غريب في الساحل
«مصيف ما بعد العجمي».. ماذا حدث في سنوات الانتقال غربًا؟
 
 
 
الساحل - المصدر: عثمان الشرنوبي - صورة: Osman El Sharnoubi
 

هي المرَّة الأولى لي هنا منذ ثلاث سنين، وشعور بالألفة يغمرني على الفور. هذه الرمال البيضاء الناصعة، والمياه الفيروزية المعانقة للشاطئ، وتلك الشاليهات المتجاورة إلى ما لا نهاية.

قبل سنوات، اشترى والداي «شاليه» صغيرًا مطلًا على البحر مباشرة. كان يقع هذا الشاليه على مقربة من «lk» مرسى مطروح، في منطقة عجيبة، وكانت بعيدة جدًا عن الانفجارة المعمارية التي كانت تشهدها المنطقة الواقعة إلى الشرق من مرسى مطروح، على مقربة من الإسكندرية، في أوائل تسعينيات القرن الماضي. تلك الانفجارة التي غيَّرت وجه المنطقة نتيجة بناء القُرى المصيفية التي هيمنت على الشريط الساحلي منذ ذلك الحين.

في عام 1995، باع والداي الشاليه، وأصبحتُ أنا متطفّل على المنطقة، لا أنعم برمال الساحل البديعة ومياهه الصافية، إلا بدعوات من الأهل أو الأصدقاء من أصحاب العقارات هناك، أو كلما قرَّر والداي أن يستأجرا مكانًا لمدة أسبوع أو نحو ذلك، وهو ما لم يكن يحدث إلا نادرًا.

صرتُ أقرب إلى غريب في الساحل. ولم أبالغ في التطفل، فلم أكن أكثر من السفر، وصرتُ في المرَّات النادرة التي أسافر فيها إلى هناك أندهش من التغيّرات الهائلة التي تطرأ على المكان خلال انقطاعاتي الطويلة عنه.

في السنوات التالية لبيع شاليه مرسى مطروح، كانت أكثر فترات انتظامي في التردد على الساحل الشمالي هي منتصف العقد الثاني من حياتي. كل شيء في الساحل كان يبدو طبيعيًا، ولسبب بديهي: هو أننا كنا نقضي هناك وقتًا رائعًا.

في الصباح، كنتُ أصحو مبكِّرًا رغم سهري ليلًا، في غرفة تفيض بضوء الشمس، ونسمات البحر تداعب وجهي. ثم نشترك أنا و مَن يشاركني الغرفة في الحديث ونحن مستلقين على سرائرنا، إلى أن يُطلق نداء الإفطار، لنتحلَّق حول المائدة لتناول الطعام، وسط جو من الإثارة عما ينتظرنا في بقية اليوم.

كان الصغار ـ أي نحن ـ نتلكّأ في أرجاء شاليه جميل، مزيَّن بأثاث من أخشاب فاتحة اللون والبامبو، وأشغال سيراميك رقيقة ولوحات صيفية مبهجة معلقة على الجدران، فضلًا عن الفناء المكسو بالنجيلة. في تلك الأيام، نادرًا ما كانت بيوت القاهرة تحاذيها مساحات نجيلية، فزادت ندرتها من شعورنا بالبهجة ونحن نستشعرها تحت أقدامنا.

لا تزال ذكرياتي عن تلك الأيام حاضرة في ذهني؛ محاولة اصطياد الكابوريا الصغيرة وهي تسعى لغرس نفسها في الرمال بعدما ألقتها الأمواج على الشاطئ، وغرقنا في رذاذ الماء وأجذاعنا عارية والشمس تحرق ظهورنا، ولعب «بدون كلام» ليلًا في الشاليه، وركوب الدراجات في شوارع القرية القليلة، والتسامر متكئين على سور الشاطئ الحجري – كنّا مدللون، وليس غريبًا أن كل ذلك كان يبدو طبيعيًا، في هذا المكان السعيد، في «الساحل» الكلمة التي تحوّلت من كلمة عربية تصلح لأي مكان على بحر إلى اسم لمنطقة بدأت تظهر إلى الوجود في أواخر الثمانينيات والتسعينيات.

ولكن هذه الذكريات، برغم وضوحها، غير كثيرة. فأنا، كما أشرتُ من قبل، غريب في الساحل. وإحساسي بالغربة ازداد عمقًا هذا الصيف، عندما سمعتُ مصطلح «الساحل الجديد» يتردد بتلقائية شديدة. فيبدو أن ساحل جديد ظهر إلى الوجود وأنا غير منتبه، أُقيمت فيه عشرات القرى الساحلية خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة بعد مدينة سيدي عبد الرحمن، الواقعة على بعد نحو 140 كيلومتر غرب الإسكندرية، والتي كانت من قبل حدود الساحل، عندما كان هناك ساحل واحد فقط.

غير أن هذه التغييرات الكثيرة لم تنل من ثوابت كنتُ أعيشها كلما رجعتُ، حتى هذه اللحظة.

فبرغم أنه بوسعك تغيير الأفق الساحلي بطُرق كثيرة، فبوسعك أن تحفر البحيرات في الرمل، والانتقاء من بين تصميمات لانهائية ما يناسب الشاليه أو الفيلا التي ستبنيها،  ليس بوسع أي من المقاولين أن ينتزع نسيم البحر المنعش الذي لا أستطيع الامتناع عن ذكره كل يوم أقضيه على الساحل، مثيرًا لسخرية أصدقائي مني.

الرمل والبحر والنسيم في رأيي هو ما جذب المصطافين في مصر إلى الساحل الشمالي. وهو الذي على مدار عقود كان – ولا يزال- ملاذًا من حرارة الصيف الخانقة في البلدات والمدن الداخلية.

لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ أهو مجرد بناء الناس بيوتًا مصيفية لينعموا فيها بشاطئ جميل في الصيف؟

بداية، كيف كان لأكثر من 200 كيلومتر من الشواطئ المميزة أن تُستقطَّع وتُباع لأشخاص وشركات خاصة على مدار السنوات الثلاثين أو الأربعين الماضية؟ وكيف تأتّى لتلك القرى التي أُقيمت على تلك القطع من الساحل أن تفقد فتنتها، بين عشية وضحاها، أمام قرى أحدث صعد نجمها فجأة؟

ولو لم أكن محظوظًا بمعارفي، فهل كان ليُتاح لي زيارة الساحل، سواء فيما مضى أم الآن؟

تأمّلي في تلك الأسئلة خلال رحلتي الأخيرة إلى الساحل في الصيف الماضي جعلني أدرك أن شيئًا ما غائب عن الصورة.

هنا في الساحل، تتغيّر الأذواق، ويُكتسب رأس المال الاجتماعي بمجرد امتلاك شخص لشاليه أو فيلا في قرية معينة، أو سهره في ملهى ما. هنا ملعب المصطافين الباحثين عن الخصوصية، يخدمه مقاولون كبار يخلقون الرغبة في الحصرية، وسرعان ما يبيعونها للأثرياء الباحثين عن التميز. هنا أُهدرت فرص تنمية اقتصادية حقيقية. وهنا، في ثنايا ذلك، مضى بلا كلل بناء الشاليهات والفيلات.

