سابع مدى| قصة: مهمة البحث عن العندليب
 
 
لوحة مٌستوحاة من أجواء النص رسمها الفنان عمر مصطفى - المصدر: عمر مصطفى
 

لم يبقَ لنا إلَّا حكايات نستعينُ بها على الطريق، يزعمون أنها أباطيل، ونوقنُ بأنها الموعد والملاذ. صرنا فئةً قليلة، نعيش حياة التخفي والتنقل والكتمان، نحنُ مَن لا نزال نصدّق قِصّة الإمبراطور القديم وعندليبه الأوَّل، ونؤمن بالحياة التي عاشها أسلافنا الأولون ونسعى لاستعادتها ذات يوم.

تَبدّد كلُ أثرٍ للماضي الذي نسمعُ عنه فقط، بكوارث مِن صُنع البشر أولًا، ثم تجاوبتْ الطبيعة وأخذت تلتهمُ نفسها بنفسها، فلم يتبق لنا إلّا حكاية نرددها ونحاول أن نحفظها في صدورنا، عسى ألّا يذوي في النُّفوس كلُّ شوقٍ لمنظر الأفق المفتوح على زرقة البحر وخضرة الحقول وأصوات الطيور الحقيقية، بدلًا مِن تلك اللُّعَب المعدنية المبثوثة الآن في كل موضع.

نحن بالنسبة لهم حفنة من السذج الحالمين، إن لم نكن المارقين مقترفي الفظائع. هُم الأباطرة الجدد وتجّار السلع الملوّنة وأسياد الأسواق الرائجة. ومع ذلك فمِن بينهم خرجَ مَن يقودنا ويرشدنا، مِن بين المفسدين في الأرض ظهر لنا من يساعدنا ولو سرًّا، من بعيد ومن موضعه في الظل، متظاهرًا بأنه ابنهم وظَهيرهم، ولو عرفوا حقيقته لأحرقوه حَيًّا بتُهمة الخيانة العظمى ومحاولة قَلْب نظام العالَم، ولم يخن إلا أرباحهم وبنوكهم ولم يهدّد إلا عروشهم.

لكنه عندنا المرشد الوفي، لا يزال –مثلنا- مخلصًا للماء الصافي المتاح للجميع، قبل أن تلوثّه مصانعهم، ثم تستولي عليه شركاتهم، وتعالجه كيميائيًّا، ثم تبيعه للناس بالقطرة. إنه آخر أحفاد الإمبراطور القديم المذكور في حكايتنا، ذلك الذي شعرَ بالوحدة وصادقَ عندليبًا، وكان أوّل مَن صَنعوا له طائرًا آليًّا ليسلّيه ويُغنيه عن صديقه الحقيقي.

**

تروي الحكاية القديمة -التي لم يعد يصدّقها أحدٌ الآن- أنَّ الإمبراطور لم يكن يعرف حدودَ قصره ولا ما تحتويه حدائقه المسيَّجة ولا بساتينه المفتوحة على الغابات والبحيرات.

كان الزوّار والسائحون يتوافدون مِن كل بلاد العالَم ليشاهدوا عجائب مدينته الملكية، أمَّا هو فلا يكاد يبارح موضعه، بعد أن أثقلت قلبه الحروب والفتوحات، وربما كان يخشى لو أنه ابتعد خطواتٍ عن عرشه لاختفى وانتزعه منه خصومٌ يجهلهم. كان يكتفي بالنظر من النوافذ وإحصاء الأيام وإصدار الأوامر والقرارات وتوجيه حملات التأديب الضرورية بين الحين والآخر، واضعًا كل ثقته في أبنائه وقادته المقربين. وأحيانًا كان يختلي بنفسه في مكتبته العامرة؛ لكي يتجوَّل في الدنيا بين صفحاتها ليستعيد مذاق التجوال الأوّل في عافيته ومجده.

