج في 2020، بينما قدرت الحكومة المصرية نسبة الأجور من الناتج في السنة المالية 2016-2017 بـ 6.5% وفي 2017-2018 بـ 5.5%.

لكن اتحاد الشغل في تونس -النقابة العامة لعمال تونس- استمر في ممارسة ضغوطه، حتى الوقت الراهن، لحماية الأجور من سياسات التقشف، وهو يرتب هذه الأيام لإضراب عام للضغط لرفع الأجور.

أما المسار المصري في التعامل مع معضلة العمالة الحكومية  فقد بدأ منذ بداية حكم عبد الفتاح السيسي، حيث أخذت مصر مسار التقشف في الأجور، لكنها لم تقترب من فكرة التسريح.

سعى النظام المصري لتفصيل برنامج من السياسات المالية منذ 2014 يصل به إلى اتفاق مع الصندوق، وفي هذا السياق بادر بإصدار قانون للخدمة المدنية، بعد نحو ثلاثة عقود من صدور آخر تشريع منظم للعاملين لدى الجهاز الإداري للدولة، وكان أبرز ما تم تطبيقه تحت القانون الجديد هو تجميد طريقة الحوافز القديمة التي تتم إضافتها للأجور، وإعادة تأسيس نظام جديد للحوافز.

وساهم هذا التحول في كبح نمو الأجور الإجمالية لقطاعات واسعة من الموظفين مما مكن الدولة من تخفيض معدل النمو في ميزانية الأجور الحكومية، ليصل في السنة المالية 2015-2016 إلى 6.8% ثم ينخفض في 2016-2017 إلى 4.8%، بعد أن كان متوسط النمو في تلك الأجور بين عامي 1990 و2014 نحو 15%.

الجديد الآن هو تلميح الحكومة في الوقت الراهن إلى تقليص أعداد موظفي الدولة، وهو ما يأتي بعد تصريحات متكررة للرئيس بأن الدولة ليست في حاجة للأعداد الحالية من الموظفين، وأن هناك حاجة لتقليصهم بشدة من وجهة نظره.

وتربط الحكومة مخططات تقليص أعداد العاملين بخطة نقل الجهاز الإداري للدولة إلى العاصمة الجديدة، المتوقع افتتاحها في 2019، فمن المتوقع أن تنقل الحكومة الموظفين «المهرة» فقط. ويرى خبراء أنه لا يُعقل أن يتم نقل العناصر الأقل مهارة للمدينة الجديدة، التي يهيمن عليها الإسكان الفاخر وسكانها من الطبقة العليا، لذا يبدو التخلص من تلك العمالة خلال عملية الانتقال أحد السيناريوهات المطروحة بقوة.

ولكي نُقيم سياسات الحكومة تجاه موظفيها بشكل جدي علينا أن نفرق بوضوح بين ما يمكن أن نطلق عليه «إصلاح» وما يسمى بـ «التقشف»، والسياسات الحكومية في رأيي أقرب للأخيرة من الأولى.

لا توجد في تصريحات المسؤولين حتى الآن أي رؤية واضحة وراء استهداف تقليص أعداد العاملين، غير رغبتها في تخفيض النفقات العامة بطريقة لا تمس مصالح المستثمرين والطبقات العليا، وكما أوضحت دراسة سابقة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية فإن أعداد العاملين في الحكومة المصرية ليست مرتفعة قياسًا بالمتوسطات العالمية.

لا شك أن هناك حاجة لتطوير مهارات قطاعات واسعة من العاملين، وهذه مهمة الدولة أيضًا، ولكن علينا ألا ننسى ما هي جذور تضخم أعداد العاملين بهذا الشكل.

فقد اعتمدت الدولة منذ الحقبة الناصرية على الجهاز الإداري كوسيلة لتوفير الوظائف للعاملين الذين لا يستوعبهم القطاع الإنتاجي، حيث كانت تضع إحلال الواردات وتعميق التكنولوجيا ضمن أبرز أولوياتها، وهو ما كان يتعارض مع توجيه القطاع الإنتاجي لأنشطة كثيفة التشغيل في بعض  الحالات.