خريطة الساحل الشمالي الغربي

«في البداية كانت لدينا كابينة في رشدي، ثم ازدحم الشاطئ، فانتقلنا إلى سيدي بشر، وكان في وقتها هو المكان الجاذب، ولكن «سيدي بشر 1»، و«سيدي بشر 2»، كانا ممتلئين بالفعل، فمضينا إلى «سيدي بشر 3»، قبل أن ننتقل إلى كابينة في المنتزه». ذلك ما يتذكره عمي، وعلى وجهه علامات السخرية من الرغبة الدائمة للطبقة المصرية الميسورة في مقاصد أكثر حصرية لقضاء إجازاتهم.

ولو أبدلنا بأسماء هذه الشواطئ السكندرية أسماء قرى الساحل اليوم، لأمكن استخدام هذا التعليق الذي يصف شواطئ الخمسينيات والستينيات في الإسكندرية استخدامًا حرفيًا عن الساحل في العقد الماضي.

لقد توالدت «مارينا»، القرية التي تُعد أحد معالم الساحل، «مارينا 2»، و«مارينا 3»، حتى «مارينا 7». و«هاسيندا»، وهي من القرى البارزة الأحدث في الساحل، تتباهى الآن بامتدادها إلى «هاسيندا وايت» و«هاسيندا ويست». لكن في حين كانت المسافة بين شاطئي «سيدي بشر 1»، و«سيدي بشر 2»، في الإسكندرية لا تتجاوز عشرات الأمتار، فإن المسافة بين الهاسيندات تصل إلى عشرات الكيلومترات. وهذا التضخم في النطاق امتد إلى القرى نفسها، لتتحول الكبائن إلى شاليهات، والشاليهات إلى فيلات.

العجمي

في مراهقتي، كان ثمة هالة تحيط بالمصطافين في العجمي، وهي بلدة صغيرة في ضواحي غرب الإسكندرية أقام فيها الناس شاليهات وفيلات.

كان العجمي في منتصف السبعينيات يعتبر مصيف استثنائي لنخبة صغيرة من المصطافين، وحافظ على هذا التميّز حتى التسعينيات، حينما بدأت مرحلة هيمنة الساحل. ولكن رغم ذلك، فبقي الناس ينتقلون إلى العجمي لقضاء سهراتهم في أماكن مثل ملاهي «سَمَرمون»، و«تيجونا»، و«كرستينا»، وكانت تلك هي الملاهي الليلية الوحيدة القريبة من الساحل آنذاك. وعُرف مصطافو العجمي بالـ «عجميستاز».

بدا الطبيعي في نظري أن أبدأ من هناك، نظرًا لقرب العجمي من الإسكندرية، ولأن النزوح المصيفي بدأ من هناك قبل عقود.

في العجمي، صارت أحياء فيلات المصطافين القدامى كمدن الأشباح، وشعرتُ بوحشة عميقة أثناء سيري في إحدى شوارع العجمي المهجورة التي تصطف على جوانبها الفيلات والأشجار.

وقد شَهدَت بقية البلدة ـ وهي الآن أقرب إلى المناطق غير المخططة المنتشرة في ربوع مصر ـ توسعًا هائلًا منذ أن كانت ملاذ الإجازات للطبقة العُليا. نزح إليها سُكّانها في الأصل من الإسكندرية بحثًا عن مناطق ساحلية أقل ازدحامًا، ثم تركوها في السنوات العشرين الماضية إلى شواطئ الساحل الأكثر خواءً وخصوصية، وقد احتشدت بعشرات القرى منذ منتصف التسعينيات.

اليوم، كثرت البنايات المبعثرة ذات الواجهات الباقية على الطوب الأحمر ـ التي تعد أحد علامات الإسكان المصري ذاتي البناء ـ فقزَّمت شاليهات وفيلات العجمي الجالسة وسط حدائقها في هدوء. وبوسع كل ناظر أن يرى كيف رفعت الحكومة يدها عن العجمي وتركته يندمج مع زحف الإسكان غير المخطط المتنامي في ضواحي الإسكندرية. لدرجة أن العجمي تصدَّر إحصاء حكوميًا في 2017 خاصًا بالمباني غير المرخصة في محافظة الإسكندرية. أصبحت البلدة ملاذًا للمقاولين الباحثين عن الربح غير المكترثين بقوانين البناء، وكثيرًا ما يشترون الفيلات القديمة ليبنوا على أراضيها في غفلة من الحكم المحلي، أو تواطؤ.

العجمي مرة أخرى

أدى هجران العجمي – بسبب الخصوصية الإضافية المتوفرة في الساحل فضلًا عن تحولات العجمي الاجتماعية المدينية – إلى أن تشابهت شواطئه، العامة والخاصة، مع شواطئ الإسكندرية.

فيما أجلس على كرسي بلاستيكي، أسفل مظلة مغروسة في رمال داكنة بأحد شواطئ العجمي العامة، لا أستطيع رؤية «مايوه بيكيني» واحد، وهو الزي المعتاد رؤيته في الساحل. والباعة الجائلون من حملة الدلاء البلاستيكية والمجارف والعوامات يجوبون الشواطئ جيئة وذهابًا أمام المصطافين الذين أرى بوضوح أنهم ليسوا من أثرياء المصريين، وأنهم لا يملكون سُبل الوصول إلى رمال الساحل الأكثر بياضًا.

هنا، كل واحد وشأنه، يمارس من الأنشطة ما قد ترونه في أي شاطئ في العالم. عن يميني، عشريني يرشف البيرة، شارد في اتجاه المياه المخضرَّة مستمعًا إلى الموسيقى من سماعات في أذنيه. أطفال يصيحون في بهجة وهم يلعبون أمامي على الشاطئ، بينما تختلط الأُسر أسفل مظلات متشابكة، وبين الحين والحين ينادون باعة المحار أو المشروبات.

من الشاطئ بالعجمي

ضللتُ طريقي إلى الشاطئ التالي. فبرغم محاولتي أن أكتفي بالقيادة باتجاه الشمال نحو البحر، فإن المتاهة التي تحوّل إليها العجمي إثر عشوائية البناء فيه كانت تمنعني عن إنجاز تلك المهمة البسيطة. وينتهي بي الحال وأنا أقوم بتوصيل أحد أبناء المنطقة؛ عم حمدون، ليدلني في مقابل ذلك على الطريق.

يطلب مني عم حمدون، وهو يرتدي جلباب رث ويحمل أكياس بلاستيكية كثيرة ممتلئة بأشياء لا أراها، أن أنزله عند بيته، ويقع في عمارة متهالكة من ثلاثة طوابق قريبة من البحر ـ ويعدني أنه سيضع أكياسه ويرجع ليبيِّن لي الطريق.

وفيما نجوب الشوارع المهجورة في منطقة الفيلات بالعجمي، يشير عم حمدون إلى فيلات ضخمة كان نجوم كعادل إمام وحسين فهمي وفاتن حمامة يقضون إجازاتهم الصيفية فيها.

أتشكّك أول الأمر في كلامه، شاعرًا أن الرجل الذي لم يخف حبه للعجمي يحنّ لا أكثر ولا أقل إلى مجد البلدة الضائع. أتشكّك كذلك في زعمه امتلاك العديد من الفيلات. يصرّ الرجل أيضًا أن العديد من أصحاب الفيلات لا يزالون يترددون على العجمي بوازع من الارتباط العاطفي بالمكان.