كانت مكتبته صغيرة للغاية، لا تتجاوز عشرات الكتب، فقد كان يتسلّى بإضرام النار في أعداد هائلة من المجلّدات الفاخرة التي ترد إلى قصره مع مطلع شمس كل يوم، وكان اختياره لما يقرأ وما يحرق عشوائيًّا تمامًا، وتلك كانت لُعبته الوحيدة المتبقية. غير أنّ قلبه لم يكن يطاوعه بإحراق أي شيء كُتبَ عن مملكته التي تتوسع مع مطلع شمس كل يومٍ كذلك.

إلى أن وقعَ بين يديه ذات يومٍ كتابٌ يصفُ قصره وعجائب مملكته، ألَّفه شاعرٌ أسطوري ورحّالة فريدٌ من نوعه، في صفحات قليلةٍ استهلَّ بها عمله، تناول حياة الإمبراطور ومنشأه وتاريخه وبطولاته، إشارات سريعة كأنه كان يهربُ بها مِن واجبٍ ثقيل، ولم يَسُرَّ ذلك الامبراطور الذي تمنى لو كان بمقدور الكلمات أن تعيدَ له بعضًا مِن فتوته وأن يرى نفسه بعين خياله وهو يقود جيشه الصغير في أولى معاركه عندما هزم شقيقه وقطع رأسه ورفعه على حَد سيفه المقوّس هاتفًا: هكذا نكتب التاريخ، الآن نبدأ التاريخ.

ثم انتقل الكاتب إلى وصف ما تحويه المملكة بسرعة وبلغةٍ جافةٍ وباردة، فاشتدَّ انزعاج الإمبراطور القارئ، وقال لنفسه إن ذلك الكاتب يمدح وكأنه يذم ويريد أن يوحي بأنه رأى في بلادٍ أخرى ما هو أروع وأبدع، كأنَّ كل تلك العجائب المجلوبة من أركان الأرض الأربعة عجزت عن إدهاشه ولو قليلًا. وإذ كان الإمبراطور القديم يعتمد على قراءة مثل تلك المؤلفات لكي يكتشف هو نفسه ما يحتويه مُلكه، فقد أصابته الخيبة وكره ذلك الشاعر، بل فكّر في أن يأمر بمعاقبته لاستهانته بأعظم إمبراطورية وُجدتْ على ظهر الأرض.

لكنَّ مفاجأة أخيرة كانت تنتظره قبل أن ينتهي الكتاب، فقد خصَّص ذلك الشاعر صفحات وصفحات لوصف شيء واحد فقط، مخلوق صغير للغاية، أتفه من أن يتوقَّف أمامه أي إنسان عاقل وهو يسعى في حدائق وبساتين إمبراطورية لا يعرف حدودها إنسان. ختمَ الشاعر الرحّالة عمله بوصف عندليبٍ رماديّ يغني قُربَ واحدٍ من بساتين الملك، وعند بحيرةٍ صافية، وزعمَ أنّه جاب الأرض المعروفة حتى الآن فلم يترك بلدًا إلّا زاره وساحَ في مدنه وموانيه، ورأى ما لا يرد على قلوب الإنس والجن، لكنه في حياته كلها لم تقع عيناه على مخلوق أرق وألطف من ذلك الطائر الصغير، ولا سمعَ تغريدًا أعذب من صوته الشجي، وقد جعل الإنصاتُ إلى تغريده قلبه يتقطّر بالحنان وعيناه تغرقان بالدموع، حتى قرَّر أن يترك متعة الأسفار ويعود إلى بيت أهله الصغير في بلدته القديمة، لينام مستريح البال مستعدًّا للموت في سعادة.

    نسي الإمبراطور كل سخطه وتوقّف طويلًا أمام وصف العندليب، لا بدَّ أن ذلك الشاعر فقد عقله وإلَّا فما معنى أن يرقد المرء مستعدًّا للموت في سعادة؟ عجز الإمبراطور عن النوم، ونهض مرةً بعد أخرى ليعيدَ قراءة تلك الصفحات الأخيرة، ما معنى أن يتقطّر القلب بالحنان وتدمع العين، بدت له مثل أوهامٍ غامضة، لا تجري إلّا في المنام، ولا وصول لها إلّا بنومٍ عميق لم يعد يزوره، أو بشُرب خمورٍ قوية لم يعد قلبه يصمد لها. هل يوجد هذا الطائر حقًّا في مملكته، وكيف لم يسمع به قبل هذا اليوم؟

استدعى حاجبه وأعطاه الكتاب ليقرأ ما جاء في صفحاته الأخيرة. ثم أمرَ بالعثور على ذلك العندليب وإحضاره إليه بأي طريقة، فهبَّ رجال الحاشية والحرس والخدم يُفتشون ويتسمّعون تغريد الطير هنا وهناك لأيامٍ بلا جدوى.

