الإمارات.. رسائل العفو

استعاد الأكاديمي البريطاني، ماثيو هيدجز، حريته بفضل عفو من رئيس دولة الإمارات بمناسبة العيد الوطني. أُغلقت القضية بشكل يرضي جميع الأطراف. فالسلطات الإماراتية أذاعت فيديو مسجل يقر فيه هيدجز بأنه عضو في المخابرات البريطانية، ومن ثم أعلنت عن قرار «الرأفة». أما الحكومة البريطانية فقد رفضت الاتهامات، وأعربت خارجيتها عن «امتنانها» في الوقت نفسه. لكن القضية لها دلالات أبعد من مسألة الحريات الأكاديمية أو إجراءات التقاضي في الإمارات.

ففي الوقت الذي يواجه فيه الثنائي «السعودية-الإمارات» ضغوطًا غربية، على خلفية قضية مقتل خاشقجي، كان من غير المتوقع أن تدفع الإمارات بالمزيد من التوتر، وتوجه إحدى محاكمها هذا الاتهام الصريح لبريطانيا بالتجسس، مصحوبًا بحكم قاسٍ بالسجن مدى الحياة لأحد مواطنيها. لكن في ما يبدو فإن التوقيت كان مقصودًا، فتبعات قضية خاشقجي والتي تمثلت في تجميد عقود لتوريد السلاح، ونقد غربي متصاعد للحرب في اليمن وللسجل الحقوقي للسعودية وحلفائها، تطلبت رد فعل مناسب وسريع.

لم تكن قضية هيدجز الأولى من نوعها، فالسلطات الإماراتية، قد قامت مرارًا بتوقيف باحثين وأكاديميين أجانب، وقامت بترحيلهم من البلاد، وفي حالات أخرى منعت دخولهم أصلًا. إلا أن رد الفعل القاسي في القضية الأخيرة يمكن فهمه بالنظر لموضوعات البحث التي كان هيدجز يعمل عليها، ومن ضمنها البنية القبلية للمجتمع الإماراتي، وتأثيرها على الرأي العام الداخلي بخصوص الحرب في اليمن.

حمل الحكم رسائل واضحة، فالتحالف الخليجي غير راضٍ عن أي تعليقات غربية على أوضاعه الداخلية، ولا أي نقد بخصوص سياساته العسكرية في المنطقة. ويأتي التحذير في وقته تمامًا، ليقول إن لحظة الضعف التي تلت افتضاح قضية خاشقجي لن تستمر، بل إن الثنائي الخليجي خرج منها أقوى من السابق.

كان الحكم على هيدجز قد اجتذب ردود أفعال واسعة في الأوساط الأكاديمية، وأعلنت جامعات برمنجهام واكسيتر ودورهام مقاطعة الإمارات بدرجات مختلفة، فيما وقع 650 أكاديميًا من حول العالم عريضة إلكترونية تطالب الإفراج عن زميلهم، وأعلن عدد من الكتاب مقاطعتهم لمهرجان دبي الأدبي المزمع إقامته في مارس المقبل. وعلى عكس ما يبدو، فإن ما كشفت عنه ردود الأفعال تلك، كان هو النفوذ التي تحظى به المؤسسات الإماراتية في الأكاديميا الغربية. فبالإضافة إلى التمويل المالي للكثير من أقسام دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية والبريطانية، فإن جامعات سيتي ومانشستر ومدرسة لندن للاقتصاد وميدل سيكس وإكسيتر وهيريتوات، لديها فروع في الإمارات، فيما تدرس جامعة برمنجهام إنشاء فرع لها هناك، بتكلفة 100 مليون استرليني. والتزمت معظم تلك الجامعات الصمت، فيما يخص القضية، واكتفت واحدة منها بتعليق العمل البحثي في مقرها في دبي، وعلق اثنين منها فقط تعاونهما مع المؤسسات الإماراتية بشكل كامل. وفي ما يخص مهرجان دبي الأدبي، فإن غالبية الكتاب البريطانيين المدعوين لم يعلقوا على الأمر، واكتفى بعضهم بالتصريح بأنهم يعيدون النظر في قبول الدعوة.  

وبعيدًا عن الأكاديميا، فإن الإمارات وجدت من يدافع عنها في بريطانيا. فمع تصاعد الدعوات لنادي «مانشيستر سيتي»، المملوك للشيخ منصور بن زايد، حتى تعلن إدارته عن موقف من قضية هيدجز، فإن مشجعي الفريق الكروي انطلقوا على وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن الإمارات، ولجأ بعضهم لموقف يدعي الموضوعية. ولفتت تلك المواقف انتباه الصحف البريطانية، التي وصفت الإمارات في خضم الأزمة بأن «عمرها بالكاد 47 عامًا، ولا تساوي مساحة إسكتلندا»، قبل أن تعود للتذكير بأن 120 ألف بريطاني يعملون بها، وتعتبر ثاني أكبر مستورد للسلع والخدمات البريطانية في المنطقة العربية، وكذلك بأن ثاني أكبر استاد لكرة القدم في لندن يحمل اسم «الإمارات».

تعاملت الحكومة البريطانية، مع القضية بتراخٍ واضح؛ فهي لا تملك اليوم ترف المغامرة بعلاقاتها الاقتصادية مع «مستعمرتها» السابقة، بينما تمزقها الخلافات حول البريكزت. وجاء العفو الإماراتي لينتشل الخارجية البريطانية من الانتقادات الإعلامية المتزايد تجاه أدائها من الأزمة، وليحرز نقطة واضحة ورسالة في غاية الإيجاز: يمكنكم العمل معنا، لكن بشروطنا.

اعلان