وسواء صحت مزاعمه تلك ـ عن امتلاك نجوم السينما للفيلات أو رجوع العجميستاز إليه ـ أم لم تصح، فإن كلام عم حمدون يعمِّق إحساسي بالخلوة التي تنتشر في تلك الشوارع الضيِّقة.

حينما أصل إلى الشاطئ، وهو شاطئ خاص هذه المرَّة، ولا يتكلف الدخول إليه إلا أقل من 20 جنيها (أي قرابة دولار أمريكي)، لا أرى مصطافًا وحيدًا يبدو أنه مقيم في واحدة من كل تلك الفيلات.

***

تبدو «مارينا» اليوم، وهي القرية الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر غرب الإسكندرية، في حالة تدهور، بعدما كانت في يوم من الأيام قِبلة الساحل الشمالي، وكان كبار مسؤولي الدولة والشخصيات المتنفذة يملكون فيلات فيها. وكان «لابلاج» (la plage) قبل خمسة عشر عامًا من أكثر الشواطئ الخاصة بداخل مارينا رواجًا. كانت تقف جماعات من شباب المصطافين طوابير خارج «لابلاج»، آملين في الاستمتاع بالحفلات المُقامة فيه، متخوفين من احتمال منعهم من الدخول إليه لسبب أو آخر.

اليوم ثمة حفنة من الشواطئ الخاصة في المكان الذي كان يقع فيه «لابلاج»، وليس بينها جميعًا ما قد تجده مُدرجًا في أي من قوائم أفضل عشرة شواطئ في الساحل الموجودة على الإنترنت. أذهب إلى واحد منها. وفي مقابل تذكرة بقيمة 250 جنيهًا ـ مقارنة مع ثمانمائة جنيه لأندية ساحل أخرى تشترط تذكرة للدخول إليها ـ أدخل إلى شاطئ خاوٍ تقريبًا. فيه ساحة يبدو أنها ساحة رقص، تحيط بها أعلام الشركات الراعية ترفرف ولا يراها أحد.

مارينا

يثبِّت لي المظلة ثلاثة من عمال الشاطئ، فيبدو لي هذا فائضًا في العمالة مقارنة مع عدد العملاء. أطلب طعامًا، رافعًا صوتي ليعلو على صوت السماعات الصاخب، وفيما أنتظر، ناظرًا إلى البحر المروّض بمصدتين للأمواج تحيطان بالشاطئ، أتصور أنني قد أكون جئتُ إلى الساحل متأخرًا. فقد جاء سبتمبر، أي انتهى موسم التصييف في الساحل. وقد تكون هذه علامة أخرى على جهلي بالكثير من أمور الساحل.

أعثر على صفحة الشاطئ في «فيسبوك» وأبحث عن أثر لأي نشاط فيه خلال الشهر السابق، حين كان الساحل غامر بالمصيفين. وللمرة الأولى في حياتي أشعر بالارتياح حينما أجد ما يؤكد أنني في مكان عفا عليه الزمن.

ثمة قليل من الصور والفيديوهات لعدد محدود من المصطافين منشورة في الصفحة بتواريخ تعود لفترة ذروة الموسم في إجازة العيد قبل أسابيع قليلة. التناقض سافر بين هذه الصور وصور شواطئ خاصة والملاهي الأخرى في الساحل، حيث تظهر حشود اللاهين ويكثر التفاعل معها عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بصفحة الشاطئ الخاص الذي أجلس فيه بمارينا.

تراجع شعبية شواطئ مارينا الخاصة له صدى في أسعار عقاراتها.

عندما تصفحتُ صفحات الإنترنت العقارية، رأيتُ إعلانات لفيلات مكونة من خمس غرف تُباع في مارينا بأكثر من 15 مليون جنيه، وهو أمر مدهش، إذ يمكنك الحصول على فيلا في إحدى القرى الأكثر رواجًا في «الساحل الجديد» بأقل من ذلك، مع تسهيلات في الدفع بالأقساط لفترة تمتد ما بين خمس سنوات وثماني.

هل يمكن أن يدفع أحد كل ذلك القدر من المال، نقدًا، مقابل فيلا في قرية غير مرغوب فيها نسبيًا؟

مارينا قريبًا من الشاطئ

يوسف أحد أهل «مارينا» القدامى، ولكنه باع مؤخرًا فيلا كان يمتلكها هناك. يضحك حينما أذكر له هذه الأسعار، قائلًا إنه يستحيل أن يدفع أحد فيها هذه الأرقام. أتحرج فلا أسأله بكم باع. ولكن من حسن الحظ أن صديقًا آخر ـ اسمه علي ـ يعطيني مثالًا كاشفًا.

كانت عمته وعمه يريدان بيع فيلا يمتلكانها على البحر مباشرة، مكونة من خمس غرف، في «مارينا 2»، مقابل 8 ملايين جنيه، وهو سعر يعكس بوضوح تدهور القيمة، إذ كان يمكن أن تُباع مثل هذه الفيلا بملايين عديدة قبل خمسة عشر عامًا فقط. ولو لم تكن قيمة العقارات قد انخفضت في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية لأمكن بيع تلك الفيلا اليوم بسهولة بخمسة عشر مليون مراعاة للتضخم، إن كانت مارينا في مصاف القرى الرائجة.

وبرغم سعر الملايين الثمانية المنخفض، لم يتسن لهما العثور على مشترٍ، فقررا عدم البيع، إذ كان البيع بأقل من ذلك سيكلفهم خسارة كبيرة، فضلًا عن أنهما ما كانا يستطيعان شراء بديل في قرى الساحل الأحدث.

«مارينا» لا تعاني وحدها.. هناك العشرات من القرى الأقل شهرة تقع في المساحة الممتدة بين «مارينا» والعجمي، وبالإضافة إلى عدم رواجها، فإن كثير منها يفتقر إلى البنية التحتية الجيدة والخدمات الأساسية.

لو قارنتم الكثير من هذه القرى القديمة بقرى الساحل الأحدث والأبعد باتجاه الغرب، فسوف تبرز لكم رداءة الصيانة وتواضع المستوى. فعلى سبيل المثال، كان الكثير من تلك القرى القديمة يمنع رسميًا السباحة في البحر، وهو شرط في غاية الغرابة في منتجع بحري وقد تسمح بعض القرى بالسباحة في البحر لمن يصرّ عليها، ولكن على مسؤولية السابح الشخصية. ولعل السبب في ذلك هو الافتقار إلى التمويلات أو حتى الرغبة في الاستثمار في مصدات للأمواج أو توظيف فريق مدرب من المنقذين، وذلك كله يتوافر بكثرة في «الساحل الجديد».

«تنبيه: ممنوع منعًا باتًا السباحة في البحر نظرًا لعدم وجود منقذين. ابتداءً من 10 /9 [سبتمبر]، السباحة في البحر تكون على مسئوليتك [مسؤوليتك] الشخصية». - صورة: Osman El Sharnoubi

هذا حال القرية التي زرتها بعد العجمي، «جامعة الدول العربية»، القائمة قبل عشرين كيلومتر من مارينا وهي مثال جيد لإحدى قرى الساحل القديم، والتي قام ببنائها – شأن أغلب قرى الساحل القديم – اتحاد مهني، هو في هذه الحالة «جامعة الدول العربية»، وفيها حد أدنى من تجميل الحدائق والممرات. أفنية عُشبية رثة تحيط بشاليات من طابق واحد ذات أسطح مكسوة بالقرميد. والعاملون بالقرية عددهم محدود، ويتجلى غياب النشاط التجاري.