**

لم يكن طريقنا معبّدًا ولا عيشنا هينًا قَط، طالما رضينا بأن نحمل الأمانة ونؤدي الرسالة ونسعى في الأرض لإيقاظ الغافلين. أحيانًا نشفق عليهم، فنقول هُم أهلنا وناسنا، نَوَّمتهم الدعاية وحوّلهم سَحرةُ القَصر إلى دواجن في أقفاص، تنتظر الأطعمة الملونة المُشبَّعة بالسموم اللذيذة، حَتى نسوا طعم الثمرة المقطوفة من الشجرة وقد استوت وطَابت، بالشمس والطين والماء، وقالت للرائح والغادي أنا هنا في انتظار أن أمتعك وأُقوّتك. وأحيانًا أخرى ننقم عليهم، كأنهم جزء مُتمم للقصر والبنك، جزء خارج أسوار الجنة يحلم ويعمل ويموت في صمت. ألا يرتضون المذلة والحرمان؟ ألا يصنعون بأيديهم ما يأكلون مِن قمامة؟ ألا يجرّفون الأرض ويقتلعون النبات؟ ألا يقتلون بعضهم بعضًا لاختلاف ألوانهم وألسنتهم؟ أهؤلاء حقًّا أهلنا وناسنا؟ هل يستحقون أن نعيش غرباءَ ومُطارَدين مِن أجلهم؟

في أوقات الريبة والإحباط تلك نتذكر صوت أميرنا الحبيب وهو ينصحنا ويعظنا كلّما استطاع الهرب من نعيم سجنه بين المفسدين، فيأتي ويذهب مُلثمًا مجهول الهوية. يقول لنا اعلموا أن تضحياتكم ليستْ مِن أجل أي شخصٍ آخر سواكم، بل تعملون لخيركم أنتم أولًا، لتطهير أجسادكم من الشوائب وعقولكم من الأوهام، ليكن هدفكم أنانيًّا بهذه الدرجة، فنحنُ لسنا شهداء ولا قدّيسين، وكلّما مضيتم على السبيل ستجدون لذةً مُتجددة في خدمة الآخرين وتنويرهم. هذا قدركم، ترضونه وتستمرئونه، تتحركّون في الظلام بينما تتحدثون عن النور، تقتانون بالفتات وتبشّرون بالوفرة، وتمهّدون الأرض ليومٍ عظيم. فلا ندري نحنُ إن كان بكلامه هذا يشجّعنا أو يثبّط من عزيمتنا.

**

سرتْ حُمى البحث عن العندليب في القصر وما حوله، وكل دقيقة تمر تنذر بتفجّر غضبة الإمبراطور الغارق وحده في أسئلة جديدة، ما هذا الكائن الصغير الذي تغنّى به شعراء العالَم؟ كيف عميت أبصارهم عن الأواني الخزفية وتماثيل المرمر ؟ كيف صُمَّت آذانهم عن الأجراس الفضية وتسابيح الكهنة وغناء القيان؟ كيف لم يروا ولم يسمعوا سوى ذلك العندليب؟ ثم كيف لا أعلمُ به، أنا الإمبراطور، مالك كل شيء؟ وقبل أن تنفد أسئلته وصل الخبرُ إلى مطبخ القصر، حيث شابة صغيرة تأتي من قريتها مع الفجر وتخدم في المطبخ حتّى غروب الشمس، قالت لهم وهي تقطّع البصل من غير دموع: العندليب، أنا أعرفه، إنه صاحبي، يغرّد لي كل يوم مرتين، مرة وأنا آتية قبل مطلع الشمس ومرة وأنا ذاهبة عند غروبها. يعرفه أيضًا كل الصيادين في البحيرة، وبعض الفلاحين حينَ يذهبون للاغتسال هناك، لكنني الوحيدة التي تفهم لغته، أحدّثه فيجيبني وأفهم ما يقوله وأفسّره للناس، لكن لا أحد يصدّقني، ولعلّكم لا تصدقونني الآن.