ثم تراجعت الدولة عن التدخل في النشاط الإنتاجي وتركت هذا المجال للقطاع الخاص، وظلت توفر له وسادة مريحة لصد الضغوط الاجتماعية عن طريق التزامها بتوفير قدر مهم من فرص العمل في جهازها الإداري، على أمل أن يتطور النشاط الخاص ويحقق الاحتياجات التنموية على المدى الطويل سواء فيما يتعلق بالنمو أو التشغيل.

لكن عمليا لم يحدث ذلك، وظلت مصر مريضة بمعدلات مزمنة من البطالة، لذا فإن طرح مشكلة أعداد العاملين في الحكومة ومستويات مهاراتهم خارج سياق النقاش حول فشل سياسات الدولة في توفير بيئة إنتاجية عالية التشغيل، هو نوع من التضليل للرأي العام.

أما بالنظر للعنصر الثاني في إصلاح القطاع الحكومي، والمتعلق بالتكلفة المالية للأجور، فهو محور يستلزم منا أن نتعرض لبعض خلفياته حتى نقرأه في سياق أكبر.

منذ الحقبة الناصرية والدولة تتحدث عن غياب العدالة في أجور القطاع الحكومي، وصدرت تشريعات متوالية كل واحد منها يرفع لواء ثوريًا ويتحدث عن أنه سيقضي على هذه التفاوتات وينشر العدالة، ثم يأتي التشريع التالي ليثبت أن التشريع السابق عليه كان ينقصه العدالة وأنه سيصلح النقص القائم فيه.

وآخر هذه السلسلة كان قانون الخدمة المدنية الصادر في عهد السيسي، والذي تم فيه تجميد الحوافز تحت مبرر أن التفاوتات فيها صارت كبيرة للغاية بين جهة وأخرى وأن القانون الجديد سيُعالج ذلك، لكن عمليًا ظل الوضع على ما هو عليه.

وكانت أبرز الجهات المتلقية للأجور الكبيرة، قبل صدور قانون الخدمة المدنية، هي الجهات المساهمة في زيادة الإيرادات العامة (مثل العاملين في تحصيل الضرائب أو في البنوك العامة أو في قطاع البترول) أو من يمثلون مناصب ذات ثقل سياسي.

القانون من البداية لم يشمل بأحكامه العديد من القطاعات التي تتمتع بأجور مميزة، أما القطاعات الخاضعة لقانون الخدمة المدنية وتحظى بأجور مميزة قبل تطبيقه، مثل الضرائب، فقد كان هناك تسليمًا صريحًا بحقها في بناء نظام حوافز مميز يميزها عن غيرها من القطاعات المخاطبة بنفس القانون.

لماذا يقع هذا النمط من السياسات المالية إذن تحت بند التقشف وليس الإصلاح؟ لأن الجمود في نمو الأجور أصاب في كثير من الحالات العاملين في مجالات تمس التنمية، بينما حافظت القطاعات التي تتمتع بثقل سياسي على معدلات نمو معقولة في أجورها.

ويظهر الرسم البياني التالي كيف كانت معدلات النمو الضعيفة في ميزانية الأجور للسنة المالية الحالية، 2018-2019، من نصيب القطاعات الأكثر ارتباطا بالتنمية. فقطاع «شؤون العمالة» مثلا، الذي تندرج تحته وزارة القوى العاملة والذي تراجع معدل النمو في أجوره خلال العام الجاري، يلعب العاملون فيه دورا بالغ الأهمية في تنظيم عمليات التفاوض بين العمال وأصحاب العمل، وهو أمر ينعكس بشكل كبير على توزيع ثمار النمو، كذلك تراقب هذه الوزارة الأمور المتعلقة بالأمن الصناعي، ومن المعروف أن ضعف أجور الموظفين يشجع على قبول الرشى من أصحاب الأعمال.