مثل هذه القرى تبدو أشبه بآثار لحقبة ماضية، حينما كان بوسع أبناء الطبقة الوسطى المصرية – من خلال نقابات المعلمين والمهندسين وموظفي القطاع العام وما إلى ذلك، قبل استيلاء كبرى شركات المقاولات على الساحل – أن يتملكوا في الساحل بأسعار معقولة.

في «جامعة الدول»، ما من نشاط تجاري على البحر إلا مقهى شاطئي من هيكل خشبي يعلوه الخوص. يوفر بالدرجة الأساسية المظلات والكراسي والمشروبات للمصطافين على الشاطئ. و متجر صغير ومقهى في خلفية القرية قرب المدخل. في المقهى جهاز تليفزيون، مائل قليلًا، يعلو منضدة بلاستيكية بيضاء، كالتي تنتشر في تراسات ومشارف المصايف، وبجانبهم مائدة بلياردو.

ومع أن القرية أُقيمت للدبلوماسيين، يبدو لي أن أغلب أولئك قد انتقلوا غربًا إلى المراعي الأكثر اخضرارًا، فباعوا ما كان لديهم من شاليهات للمصطافين الأقل ثراءً أو صاروا يؤجرونها لهم.

مرة أخرى يسيطر إحساس الهجران على كل ما يحيط بي، لكن على نحو يختلف عن شعوري في العجمي.

فقد استولت على العجمي وشواطئه طبقة مختلفة كل الاختلاف من المصطافين، كما أنه لم يزل يحتوي على شواطئ عامة. في العجمي و«أبو تلات» المجاور له كنت أركن سيارتي على بعد أمتار من الشاطئ لأجد نفسي في غضون دقائق ماشيًا على الرمل أو جالسًا أسفل مظلة.

هنا لم يزل الساحل القديم خاصًا. ما من شواطئ عامة، وهو ما يعني بالتبعية أن فئة قليلة من السُكّان هي التي يمكن أن تنعم بأي من هذه السواحل المتوسطية باذخة الجمال، ولمجرد شهرين أو ثلاثة شهور في السنة لا أكثر.

هكذا يبدو الساحل القديم الآن - صورة: Osman El Sharnoubi

قليلة هي المادة المنشورة عن الساحل. ولعل أشهرها فصل عن قضاء الإجازة كتبه أستاذ الاقتصاد الراحل جلال أمين ونشره ضمن كتابه الصادر سنة 1998 عن التغيّر الاجتماعي في مصر منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى تسعينياته بعنوان «ماذا حدث للمصريين؟».

في كتابه هذا، انتقد أمين في ملاحظته أنه على مدار تاريخ مصر ابتداءً بالحقبة الملكية، ثم في مرحلة ما بعد ثورة 1952 وحتى سبعينيات القرن العشرين وتسعينياته، استولت على شواطئ الإسكندرية والساحل الواقع إلى غربها أقلية من المصريين دونما استحقاق، وعلى نحو فيه الكثير من الإهدار.

خليج مراسي - المصدر: موقع مراسي

 

تتباهى غالبية إعلانات عقارات الساحل بصفاء مياهه الفيروزية وشواطئه العذراء، وتوعد الشارين بفردوس على ساحل المتوسط. ولكن تساؤلات عديدة يطرحها نمط التنمية العقارية في الساحل: لماذا لم تتجه المنطقة إلى السياحة الدولية، أو تحظى بالحماية البيئية؟ لماذا لا توجد بلدات جميلة، بلدات ساحلية حقيقية تضاهي البيئة الجميلة، بدلًا من أكداس البيوت الصيفية القبيحة؟

لقد أحدثت ندرة الكتابات الجادة عن الساحل انطباعًا لديّ بوجود إجماع عام على أن الساحل وجوده طبيعي كبحره، كأنه جزء أصيل في حياة المصريين، كأنه قضاء قُدّر عليهم. ولكن مزيدًا من البحث يصل بي إلى مفاجأة بأن «الخطة» الأصلية للساحل كانت مختلفة تمامًا عما آل إليه.

عرض عالم الاقتصاد والمخطط العمراني ديفيد سيمز David Sims  ملامح تلك الخطة في قسم من كتابه الصادر سنة 2013 بعنوان «أحلام صحارى مصر» Egypt’s Desert Dreams. ويقدم فيه رواية تفصيلية دقيقة المعلومات للتنمية في تلك المنطقة.

في سبعينيات القرن العشرين، كلفت وزارة الإسكان شركة استشارية هولندية واستشاري تصميم مصريًا بوضع خطة لتنمية «الساحل الشمالي الغربي»، وذلك هو الاسم التقني للمنطقة المعروفة اليوم بالساحل، لأن الساحل الشمالي يتضمن أيضًا أجزاء من الدلتا وشمال سيناء تطل على البحر المتوسط.

تضمنت تلك الخطة نقل 750 ألف نسمة إلى الساحل بحلول عام 2000 في أعقاب تنميته اقتصاديًا. كان ينبغي أن يقيم خمسمائة ألف من أولئك في مدينة برج العرب الجديدة القائمة على الطريق السريع قرب بداية الساحل. ولا يقيم في برج العرب اليوم إلا 150 ألف.

قبل الانتقال إلى الساحل، زرتُ ديفيد في مكتبه ببيته في الزمالك. ناظرًا إلى شاشة «اللابتوب» تحت إضاءة جزئية من مصباح مكتبي صغير ـ هو الوحيد المُضاء في الغرفة، بدا أنها تبرز تعابير النشوة والدهشة الممتزجتين على وجهه وهو يستعرض ما قال لي إنه برنامجه المفضل على الإطلاق: «جوجول إيرث».

«أكثر فأكثر فأكثر» قال متعجبًا من كمية البيوت الشاطئية المُقامة بطول الساحل.

كان المخطط الأصلي لشاطئ الساحل الشمالي أن يخصص لسياحة المنتجعات التي كانت قد تحوّلت في السبعينيات ـ مثلما ذكَّرني ديفيد ـ إلى أحد أهم أقطاب الاقتصاد المصري، مع تحويل الأراضي الداخلية إلى أراضٍ خُصصت للزراعة والصناعة والإسكان.

وفقًا لكتاب «أحلام صحارى مصر» كانت «الاستراتيجية الأساسية للساحل هي أن يتمّ التخطيط بحذر لكثافات منخفضة واحتياطيات طبيعية واسعة لتعزيز جاذبيته للسياح الدوليين. ولم يكن مخططًا بالقطع للتشجيع على إقامة البيوت المصيفية لأنها لا تسفر عن وظائف دائمة أو صناعات تابعة، فلا يسهم بالتالي في تنمية المناطق الداخلية».