تكفَّل كبير الطهاة بالإبلاغ عن كلام تلك البنت البلهاء، عسى أن تكون صادقة فيصيبه شيءٌ مِن الخير. وسرعان ما صحبها الحرس إلى الموضع الذي حدّدته، وجلسوا هنالك ينتظرون. وقبل مغيب الشمس أتى صاحبها الصغير وبدأ يغرّد، واندهش الحرس عندما وجدوا الفتاة تكلّمه فينصت ثم يجيبها بزقزقته. دقائق معدودة وكانوا في طريقهم إلى القصر والعندليب ينتقل من كتف الفتاة اليمنى إلى كتفها اليسرى ويغنّي وهي تغمغم له وتضحك، والحرّاس مندهشون، فكأنَّ هذين المخلوقين الضئيلين لن يمثلا بعد قليلٍ أمام أعلى العروش وأشدها مهابة. اقترب منهما واحدٌ من الحراس، وكان شابًّا وسيمًا من أصول قروية هو أيضًا، تحدّث إلى الفتاة قائلًا: لن أسألكِ كيف تخاطبينه وتفهمينه، فلعلّه سحر أو موهبة خصّتك بها السماء، لكني لا بدَّ أن أسألكِ كيف استطعتِ إقناعه بأن يأتي معنا؟

قالت الفتاة بلا تردد: كلّمته عن الإمبراطور، قلتُ له إنه رجلٌ مُسن ووحيد ولا بدَّ أنه يحتاج إلى صديق واحدٍ على الأقل ليؤنسه، من غير أن يخافه أو يتملّقه، فوافقَني وقال لي إن كل الأشياء والكائنات بحاجةٍ إلى صديق واحد على الأقل.

ابتسم الحارس لكلامها وابتسامتها ولعَظَمتي الترقوة الناتئتين من وراء ثوبها الخفيف. التمعت أربعة أعين في العتمة الحانية لأوّل المساء، وغرّد العندليب فجأة بأغنية حُب لم يفهم معانيها إلّا البنت، لكنها لم تشعر بأنَّ عليها أن تترجم كلماتها للحارس الشاب، الذي سار إلى جانبها في صمت كأنه يحلم. انتهت الأغنية فجأة عندما ظهرت أسوار القصر.

**

لا نستقر في موضع؛ لأن الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب ولا ينغرسُ فيه عَلَم ولا يقوم عليه بيت. الحجر المتدحرج نظيفٌ وحُر، لكنَّ الخوف رفيق رحلته.

لدى كل منعطفٍ أو زاوية قد يظهر العدو، في أي صورة من صوره العديدة، في صورة شُرطي أو لافتة دعاية، أو قد يظهر العدو على هيئةٍ أبعد ما تكون عن القبح والفزع، على هيئة شابة جميلة أو شاب أنيق، شريك حياة محتمل يدعو أحدنا للإقامة والاستقرار وبناء أسرة، ليواصل ما وجدنا عليه آباءنا ويدور في تروس ماكينة استهلاك بحجم كوكب، لكننا لا نحيد، أغلبنا على الأقل ينجح في صد الغواية مُستعينًا بالصبر والصوم والصلاة وتلاوة الحكايات القديمة.