من جهة أخرى فإن قطاع الحماية الاجتماعية، الذي تندرج تحته وزارة التضامن الاجتماعي، والذي لم يتجاوز النمو في أجره 0.6%، يقوم بدور هام في الوقت الحالي في توزيع المعاشات النقدية، التي تعول عليها الدولة كأحد أشكال التعويض عن معدلات التضخم الناتجة عن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة.

وغني عن التعريف أهمية دور التعليم في تطوير أداء الطبقة العاملة، لكن الأجور فيه لم تنمو بأكثر من 6.3% مقابل نمو لأجور العاملين في قطاع الضرائب مثلا يتراوح بين 34 و53% خلال العام الجاري.

وكذلك نشاط النقل الذي يعد عصب الحياة الاقتصادية، وقد أصبح حضور الدولة فيه محدودًا مع توسع نشاط النقل الخاص، فإن أجور العاملين فيه نمت بنحو 7.6%.

وإذا نظرنا لنصيب كل قطاع من مجمل ميزانية الأجور، سنرى أن العديد من القطاعات التي تمثل النفوذ السياسي الأكبر في الدولة تستحوذ على القطعة الأكبر من الكعكة، (القطاعات المرتبطة بالهيمنة سواء القوة التنفيذية أو تلك الممثلة في أنشطة ذات طابع أيدولوجي مثل الثقافة والشؤون الدينية)، ولا نتعرض في هذا السياق لأجور ديوان وزارة الدفاع لأنها لا تظهر في الموازنة.

لكن الرسم السابق لا يعطينا بالضرورة الصورة الكاملة لواقع توزيع الأجور، حيث سنجد أن للتعليم مثلا نصيب كبير، يصل إلى الثلث تقريبا، رغم أن نمو الأجور في هذا القطاع  كان ضعيفًا، ويرجع ذلك إلى ارتفاع أعداد العاملين في التعليم، لذلك يجب النظر أيضًا إلى قيمة مخصصات الأجور منسوبة لعدد العمالة فيه.

ويتضح من الشكل التالي كيف يرتفع متوسط أجر الفرد في قطاع الخدمات العامة، الذي تندرج تحته قطاعات مثل الضرائب والشؤون الخارجية، لتصل إلى نحو 9.5 ألف جنيه شهريًا، مقابل نحو ألفي جنيه للعاملين في الحماية الاجتماعية، على سبيل المثال.

لكن هذا التوزيع القطاعي لمتوسط الأجر لا يعكس بصورة واضحة التفاوتات في الأجور داخل كل قطاع منهم، والتفاوت حتى في الحوافز داخل كل كيان حكومي بين إدارة وأخرى ومنصب وآخر.

باختصار يصعب أن نصل إلى صورة محددة عن أكثر الجهات ذات الحظوة، في ظل صعوبة العثور على بيانات مفصلة عن أعداد الموظفين من كل جهة حتى نصل إلى متوسط الأجر بشكل أوضح داخل كل قطاع، كذلك في ضوء تعقيدات نظام الحوافز الحكومي وتفاوتاته داخل كل جهة حكومية، لكن الرسوم السابقة تعطينا مؤشرات عامة.

والخلاصة قد نقرأها في نصيب قطاع مثل هيئة نظافة القاهرة على سبيل المثال من إجمالي ميزانية الأجور، والبالغ 0.1%، والذي يعطينا مؤشرًا على فلسفة الدولة تجاه الإصلاح، فهي لا تكترث بنظافة العاصمة القديمة، وتتعامل معها بمنطق انسف حمامك القديم وأذهب للعاصمة الجديدة.

وفي سياق عملية التجديدات تلك قد يتم التخلص من مجموعات من العمالة الحكومية، كما يظهر من تصريحات رئيس الوزراء التي أشرنا لها في بداية المقال، في خطة ممتازة تصل بنا إلى تقليص النفقات بما يحقق زيادة الفائض المالي الأولي للموازنة الذي تحلم به الحكومة بالليل والنهار، لكننا لا يمكن أن نسمي هذا إصلاحًا اقتصاديًا بأي حال من الأحوال.

اعلان