رؤية هذه الخطة تختلف اختلافًا مدهشًا عما آل إليه الأمر فعليًا. كانت وزارة الإسكان في ظل حسب الله الكفراوي – الذي تولى الوزارة في ما بين 1987 و1993 ويعد عراب الساحل الحالي – هي رأس الحربة بإقامتها اثنين من أقدم قرى الساحل، هما «مراقيا»، و«مرابيلا».

كانت الوزارة قد خططت في الأصل أن يكونا منخفضي الكثافة ويحتويان فنادق تحقق المعايير العالمية. ولكن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع حينما أدركت الحكومة أن الطلب الحقيقي يتعلق بإقامة بيوت مصيفية للمصرين، وأن بالإمكان تحقيق أرباح من إشباع ذلك الطلب فكانت تلك بداية حقبة من حمى إقامة الشاليهات.

أصبح جهاز تعمير الساحل الشمالي الغربي الذي تأسس سنة 1980 في عهد حسب الله الكفراوي، والتابع لوزارة الإسكان، هو المتحكم الوحيد في شريط الأرض الذي يبدأ من مسافة 34 كيلومترًا غرب الإسكندرية، ويمتد حتى مرسى مطروح على بعد نحو 300 كيلومتر.

أسهمت عوامل عديدة في العدول عن خطة الساحل مثلما لاحظ دونالد بي كول وثريا التركي في بحثهما «الأنثروبولوجي» عن الساحل الشمالي الغربي في تسعينيات القرن العشرين، وهي تحديدًا: زيادة دخول أبناء الطبقة الوسطى المصريين العاملين في الخليج خلال السبعينيات، وثروات النخبة الصاعدة المرتبطة بسياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها الرئيس أنور السادات، وتوسع أسواق رأس المال من خلال الاستثمارات التي أتيحت حديثًا من الدول العربية المجاورة.

الساحل الشمالي الغربي كما يبدو عبر خرائط جوجل

عثرت هذه التمويلات مجتمعة على عائد جيد يدرُّه الاستثمار في البناء في المنطقة بهدف بيعها بأسعار أعلى مما تستحقه تكلفتها، فقد كانت الأراضي تُشترى بأسعار رخيصة نسبيًا من واضعي الأيدي البدو ومن الدولة. وكانت العلاقات بالحكومة أساسية في الدخول إلى الأعمال التنموية في الساحل.

وهكذا بدأ بناء البيوت المصيفية في الساحل، ولم يتوقف منذ ذلك الحين، كما لم يتوقف زحف الأثرياء جهة الغرب.

غير أن هذا التاريخ يوحي بأن الطوب والخرسانة قادران على سرد القصة الكاملة.

من المؤكد أن رؤية البحر من حمام سباحة محفور في حديقة تحيط قصرًا من اثنتي عشرة غرفة يمتد على مساحة ألفي متر مربع تنبئك بشيء عن تطور المكان. ولكن قصة الساحل الخلفية لا تتعلق فقط بالفيلات والشاليهات، بل تتعلق أيضًا بالبشر، وكيف جاؤوا لسكنى تلك المباني.

***

قد أكون غريبًا في الساحل، لكن ليس غريبًا أن يقودني فضولي إلى تجربة الحانات الشاطئية والحياة الليلة في الساحل الجديد التي قيل لي إنها تغيّرت تمامًا خلال العقد الماضي. وفي هذه المرة فقد تأكدتُ من وصولي إلى الساحل متأخرًا، وبأكثر من معنى للكلمة. وثمة حوار عميق الدلالة بيني وبين صديقتي عايدة التي تألف كثيرًا الحياة الليلية في الساحل بالمقارنة بيّ.

أسألها إن كانت تعرف «هل «ليمون تري» Lemon Tree مفتوح؟» في هذه الإجازة الأسبوعية، وحين تسألني: «أي واحد؟»، أفكر أن ذلك لا بد أن يكون واضحًا فأقول: «الذي في الساحل طبعًا». لكنني حينما أقول لها هذا ضاحكًا، تسألني: «في «تلال» أم «مراسي»؟» وهنا تبيّن لي أن في الساحل الشمالي أكثر من «ليمون تري» واحد.

محاولًا إخفاء جهلي، أقول لعايدة بشكل عادي إنه ما من فارق بين الاثنين. فتقول لي إنها سوف تستوضح لي الأمر، لكن الاثنين مختلفان تمام الاختلاف، وتخمِّن أن الذي في «مراسي» قد يكون مغلقًا نظرًا لكونه ملهى والناس الآن قد رجعوا إلى القاهرة. قلتُ متخليًا عن ادعائي وقد فشلتُ تمامًا في إخفاء جهلي: «يبقى فيه واحد مطعم والتاني ملهى؟ آااه، أوكي». ويتبيّن أن الاثنين مغلقان، شأن كل الأماكن الرائجة المنتشرة حاليًا في قرى الساحل الجديد لأننا في نهاية الموسم. كان ينبغي أن أبدو لكل مَن يتردد على هذه المناطق الحديثة – ومنها «هاسيندا»، و«مراسي»، و«بيانكي»، و«تلال»، وكلها تقع بعد مارينا بكثير- شخصًا معزولًا، شخصًا من المؤكد ألا يروق لهم أن يشاركهم مائدتهم في «ساتشي باي ذي سي» Sachi by the Sea والذي بات من الأماكن المشهورة في السنوات القليلة الأخيرة. لدرجة أنه قيل لي إنني لكي أحجز مائدة في «ساتشي» فعليَّ أن أحجزها قبل بداية الصيف.

يقول لي يوسف، البالغ من العمر 26 عامًا: «ونحن صغار، أتذكر أن أجمد حاجة في الساحل كان أن تستعرض على أصحابك الدراجة المذهلة التي اشتراها لك والدك. والآن صار الأجمد هو أن تفاجئ أصحابك بمائدة في ساتشي». يوسف قضى كل صيف من حياته في مارينا، إلى أن باع أخيرًا الفيلا التي كان يمتلكها هناك، وصار يتردد على الساحل الجديد.

يعتقد يوسف أن الدافع حاليًا في الساحل هو النشاط التجاري المحتدم في الفترة الأخيرة. لقد كان الاصطياف قبل مارينا أبسط كثيًرا، فلا  تكاد أعين المصطافين تصادف أي منافذ تجارية، لكن طلب الناس يتزايد حاليًا على الخدمات الشاطئية والحياة الليلية.

ففي تناقض صارخ مع المتاجر والمقاهي الساحلية الصغيرة التي تعد من ثوابت الساحل القديم، يفاجئني في زيارتي الأولى والوحيدة لقرية «لا فيستا باي» – وهي من قرى الساحل الجديد – أن أرى صفًا من أكثر سلاسل المطاعم القاهرية شيوعًا مثل «مينس برجر» Mince burgers، و«تي بي إس بيكري» TBS Bakery، و«موري سوشي» Mori Sushi. فضلًا عن أن بعض المتاجر الكبرى في «لافيستا باي» قد تمثل إهانة بالغة لأضخم متاجر القاهرةِ. ورأيت هناك أيضًا شاحنة آيس كريم أمريكية الطراز تنساب بسلاسة على الطريق القرية الداخلي، تتصاعد منها الأنغام المميزة لشاحنات الآيس كريم.