اكتسبنا براعةً خاصة في فنون التنكُّر، أيامًا نبدو مثل غجرٍ يجوبون البلاد لبيع التعاويذ والأدوية السِّحرية، وأيامًا نصير رهبانًا نتسوّل القوت من بابٍ إلى باب، لكننا في جميع هيئاتنا نحكي للناس عن الغابات التي اختفت والأنهار التي جفّت والحقول التي تآكلت وتراجعت ثم ماتت تحت أنصاب الطوب والإسمنت. حين نتكلم عن الطيور ونصفها لهم لا يصدّقون، فنحاول أن نرسم صورها ونقلّد أصواتها، وكثيرًا ما نجد بينهم مَن يستعيدُ ذكرى غائمة لها من حياة سابقة أو من حلم زاره، فيقول إنه يعرف ذلك الشيء ورآه بل طارَ معه ذات مرة. في مثل تلك الأوقات نصدّق أنه ما من شيء يُمحَى حقًّا مهما اجتهدَ الأباطرة ورفاقهم من التجّار ومُلَّاك الشركات، وأنَّ العندليب القديم لا يزال حيًّا، ولو صورة في خيال صبية قروية وجهها الجميل شاحب رغم انتفاخ بدنها بفعل مُكسبات الطعم والرائحة.

مع مرورنا بكل قرية أو بلد نكسب ونخسر، مثل خصومنا التجّار، قد نخسر رفيقًا لنا شعرَ بأنّ الرحلة أرهقته وبأنه لم يعد يقوى على متابعة حياته حجرًا متدحرجًا، وإذا اطمئنتْ نفسه لبلدة مررنا بها يقرر الإقامة، يُسلم مهامه وأوراقه لبعضنا ونودّعه بلا أسفٍ ولا لوم. وقد نكسبُ أيضًا شابًّا أو شابة، بل أحيانًا شيخًا صافي الوجدان أو سيدة وحيدة في منتصف العمر، أي شخصٍ يكتشف هويتنا الحقيقية وراء تنكرنا، فيطلب الاقتراب والانفراد بأحدنا ويبدي استعداده للسير معنا على الطريق، ولا نقبله بيننا على الفور، ننتظر يومًا أو يومين، نشرح له المخاطر والمشاق، فإذا أبدى حرصًا وإصرارًا نحتفلُ بولادته الثانية في حياته الجديدة، نحتفل بطقوسٍ بسيطة قد تتغيّر مِن حينٍ إلى آخر، لكن ركنها الثابت والذي لا نتجاوزه أبدًا مع انضمام فردٍ جديد لأسرتنا التي بلا بيت، هو أن نحكي له حكاية العندليب مع الإمبراطور العجوز. يحكيها عادةً أقدم الأعضاء أو أحلاهم صوتًا أو أوضحهم بيانًا.

وهكذا يتبدّل أفراد جماعتنا مع الوقت، لكنّ الطريق لا تبديلَ له، تصنعه خطواتنا، ويقودنا عليه صوتُ عندليبٍ في حكاية.

الرسم لـ عمر مصطفى - المصدر: عمر مصطفى

**

في الصمت المهيب، لم يُسمَع سوى صوت خطوات الإمبراطور البطيئة وهو ينزل عن عرشه، ليتأمَّل مِن قريب العندليب الواقف على راحة يد الفتاة. لم يتوقّع بالمرة أن يكون طائرًا رماديًّا هزيلًا. هذا هو إذن الشيء الوحيد في إمبراطوريته الذي انتزع إعجاب ذلك الشاعر وأبكاه. ثم مَن تكون هذه البنت الفقيرة رثة الثياب؟ وكيف تكون هي وحدها القادرة على ترجمة غنائه؟ طلبَ منها الإمبراطور ألا تخاف، فقالت بهدوء إنها ليستْ خائفة. فتبسَّم مِن قولها. تشجعت وقالت للإمبراطور إنه يشبه جدها النجَّار، لكن جدها نحيل ولونه أصفر وبلا أسنان، بينما الإمبراطور بدين ولونه أحمر وأسنانه كاملة ولامعة. ضحكَ الإمبراطور حتى اهتز بدنه، ثمَّ طلب منها أن تجعل العندليب يغني، نقلت أمنيته للعندليب بألفاظٍ بشرية بسيطة، فتعجّب الحاضرون حينما رأوا العندليب يومئ قليلًا برأسه الضئيل ويصدح بالغناء.

لم تترك أولى النغمات أي أثر، وكأنَّ الطائر كان مأخوذًا قليلًا بالجو الغريب، أو ربما أرادَ أن يهيئَ سامعيه قبل التحليق معه. ثم حَلّ صمتٌ قصير، وكأنَّ الإمبراطورية التي لا حدود لها حبستْ أنفاسها وأرهفت أسماعها، حتَّى انبعث لحنٌ غريب وقوي من جوف ذلك المخلوق الأشد هشاشةً وضعفًا، لحنٌ فيه إيقاعٌ بعيدٌ، مِثل صدى لخفقات قلب الأرض، وفيه أيضًا جُملٌ واضحة مثل أمواجٍ عالية وأنسامٍ عذبة وليالٍ صيفية قصيرة من المتع المختَلسة، ونهاراتٍ شتوية طويلة من أسئلة الوَحشة.

دارت الدنيا بأعظم رجال الأرض، ورآه أفراد الحاشية وهو يتسنّد على مِنسأته الذهبية حتَّى يبلغ أولى درجات عرشه، وجلس هناك مثل راعٍ مُسن أتعبه السعي وراء قطعانه لسنوات. أخفى وجهه بين كفيه. وأحسَّ كأنّه عرفَ أخيرًا ما الحَنان.

**

رجالُ الشرطة السرية يتتبعون خطواتنا ليلًا ونهارًا، متعتهم وفوزهم في النيل منا. إذا وضعوا أيديهم السوداء على أحدنا أذاقوه من العذاب ألوانًا. نرى صور صاحبنا الشاب الجميل بعد ذلك في الصحف والشاشات وقد صار قبيحًا ومخيفًا فكأنهم صنعوا منه شخصًا آخر، ويدعونه بالخائن والمخرّب وخاطف الأطفال، ثم قد يُحرق حيًّا أو يرجم بالحجارة حتى الموت. أسماء هؤلاء في مخطوطات محفوظة لدينا منذ أوّل الطريق، لكنّ القوائم تتزايد وتمتد بلا أمل في نهايةٍ.

قد يوسوس لنا الشيطان أحيانًا بالشكوك ويزيّن لنا اليأس وخُسران كل سَعي. عندئذٍ نكون في أمس الحاجة إلى ظهور الأمير بيننا من جديد، واجتماعه بنا ولو دقائق معدودة، خاصةً إذا طالته هو نفسه الريبة والشائعات، فقد يتساءل بعض ضعاف الإيمان إن لم يكن يخدعنا، قائلين أليس واحدًا منهم في نهاية الأمر؟ أليس حفيد الأباطرة وابن القادة وشريك المستثمرين؟ ألا يعيش مُطمئنًا في النعيم ويتركنا لهوان الذل والخوف والمُطارَدة؟

كانت زياراته تتباعد ونسمعُ أخبارًا متضاربة عن مؤمرات واتفاقات، ويظهر مَن يقول شيئًا عن استخدامنا واستخدام نهجنا المقدّس ورقة لعب بين المتصارعين على السُّلطة. ولا نملك غير أن نستعصم بالعمل والحكايات، إذ نعرف أنَّ متابعة الحركة وحدها كفيلة بالإطاحة بجميع الأسئلة، التي نتركها عن طِيب خاطر للمتقاعسين والمستمتعين بصحبة أوهامهم. وتمضي شهور دون أن يصلنا من الأمير ورجاله غير رسائل آلية، رسائل مشفّرة عبر الموجات، ليست بشرًا نستطيع أن نسألهم ونستهديهم، مجرد علامات علينا نحن أن نجتهد في تأويل فحواها، وقد نختلف أو نتفق، ثم نعمل وفق مضمونها حسب اجتهادنا وعلى قدر استطاعتنا.  وصول تلك الرسائل وبعض المعونات المالية يزيل عنا الهموم والهواجس لفترةٍ من الوقت، تتجدد طاقة السعي والكفاح، ونستعيد ذكرى الجنة الضائعة التي بنى لنا مهندسو الأمير نموذجًا مصغّرًا منها، أو هكذا سَمعنا، على جزيرةٍ في أقصى بحار الأرض، ووَعَدنا بالاجتماع فيها ذات يوم، نحن وأمثالنا من بين شعوب العالم أجمع، لنعلن من هناك رسالتنا ونكشف وجوهنا للنور ونجابه الظلام والعفن.

على تلك الجزيرة سوف نجمعُ من كل زوجين اثنين، وسوف يرجع للوجود النمل والنحل وحَتَّى الذباب، وكل ما لا غنى عنه لاستمرار حياة الإنسان. لحسن الحظ أن أسلافًا لنا على الطريق لم يسمحوا بانقراض بعض الأنواع الحيًّة، وتعهد كلُّ واحدٍ منهم بحفظ حياة نوعٍ واحدٍ على الأقل، ولو كلفه ذلك حياته وحياة أهله، فبقيتْ في خزائن مخفية حشراتٌ لم يعد لها نظير تحت نور الشمس، وعاشت سمكة وصغارها في حوض ماءٍ دافئ بعد أن أوشكت عشيرتها على الاختفاء من كل البحار، وبقي عندليبٌ واحد يغنّي في مكانٍ سري، مَهمتنا الأخيرة ستكون هي العثور عليه والاحتفاء به، قبل أن نستنسخَ منه ألفَ عندليبٍ آخر. وسوف يعيننا بعضُ أهل العِلم ممَن لم يبيعوا أرواحهم بعد، وسوف نبلغ جزيرتنا الموعودة في نهاية الأمر ولو بقوة الأمنيات وحدها، فقط إذا لم ننسَ أو نتعب أو ينفضّ شملنا قبل ذلك اليوم.

**

استقرّ العندليب في قفصه الذهبي، يغنّي لإنسانٍ واحدٍ فقط، متى شاء مالكه الإمبراطور الوحيد. واستقرّت الصبية في منصب تُرجمان العندليب، تنقل الرسائل بينهما، وكلُّ مترجمٍ خائن، لكنّ الخيانة ليست على الدوام جريمة وغدرًا. بين الحين والآخر كانت تحكي للإمبراطور عن جدها النجَّار أو جدتها القابلة، عن أبيها الصيّاد وعن أمها الخَيّاطة، وعن آخرين صيادين وفلاحين يجلبون ألذّ الأسماك ويزرعون أطيب الثمار، ولكنهم أحيانًا لا يجدون قوت يومهم، تحكي له عَمَّن يصنعون أجمل وأمتن الثياب والأحذية ويسيرون حفاةً مرتدين الأسمال. فهمَ الإمبراطور الرسالة، فهو لم يكن أحمق وإن كان جبَّارًا. ثمّة مخلوقات أخرى غير العندليب كان يجهل وجودها في إمبراطوريته، ولعلَّها أجدر منه بالاستماع إلى أغنياتها الحزينة.

اضطرب القصر وارتبكت الحاشية بأوامر الإمبراطور الجديدة. وقالَ أولو البأس من الأبناء والأحفاد إن الشيخ فقدَ صوابه وبلغه الخرف، ولا بدّ من التحرك واستلام زمام الأمور قبل أن يتآكل المُلك. أرسلوا للقبض على الصبية،  لكن حارسها الحبيب كان قد سبقهم، فأيقظها وأطلعها على تبعات ما فعلت، وطلبَ الإذنَ من أهلها بأن يأخذها ويرحل. لم يعرف لهم أحدٌ موضعًا بعد ذلك النهار، وقيلَ إنهما تزوّجا وأنجبا البنات والبنين، صادقا الفقراء والمحرومين، وشيَّدا في بقعةٍ نائية أول مجتمعٍ صغير لا يسفك الدماء أو يفسد في الأرض أو يحبس العنادلَ في أقفاص.

اعتصم العندليب بالصمت وقد اشتاق لصاحبته وللغابة والبحيرة والطيران، وتواترت نوبات بكاء الإمبراطور المرغَم على التزام جناحه. كان قد أدركَ أنَّ سُلطانه أشد هشاشة من لسان ذلك الطائر الضعيف الصامت، وكاد يستسلم لليأس حتَّى أتته هديةٌ من صديقٍ قديم، عندليبٌ من ذهب مرصّع بأثمن اللآلئ وأكرم الأحجار، إذا أدار الإمبراطور زنبركه تَغنّى له بأروع الألحان والأصوات. عندئذٍ أطلقوا سراحَ العندليب الحقيقي أخيرًا وقد هُزم في المنافسة التي بدأتْ ولن تتوقّف لآلاف السنين بين سلالته وسلالات عجيبة من الآلات الصدَّاحة.

وجد الإمبراطور بعض العزاء في لعبته الجديدة. كان يملأ عندليبه الذهبي فيغني له حتى ينام على صوته راضيًا، وقد بدا أنه نسي البُنَية التي قِيل له إنها فاجرة هربت مع واحدٍ من الحرس، ونسي أيضًا أهلها من المحرومين الذين قِيل له إنهم خططوا لانقلابٍ وفوضى. سنة بعد أخرى وبدأ العطب يدب في أوصال العندليب الآلي، أخذَ يصدر أصواتًا مزعجة إلى أن تفكّك فجأة وبرزت أحشاؤه المعدنية القبيحة. ثم رقد الإمبراطور مريضًا، رافضًا أي ألعاب زائفة أخرى، وكان ينادي عندليبه الأوَّل بأسماءٍ طفولية مضحكة.

زحف شبحُ الموت على فراشه في صورة شقيقه الأكبر، وهو يتشفَّى قائلًا له لقد أتيتُ لآخذك إليَّ أخيرًا، حتّى نطوي الكتاب القديم. توسّل الإمبراطور إلى شبح أخيه أن يشفق عليه ويصفح عنه، أو أن يمهله يومًا أو بعض يوم؛ لكي يُسوّي حسابه ويصلح بعض أخطائه ويغتسل مِن جرائمه التي لم يعد يتذكّر منها إلَّا أقل القليل. قال له شبحُ الأخ إنه قد يمهله قليلًا، بل قد يغفر له أيضًا، في حالةٍ واحدةٍ فقط، أن يحضرَ إليه مخلوقًا واحدًا فقط يحب الإمبراطور حقًّا ويسهر عليه ويتمنى له الخير. وقبل أن يمد الأخ يده ليأخذ الإمبراطور معه إلى العالَم الآخر ظهر العندليب القديم على إفريز النافذة وجعل يغرّد. كلّما امتدت أغنيته كان شبحُ الأخ يتراجع وترتسم الرحمة على قسماته الشاحبة، يسترد وجه القتيل لونَ الحياة وتدب العافية في أوصال القاتل، تذكّرا معًا لحظاتٍ أبعد من الشِّقاق والقتال، كانا يستحمّان في جدولٍ ويتراشقان بالمياه، كانا يتباريان في سباق الخيل، كانا يتقاسمان جاريةً واحدة على فراشٍ واحد. جمعهما العندليبُ أخيرًا.

عاشَ الإمبراطور بعد ذلك اليوم سنواتٍ قليلة، تفاهم خلالها مع العندليب بلغته من غير حاجة إلى تُرجمان، قبل أن يرحل هانئًا راضيًا، ثمَّ يتوالى الأباطرة المفسدون وتنقرض العنادل الحية. أمَّا الصَّبية والحارس ومَن معهما فقد قِيلَ إنهم ارتحلوا إلى جزيرةٍ نائية، جزيرة تطمح لأن تتسع حتَّى تصيرَ هي الأرض كلها، بل الوجود كله ذات يوم، جزيرة تقتربُ منَّا كُلَّما حلمنا بها.

* قصة من «كان يا ما كان» كتاب القصص الجديد لمحمد عبد النبي، والذي سينشر قريبًا عن دار «العين».

**«سابع مدى» باب للكتابة الإبداعية، ومساحة للتجريب الأدبي، ينشر كل نص مصحوبًا بلوحة يرسمها الفنان عمر مصطفى.

اعلان
 
 
محمد عبد النبي