سلسلة| المحاسبة المجتمعية.. هكذا تحدث بشكل عملي
عن تجارب تجاوز الأذى الجنسي
 
 
 
المصدر: نورا كمال
 

«كيف نبدّل وجه عالم سمته العنف، ونسوق الحكومات في جبروتها إلى الحساب، ونَجبُر الكسر الذي خلّفه الظلم المتجدد جيلاً بعد جيل.. إن كنّا عاجزين عن منع المناضلين المخلصين داخل حركات التحرُّر من انتهاك شركائهم، أو التحرش برفاقهم جنسيًا، أو إلحاق غير ذلك من صور الأذى بالناس في أوساطنا؟».. هكذا تكتب كوني برك في تقرير من ثلاثة عن المحاسبة المجتمعية تنشرها «مدى مصر».

لقد سعت جماعات شتى في مختلف بقاع العالم إلى معالجة وقائع العنف الجنسي، والعنف ذي الأسباب والدوافع الجندرية بأسلوب المحاسبة المجتمعية. يلجأ الناس إلى هذا الأسلوب حين لا يكون اللجوء إلى الشرطة ممكنًا أو واقعيًا أو مقبولاً؛ إما خشيةً لما يفعله نظام العدالة الجنائية من تعميق لأثر الصدمة عند الناجين بعد الاعتداء، وإما لأن أطراف الواقعة ينتمون إلى مجموعات مهمَّشة فاللجوء إلى الشرطة يعرضهم إلى عنف أو انتهاكات أخرى من قِبلها، وإما لنقدٍ عندهم لنظام العدالة الجنائية عمومًا، وإما لانعدام القوانين والأنظمة المختصة بالعنف الجنسي.

عمليات المحاسبة المجتمعية تستوجب عادةً انخراط عدد من الأشخاص المخلصين في العمل مع الناجي والمعتدي، وتستغرق سنة تقريبًا. تتمحور الجهود حول الناجي، وتحمل المعتدي على أن يتأمّل الأذى الذي سببه ويُقرّ به، وبتلك الجهود تتغير المجتمعات تغيُّرًا جذريًا، لكن نيل تلك المقاصد ليس سهلًا، فكيف تُنفَّذ عمليات المحاسبة؟

تضمّ السلسلة ثلاث تقارير اختار «مدى مصر» نشرها هي ترجمات عن نسخ مختصرة من مقالات طويلة كتبها أشخاص نشطوا في عمليات المحاسبة المجتمعية زمنًا طويلاً ونُشرت بدءًا بالإنجليزية.

أول ما ننشره بالسلة هو «بين أيدينا»، وتحكي فيها المعلمة آنا كلاريسا رُها دُراسو كيف تحول درس عن المحاسبة المجتمعية إلى عملية محاسبة فعلية أُجريت في صف دراسي جامعي حين أفصح أحد الطلاب عن أنه اعتدى جنسيًا على طالبة زميلة.

هُيِّئت أجواء الصف لتشجع جميع من فيه على التفكير في بعض الأسئلة: ما مدى مسؤولية كل منّا عن العنف، وما صور تلك المسؤولية؟ كلنا نشأنا في أجواء عنف، والعنف جزء من تكويننا وتشكيلنا – فما أوجه تورُّطنا فيه باشتراكنا في النسيج الاجتماعي؟ وما واجبنا في تغيير العنف تغييرًا جذريًا؟
أما ثاني ما ننشره بالسلسة، فهو من مجموعة عمل سياسي اسمها «وقفة فلادلفيا»، نشطت قبل نحو عقد من الزمان، وطُرحت فيها أسئلة شبيهة. كانت «وقفة فلادلفيا» في البدء إحدى مجموعتين تعاونيتين نشأتا لمعالجة وقائع اعتداء جنسي متتالية عصفت بوسط «البَنك» punk التحرري في فلادلفيا عام 2004، وكانت هذه المجموعة مختصة بمعاملة مرتكبي الاعتداءات، أما الأخرى -واسمها «فلادلفيا غاضبة»- فكانت تعامل الناجين. في  «وقفة فلادلفيا» يخبرنا عضو مؤسس في المجموعة اسمه إستِبَن لانس كِلي بتاريخ تلك الحركة وتطورها.

كان في الحركة اتفاق على ضرورة الاستناد إلى تحليل متماسك لتداخل أنظمة القهر وترابطها في نشاط «وقفة فلادلفيا»، ويُنشد من عملها هذا  -الذي يقول الكاتب إن مردوده ليس فوريًا كالسحر، لكن له ملمح شاعري – التغيير الجذري، وتُطرح فيه أسئلة مثل: ماذا بذلت جماعتنا من جهد كي تكفل نجاعة التفاهم فيما بيننا فيما يخصّ الاحتياجات والرغبات الجنسية وما لا ينبغي تجاوزه من حدود؟

آخر تقارير السلسلة كتبتها كوني برك، وهي ناشطة اشتغلت بالمحاسبة المجتمعية طوال سنين ضمن «شبكة نورْثْوِست»، وهذه شبكة من مزدوجات/مزدوجي الميول الجنسية والعابرات/ين جنسيًا والمثليات/ين ممَن تعرضوا لانتهاكات.

تذهب برك في كتابتها التي تحمل عنوان «Think, rethink» إلى أن فهم كثير من جماعات الناشطين للمحاسبة فهم محدود، وتحكي لنا عن بعض مواطن القصور التي لحظتها في مساعي المحاسبة المجتمعية القائمة، ثم تخلص إلى أن ذلك القصور يولد من «توهُّم أن المحاسبة المجتمعية في جوهرها عمل خارجي لا مهارة داخلية» لعلاج ذلك تدعو الكاتبة إلى تحويل التركيز عن محاسبة الأفراد، والاتجاه به إلى بناء قدرة الجماعات على الاضطلاع بمسؤولية المحاسبة.

 للاطلاع على ما نُشر بالسلسلة:

«بين أيدينا» هكذا قام الطّلبة بـ «المحاسبة المجتمعية»

«وقفة فلادلفيا»: من «المحاسبة المجتمعية» إلى «العدالة التحويلية»

اعلان