متجر ضخم في لا فاستيا باي - صورة: Osman El Sharnoubi

هذا النشاط التجاري الصاخب بدأ في مارينا قبل ما بين عشر سنين وخمس عشرة. فمارينا كما قال لي ديفيد قبل مغادرة بيته هي التي غيّرت قواعد اللعبة عندما ابتدعت فكرة البحيرات داخل القرى لتمنح مزيدًا من الناس – من أصحاب الشاليهات الواقعة على بعد بضعة صفوف من البحر – إطلالة بحرية وهمية. ولكنها أيضًا المكان الذي أطلق الحياة الليلية في الساحل، واجتذب أشهر المطاعم والمقاهي إلى هناك.

ينتهي تقرير لشركة «إنفيست جيت» Invest-Gate  المتخصصة في البحوث العقارية إلى أن المقاهي والمطاعم تأتي على قمة ما يفضله مشترو العقارات في أنشطة الساحل التجارية إذ يفضلها 70% ممَن استطلعت آراؤهم من المشترين على غيرها من الأنشطة. وتأتي الحياة الليلية في المرتبة الثالثة، تالية للأنشطة المائية التي احتلت المرتبة الثانية بين أكثر الأنشطة التجارية شيوعًا.

ملهى طبلة - المصدر: صفحة طبلة على موقع فيسبوك

لكن غواية «الساحل الجديد» لا تكمن فقط في توافر بعض الأنشطة والمنشآت، من قبيل المطاعم الراقية وحياة الليل، بل تكمن أيضًا في ما يمثله المكان وما يعنيه امتلاك عقار في قرية معينة، أو الظهور في ملهى ليلي بعينه.

يحكي لي قريبي عمرو وصديقي عمر عن خططهما المتماثلة: وهي الانتقال غربًا إلى المنتجعات الأحدث. فهما يعتزمان الانتقال من القرى الدبلوماسية، التي كانت مرموقة من قبل بدرجة كبيرة فلم تنهار بعد انهيارًا تامًا. وحينما أظهر لهما تشككي في فكرة الانتقال غربًا، يردان بسلاسة شديدة وكأنهما يعبران عن أمر بديهي لا يحتمل غير الإجماع قائلين إن «الجميع انتقلوا إلى هناك».

اشترى عمرو «شاليه» في «مراسي» بعدما كان يستأجر واحدًا في قرية «الدبلوماسيين 3» القائمة في سيدي عبد الرحمن، أي في أول الساحل الجديد، أما عمر فلا يزال يحاول بيع بيته في «دبلو 1»، الذي يقل الطلب عليه نظرًا لوقوعه على حافة الساحل القديم بعيدًا للغاية عن الآخر الجديد.

يشرح لي يوسف ـ الذي قضى شبابه في مارينا ـ إحساس رؤية سُكّان قريتك يتغيّرون، قائلا: «فجأة، لم يعد الناس يفكرون بطريقتك. زاد حكم الناس على بعضهم بعضًا، وتدخلهم في شؤون بعضهم بعضًا. لم يعد الأمر مثلما كان من قبل، حينما كنت تعرف الجميع وتذهب إلى الشاطئ بابتسامة عريضة موجهًا التحية للجميع».

لا يسعني أن أغفل عن حس طبقي صامت في كلامه. أعني أن يوسف يقصد: لم يعد بوسعك أن تسير في المكان حاملًا كأسك أو زجاجة البيرة، أو تسيري فيه مرتدية البيكيني بدون الإحساس بأن حكمًا يصدر عليك من بيئة اجتماعية أميل إلى المحافظة نفذت إلى مارينا بعدما هجرتها الطبقة الأكثر ليبرالية.

باختصار، يبدو أن الناس أرادوا استنساخ ما كانوا يشعرون به حين كانوا محاطين فقط بأمثالهم، واستشعر المقاولون هذا الإحساس وهذا الطلب.

استراتيجية التسويق والمبيعات لهذه الأماكن لا ترتكز فقط على كل مَن يمتلك النقود اللازمة للدفع، بل إن المسألة تتعلق بمَن ينبغي السماح لهم بالشراء. فالطبقة – وليس فقط مستوى الدخل – مكوِّن جوهري في السوق العقاري رفيع المستوى في مصر التي تندرج فيه جميع منشآت الساحل الجديد.

يقول كريم* الذي تشارك أسرته في بعض مشاريع الساحل العقارية الكبيرة في الساحل الجديد: «عليك أن تنشئ مشهدًا احتفاليًا معينًا، بأشخاص معينين، فيؤدي هذا إلى زيادة الطلب على عقاراتك». ويضرب مثالًا آخر بمنظم الحفلات الشهير أحمد الجنزوري -الذي تعتبر شركته «byGanz»  منذ وقت طويل ضمانًا لمستوى الحفلات في مصر – وتنظيمه حفلات في «مراسي» ليثير ضجة حول القرية. يضيف أن ملهى «6ix Degrees» الليلي في «هاسيندا» فعل الشيء نفسه في محاولة لترسيخ سمعته.

6ix Degrees الملهى الليلي - المصدر: صفحة الملهى على الفيسبوك

شريف* مسؤول مبيعات عقاري يعمل لصالح إحدى الشركات الكبرى في المجال. وقضى صيفًا في الساحل يبيع شاليهات وفيلات، ويشرح لي أنه لكي يمتلك شخص مكانًا في قرى الساحل، فعليه أن يكون «ذا طبع معين»، وينطبق عليه «معيار معين»، لتتسق شخصيته مع الصورة التي تسعى القرية إلى أن يظهر عليها.

يقول لي: «إن من التعليمات التي تصدر لنا أنه في نهاية المطاف: كن طبقيًا». حينما يدخل عميل محتمل مكتبهم، فمن المهم للغاية أن ينتبهوا إلى ملبسه، وطريقة كلامه وسلوكه، وهل يتكلم لغة أجنبية، ومدى إتقانه لها، وهل ثمة خلل في حذائه أو قميصه، ومختلف الأمور البسيطة التي قد تفضح عدم انطباق «المعيار» المرغوب من الشركة العقارية عليه. ويقول: «لو دخل شخص يريد الشراء، وهو شخص محترم، لكن ثيابه غير لائقة، فسوف «نزحلقه»».

مسؤولو المبيعات أنفسهم ينبغي أن تتوافر فيهم معايير العملاء. حينما أرسلت الشركة شريف إلى الساحل لبضعة أسابيع في الصيف الماضي، كان يعرف أن الشركة لن توفر له زيًا رسميًا فقد كانت الشركة تعرف أن جميع مندوبيها سوف يرتدون ثياب الشاطئ الرائجة في أثناء مقابلة العملاء، اتساقًا مع خلفيتهم الطبقية.

وبالإضافة إلى طريقة اللّبس، يعتمد توظيفك على مدى طلاقتك في اللغة الإنجليزية، ومَن يكون والداك، والأماكن التي تخرج فيها، والأشخاص الذين تخرج معهم. وليس هذا مجازًا، فشريف يؤكد لي أنه سُئل فعليًا في أثناء مقابلة التوظيف عن الأماكن التي يخرج فيها. بعض القرى تشجع المُلاَّك على التحوّل إلى سماسرة واجتذاب أصدقائهم للشراء هناك في مقابل عمولة محترمة.

في طريق «محور 26 يوليو» الذي يسلكه أغلب القاهريين في طريقهم من العاصمة إلى الساحل، يقف شاب أبيض في وجهه بعض النمش على لوح التزلج المائي في لافتة مكتوب عليها من فوقه بالإنجليزية: «الآن، إطلاق مشروع بلايا». ذلك إعلان قرية جديدة تقيمها شركة «نيو جيزة» للإنشاءات العقارية.

لافتات هذه المشاريع تكاد تقتصر على اللغة الإنجليزية، وهي علامة طبقية بامتياز.

والطبقة نافذة في أمور كثيرة بالساحل، بدءًا باللغة المستعملة في الإعلان عن عقاراته، وصولًا إلى مَن المسموح لهم بدخول مطاعم الساحل وحاناته. ويقول لي المترددون على أكثر الأماكن رواجًا إن الأمر لا يقتصر على الاتصال مبكرًا لحجز تلك المائدة التي يشتهيها الكثيرون، بل إن الأمر يتجاوز ذلك في بعض الحانات الشاطئية إلى مَن تعرفهم وما ترتديه.

تقول لي صديقتي عايدة وقد باتت تدرك مدى جهلي المحرج بالساحل: «أقرب إلى المستحيل أن تحجز في تلك الأماكن أصلًا».

العراقيل كثيرة. أولها، في أغلب الأماكن الرائجة، أنك لا بد أن تكون من زبائن المكان أو على «صلة» بشخص كي تحصل على حجز، وحتى لو توافر ذلك قد لا يسمح لك بعبور الباب إذا لم يرق مظهرك للـ« door selector»[مسؤول الانتقاء] ـ وهو اصطلاح جديد عليّ، فالاصطلاح المعتاد في أندية القاهرة هو الـ «bouncer» أو «الجارد».

يحكي لي صديق آخر عن تراتبية معينة: الأولوية لأصدقاء المُلاَّك ومعارفهم، ثم الشخصيات المعروفة – من الممثلين والمطربين والشخصيات السياسية ومن شاكلهم- وأخيرًا بقية الناس، لكن بعد أن يتمّ أولًا البحث عن حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي فيكون الأصدقاء المشتركون عاملًا مهمًا في الحصول على حجز.

ثمة إجماع على أن هناك جو من الانتقائية تغلل في كثير من هذه الأماكن، وهو بالتالي مؤشر على الانتقائية الموجودة في القرى المستضيفة لهذه الشواطئ الخاصة والملاهي. وهكذا، يسيطر السعي وراء الشعور بالاستثنائية على الشركات العقارية في الساحل، بينما يحوم شبح الهجران حول قرى الساحل القديمة.

***

سوف أفترض أنه حينما يستخدم اثنان من ثلاثة مخططي مدن ومعماريين مختلفي الخلفيات والأمزجة الثقافية كلمة «الكارثة» في وصف الساحل، فهذه ليست مصادفة اعتباطية.

الأول هو المهندس المعماري والمصمم محمود رياض مؤسس شركة «RiadArchitecture». ألتقي بمحمود في مقهى مفتوح بالقاهرة، في منتصف سبتمبر وقد رجعتُ من الساحل، وبرغم أنني أفتقد جوه، لكنني أخيرًا أستشعر نسيم ليلي في القاهرة.

يقول لي محمود: «افتح خرائط جوجول وانظر إلى الساحل، ثم تصور إزالة الأسوار القائمة بين القرى، لن تجد رابطًا، لن تجد نسيجًا مدينيًا، لا نظام للشوارع، أو أي وسيلة للربط بطول الساحل، وهذه مشكلة كبيرة».

الساحل الشمالي الغربي وفقًا لخرائط جوجل

يتحدر محمود من سلسلة طويلة من المعماريين، وقد عمل في التصميم الداخلي interior design في الساحل في بعض الأحيان. هو شخص خافت الصوت توحي ملامحه بالتفكير النقدي المستمر، ويؤكد لي إنه لا يذهب إلى الساحل إلا للعمل.

أكثر ما يؤرقه هو غياب التصميم المديني عن الساحل، بما يعني أنه يتألف من جيوب منعزلة تمام الانعزال، ومجتمعات مسوّرة تمنع أي فرصة لنشأة مدن منتجعية قادرة على الحياة والدوام شأن «ميكونوس» في اليونان، أو «بودرم» في تركيا.

لقد لاحظ جلال أمين في كتابه أن أقلية من المصريين أقامت في الساحل الشمالي في «قرية بعد قرية، وهي في الواقع أبعد شيء عن القرى، إذ لا هي منتجة ولا خضراء، بل ولا هي مسكونة أصلًا».

وفي حديثه عن رحلة إلى سيوة في أكتوبر الماضي، بعد انتهاء موسم الساحل، يتذكر المخطط العمراني ديفيد سيمز ملاحظته للافتات طريق الساحل السريع وكيف أنها حالت إلى الرمادي الكئيب. لافتة خاوية إثر أخرى خاوية، وسألني: «مَن يريد أن يدفع مقابل إعلانات لن يراها أحد؟».

العديد ممَن أقابلهم مستاؤون مما يرون أنه فرصًا مهدرة في الساحل، ويشيرون إلى العديد من السواحل المتوسطية، ذات الأجواء الأكثر ميلًا إلى البرودة، التي نشأت فيها برغم ذلك بلدات مأهولة وحيّة على مدار السنة، ويقصدها أبناء البلد في إجازاتهم والسائحون في شهور الصيف جماعات وأفواجًا.

يشير كريم، الذي تشارك أسرته في بعض مشاريع الساحل العقارية الكبيرة في الساحل الجديد ، إلى «كوت دازور» في جنوب فرنسا حيث تترابط مدن مثل أنتيب، وجان ليبان، وسان مكسيم وغيرها على نحو يغيب عن الساحل المصري بقراه المنفصلة المتناثرة على قارعة الطريق البحري السريع. يقول إن الفنادق وغيرها من أشكال الأنشطة تصطف هناك على البحر والشاطئ موضحًا أن «شارعًا واحدًا يسير بمحاذاة الشاطئ على طول المساحة، يمتد فيها من أولها إلى آخرها، والطريق السريع بعيد تمامًا عنه».

ذلك الإحساس بإهدار مقدرة الساحل على مضاهاة البلدات الشاطئية الأوروبية كان حاضرًا منذ 1998. إذ استشهد ديفيد سميز في كتاب «أحلام صحارى مصر» بمجلة اقتصادية صادرة في ذلك العام تقول إنه «كان من شأن الشواطئ الرملية البيضاء ومياه المتوسط اللازوردية الشهيرة أن تجعل من الساحل الشمالي الغربي مقصدًا سياحيًا أساسيًا ينافس على سبيل المثال الريفييرا الفرنسية وكوستا ديل سول في أسبانيا، والأناضول في تركيا. غير أن الساحل الغربي الشمالي تحوَّل في أغلب الحالات إلى صروح قاحلة تشهد بسقم الذوق، وسوء التصميم».

ولستُ أغفل عن المفارقة الكامنة في أن أغلب قرى الساحل اتخذت أسماء أوربية متوسطية من قبيل: مارينا، وماربيلا، ونيس، ومرسيليا، ومايوركا، وما إلى ذلك.

وعن غياب التخطيط عن الساحل يتحدث أيضًا الباحث المتخصص في تخطيط المدن أحمد زعزع، وهو أيضًا الشريك المؤسس في «10 طوبة» التي تجري بحوثًا تطبيقية على بيئة البناء في مصر.

زعزع شغوف بالتخطيط المديني، وهو غاضب من الطريقة التي تخطط بها الحكومة المصرية – أو لا تخطط بالأحرى – المدن، ولا يكاد يصدق نفسه حين يتكلم عنها.

وهو – مثل محمود -ليس من محبي الساحل، ولم يذهب إليه في إجازة منذ نحو عشر سنوات. وقبل لقائنا، لم أكن أعرف رأيه مثلما لم أكن أعرف آراء جميع مخططي المدن والمعماريين – باستثناء ديفيد سيمز – الذين حاورتهم، ومن هنا كانت دهشتي من الشعور المشترك بينهم جميعًا بالاشمئزاز من نمط النمو العمراني في الساحل.

يرى أحمد زعزع أنه لو كان ثمة أي تخطيط، فقد كان يقتصر على ضمان ألا يحصل المقاولون على أراضٍ تكون تابعة لوزارة البترول أو القوات المسلحة، وفيما عدا ذلك كان ثمة ضوء أخضر لبناء البيوت المصيفية. وهو يرى أن في هذا خرقًا لأعمدة الاستدامة الثلاثة؛ «هذا النوع من المعمار ليس مستدامًا من النواحي البيئية والاجتماعية والاقتصادية، فهو يخلو من أي نشاط اقتصادي طوال تسعة شهور من السنة. هو يلبي احتياجات طبقة صغيرة من المجتمع، وكمية الخرسانة الهائلة المستعملة لا يمكن أن تحمل خيرًا للبيئة أو النظام البيئي في الساحل الشمالي».

وأحمد لا يسارع بالاستشهاد بالمثال الأوروبي. ويشير بدلًا من ذلك إلى مقاصد أخرى للإجازات في مصر، في مناطق مثل البحر الأحمر الذي يرى أنه يوفر بديلًا أفضل، حيث توجد مساحات واسعة من الشواطئ المحمية والمفتوحة للجمهور وتنتشر فيها النُزل البيئية السياحية eco-lodges. كما يشير زعزع إلى بعض المناطق في سيناء مثل نويبع التي تعمل فيها بعض المخيمات الصغيرة ذات الإدارات العائلية.

وفي حين أن بعض هذه المخيمات والنُزل البيئية تخرق القوانين الحامية، فهي تبقى رغم ذلك أفضل في تقديره عن نموذج الساحل.

أميل إلى معارضته، معتمدًا على قول بعض مَن تحدثت إليهم بأن الساحل لو كان تُرك للتخطيط الشعبي، لتحوّل إلى عجمي آخر. فيقول أحمد زعزع – شأن محمود رياض – أن أي تخطيط وتنفيذ حقيقي من جانب الحكومة كان ليمنع العشوائية من الاستيلاء على شواطئ العجمي.

ويسرد كلاهما سلسلة إجراءات يعتقدان أنه كان لا بد من اتخاذها، وكأنها كانت واضحة تمام الوضوح. يرى الاثنان أن الحكومة كان ينبغي أن توزع مساحات أصغر من الأراضي، على ألا تُحاط بالأسوار، وتفرض بعض القواعد المحددة للمساحة والارتفاع والاستعمال والمساحات الفاصلة وما إلى ذلك. وكان من شأن هذه القواعد – فضلًا عن سياق تخطيطي بعيد المدى – أن تسمح بإقامة فضاء مديني لديه قدرة اقتصادية أكبر على البقاء، وأيسر في الوصول إليه، وأبقى لقرون على حد تعبير أحمد زعزع.

غير أنه يبدو في الأدبيات الحكومية أن التنمية المستدامة – مثل الحال في السبعينيات – كانت دائمًا في الحسبان.

ففي السنة الماضية فقط، ضمن عرض power point أعدته الهيئة العامة للتخطيط العمراني التابعة لوزارة التخطيط إثر توجيهات من الرئيس المصري بإعداد استراتيجية لتنمية الساحل الشمالي الغربي، ورد عدد من التحديات القائمة في وجه التنمية المرغوبة، من بينها نقص الموارد البشرية بسبب محدودية عدد السُكّان وتناثر تركيزهم وهشاشة القاعدة الاقتصادية في المنطقة.

وقد تعتقدون أن إنشاء هيئة تابعة لوزارة الإسكان، وهي جهاز تعمير الساحل الشمالى الغربى منذ أكثر من عشرين عامًا في عام 1980، والاستعانة قبل ذلك باستشاريين لوضع خطة تنموية لجذب السُكّان إلى المنطقة، قد يعني أن ثمار تخطيط الساحل الشمالي يجب أن تكون اليوم جاهزة للحصاد. لكن الواقع مغاير لذلك.

لا يشير العرض الذي قدّمه الجهاز – في تقديره للوضع الراهن في المنطقة – إلى أي عقبة تمثلها هيمنة البيوت المصيفية على الشريط الساحلي.

لا يبدو أن وتيرة البناء الحالية، والمضي تجاه الغرب حتى تصل القرى حاليًا إلى حافة سيدي حنيش على بعد 140 كيلومتر من العلمين التي تقع فيها «مارينا»، وقبل خمسين كيلومترًا فقط من مرسى مطروح تعد مشكلة من الأساس بالنسبة للسلطات.

الغروب في الساحل - صورة: Osman El Sharnoubi

أنا في الساحل والموسم يكاد أن ينتهي. أشاهد بنفسي بداية شهور هجران الساحل الطويلة. أتخيّل الفراغ الذي يقترب. أري الموج يعلو ويهبط محطمًا على المصدات والأرصفة الممتدة في البحر. أسمع الرياح الشتوية تندف الطلاء الجديد من على جدران الشاليهات وتهز شبابيكها، ويحل صخبها أصوات المصيّفين.

أتخيّل الطوابير الطويلة من منتظري الحافلات ناقلة عمال الدلتا الموسميين إلى بيوتهم، أو إلى عمل آخر في منتجعات أكثر دفئًا بسيناء والبحر الأحمر. أتصور شحن معدّات الطبخ المعدنية اللامعة في شاحنات كبيرة غايتها القاهرة.

هل يمكنكم تخيّل ساحلًا آخرًا في عام 2052؟ ساحلًا حوّلته الخطط الحكومية إلى منطقة منتجة نامية، حيّة من يناير إلى ديسمبر، توفر عملًا دائمًا للكثيرين، في شواطئ جميلة مُتاحة للجميع؟

في الطوب والخرسانة إيحاء بالبقاء، أغيّبه قليلًا حينما أقف في البحر والمياه تحيط بركبتيّ، غارس قدمي في الرمل الناعم، ومولي ظهري للشاطئ. ولكنني في طريق عودتي إلى القاهرة على طريق الساحل، يشد انتبهاي صف الشاليهات الذي يومض على يساري، حائلًا بيني وبين البحر، فأفيق من أوهامي، وأنظر إزاء الطريق.

*الأسماء المستخدمة مستعارة، بناءً على طلب مَن تحدث معهم الكاتب.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي