حوار| تامر السعيد: أين نقف من «اللجنة»؟
عن «القاهرة السينمائي» وتسريب «آخر أيام المدينة»
 
 
 

كنتُ في نيويورك حين شاهدتُ فيلم «آخر أيام المدينة» للمرة الأولى. كنتُ بعيدة عن القاهرة -أفتقدها لدرجة جعلت صورة السيارات المتكدسة على كوبري أكتوبر (شيء مقبض في العادي) في أحد مشاهد الفيلم تجلب الدموع إلى عيني- ولكني لم أكن وحدي. كنتُ محاطة بالأصدقاء والمعارف من المصريين والمصريات في «التفاحة الكبيرة»، نصافح بعضنا البعض في حماس وترقب قبل الدخول إلى قاعة العرض ونمزح كلما زدنا واحدًا أو واحدة: «هو إحنا في زاوية ولا إيه؟».

امتلأت الكراسي في الـ«موما» [متحف الفن الحديث] بالوجوه المألوفة. أعي قصص بعضهم ممَن لا يمكنهم العودة إلى مصر في ظل الوضع السياسي الحالي. أدرك عمق الألم المختبئ تحت ضحكاتهم في كل مرة نتقابل ونتشارك الذكريات ونتعجب حول ما يجري «هناك» من عبث الآن. على الشاشة المزيد من الوجوه المألوفة في مظاهرة لحركة كفاية في أواخر العقد الأول من الألفينيات، يصورها البطل، خالد: مخرج يصارع كي يصنع فيلمًا عن مدينته، التي تترنح على حافة شيء ما، لم يدركه أحد بعد. كمال خليل يهتف: «يسقط يسقط حسني مبارك»، وأحد أولئك الأصدقاء المغتربين غصبًا ينتحب في الصف المقابل لي، بينما يربت آخر على كتفه.

في «آخر أيام المدينة» شاهدتُ الركود الكاذب المنتهي إلى «يناير»، بينما جلست هزيمتها بجانبي، وأمامي، وفي كل مكان حولي في تلك القاعة. أما ما جرى بينهما -الركود والهزيمة- فلم تتركني ذكراه طوال مدة عرض الفيلم، ممزوجة بشجن لم يتح له الإيقاع الشاعري للكامير، أو اللون الأصفر التُرابي المهيمن على الصورة، أو شريط الصوت المُنهمِك («إزاي تسمع الصمت في دوشة القاهرة؟»)، مفرًا.

في المناقشة التي تلت الفيلم -والذي كان يعرض في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان New Directors/New Films (مخرجون جدد، أفلام جديدة)- سأل أحد الحضور المخرج تامر السعيد عن تجربته في مهرجان برلين السينمائي، حيث كان قد حصد جائزة كاليجاري من قسم Forum بالشهر السابق. لا أذكر كل ما قاله السعيد ردًا، ولكن جملة واحدة علقت في ذهني: «لن يكتمل العمل حتى يُعرض الفيلم في القاهرة، لأهلها».

أتذكر أيضًا ما قاله السعيد عن ظروف العرض السينمائي في مصر: 300  شاشة عرض فقط في دولة سكانها 90 مليون، تمتلكها تقريبًا ثلاثة شركات هي أيضًا شركات إنتاج وتوزيع. كيف يحظى إذًا فيلم مستقل، دون شركة إنتاج ضخمة ورائه ولا نجوم شباك بين ممثليه، على فرصة للعرض في تلك السينمات؟ لا توجد سُبل سوى أن يطوف به مخرجه مهرجانات العالم أولًا كي يبني له سُمعة قادرة على إقناع أصحاب الشأن بمنحه أسبوعًا أو اثنين في دور العرض.

كاد الفيلم أن يعرض بالفعل، وفي ظروف مثالية: ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إلا أن إدارة المهرجان تراجعت عن قرارها بعرض الفيلم، بعد شهر فقط من الإعلان عن ضمّه للمسابقة، متحجّجة بمشاركته في العديد من المهرجانات الدولية قبل القاهرة (وهو أمر كان معروفًا للجنة الاختيار من البداية). تبع تلك الخطوة صراع طويل بين فريق «آخر أيام المدينة» (تحديدًا شركة «زاوية» للتوزيع السينمائي، الموزع الرسمي للفيلم) وإدارة المهرجان، تخلله عدد من البيانات من الجانبين، والتماس وقع عليه حوالي 270 فنانًا وفنانة متضامنين ومتضامنات مع السعيد وفيلمه.

لكن المهرجان عُقد بالفعل دون مشاركة الفيلم، ولم يحصل فريق الفيلم حتى اليوم على تصريح رقابي يمكّنه من عرضه في سياقات أخرى داخل مصر، ولا على رفض مكتوب يمكّنه من اتخاذ إجراء قانوني اعتراضًا على قرار المنع.

وفي يوم خريفي بعد مرور عامين بالتمام والكمال على ذروة الصراع، يفاجئني رابط «فيميو» على «فيسبوك» وقد شاركه ما يقرب من 30 شخصًا ضمن قائمة أصدقائي في خلال ساعة واحدة، لأكتشف أن الفيلم قد سُرِّب، وأنه الآن متاح للجميع على الإنترنت، مجانًا. اللقطة المثبّتة الظاهرة من الفيديو تنتمي لأحد أجمل مشاهد الفيلم، وأكثرهم تأثيرًا. بيت قديم يُهدم بالإسكندرية، تنهار معه تفاصيله من أثاث وصور، ويبدو الغبار المتناثر إثر تكسير الطوب الأحمر كما لو كان دمًا يتفجر من عروق آدمية. المكان، في هذا الفيلم، ليس مكانًا؛ المكان كائن: ينبض، ويتنفس، ويحزن، ويفيض.

المكان هو هنا؛ فالفيلم ليس متاحًا للمشاهدة المجانية سوى في مصر. والزمان هو الآن: أثناء الدورة الأربعين من مهرجان القاهرة، والتي يدّعي الكثيرون أنها «مختلفة» من نواحٍ عديدة؛ فرئيسها محمد حفظي، هو أصغر رئيس في تاريخ المهرجان، وأحد ألمع الأسماء على الساحة السينمائية المصرية، ككاتب سابقًا وكمنتج الآن. ما معنى هذا التسريب في مثل هذا التوقيت؟ وما وقعه على السعيد، الذي يعيش الآن بين القاهرة وبرلين؟ خطر لي، عقب مشاهدة الفيلم وأسره لي مرة أخرى، أن أتحدث مع مخرجه عن موقفه من مشاهدة الجمهور له بتلك الطريقة (على شاشة صغيرة ودون الصوت الملائم)، ومن الدورة الحالية من المهرجان، ومن كونه صانع أفلام -حاليًا، على الأقل- لا يصنع أفلامًا.

ما موقفك من تسريب الفيلم؟ وهل حاولت حجبه؟

تتملكني مشاعر متناقضة تجاه الأمر. هو شعور قاسي بالنسبة لي طبعًا، لأنها ليست الطريقة المُثلى التي كنتُ أتمنى أن يُشاهد بها الفيلم، وكمنتج هي خسارة كبيرة لي، فمن هذه الجهة أنا محبط. ولكني أيضًا سعيد أن أخيرًا الناس في مصر ستتمكن من مشاهدة الفيلم والتواصل معه. في الظروف العادية لدي موقف شديد تجاه تسريب الأفلام وقرصنتها، ولكن في ظل أن الفيلم ممنوع وغير متاح للمشاهدة بأي طريقة أخرى، لا أستطيع أن ألوم أحدًا.

لهذا السبب لم أحاول حجبه، ولا أشعر أني أريد أن أفعل ذلك بصراحة. تسريب الفيلم في هذا التوقيت تحديدًا، بعد سنتين من بداية منعه عن طريق مهرجان القاهرة ثم الرقابة، دفعني أن أفكر في التعسف الرقابي الذي اضطر الجمهور لمشاهدة الفيلم بهذه الطريقة من الأساس. الأمر في ذهني يتعلق بالعدالة في ممارسة وتلقي الفن. الكل من حقه أن يشاهد الفيلم، وأخلاقيًا لا أشعر أن من حقي كصانع للفيلم أن أشارك في منعه عن الناس؛ لا أريد أن أكون جزءًا من الرقابة المفروضة عليه.

هل لمست تفاعلًا ما من قِبل الجمهور بعد تسريب الفيلم؟

تلقيتُ الكثير من الرسائل، بعضها من أشخاص لا أعرفهم إطلاقًا. لكن الأمر مؤلم إلى حد ما، لأني لستُ في القاهرة حاليًا، وبالتالي ليست لدي الإمكانية لمقابلة الناس والتحدث معهم عن الفيلم كما تمنيتُ. خلال العشر سنوات التي استغرقتها صناعة الفيلم، مع كل المتاعب والعقبات التي قابلناها، كنتُ أتخيّل لحظة عرض الفيلم للجمهور في مصر، وذلك وحده هو ما منحني القدرة على المواصلة. لم تتحقق تلك اللحظة أبدًا، وأنا أعتبر ذلك أسوأ ما حدث لي كصانع أفلام.

أنا مؤمن أن أي عمل فني هو نتاج لتناقض بين شعور الفنان بغربة ما عن محيطه، ورغبته في التواصل مع الآخرين على الرغم من عدم تآلفه معهم. وبالتالي لا يوجد صانع أفلام لا يفكر في الجمهور، وهناك فرق بين أن يفكر الفنان في تلقي الجمهور وأن يغيّر في عمله الفني كي يتماشى مع مزاج هذا الجمهور. كل ما أردتُه هو أن تكتمل الدائرة: أنا أصنع فيلمًا عن القاهرة، وكنت أتوق لمعايشة كيف ستتعاطى المدينة معه عند عرضه. لذلك أشعر ببعض الرضا أن الفيلم متاح الآن للجمهور في مصر، خصوصًا أثناء انعقاد المهرجان الذي كان أول أدوات منع الفيلم.

البعض يتوقع تغيّرًا في طريقة إدارة المهرجان مع تولي حفظي رئاسته، باعتباره أحد الداعمين للمشهد السينمائي المستقل في العقد الأخير. هل تتفق أن الدورة الحالية قد تعد بداية جديدة للمهرجان؟

الحقيقة أني أختلف مع هذا الرأي. لأن مشكلة المهرجان الأساسية، في رأيي، هي مشكلة هيكلية، ليست لها علاقة بالأشخاص، وهي تخص تبعية المهرجان للدولة ولأجهزة الرقابة وعدم استقلاله بقراراته. هذا الخلل الهيكلي هو الذي منع فيلمي منذ عامين وليس الأشخاص. لا يوجد لدي أي مشاكل شخصية مع محمد حفظي، ولا مع أستاذ يوسف شريف رزق الله، ولا مع د. ماجدة واصف رئيسة المهرجان السابقة. كذلك أعتبر هذا المهرجان جزءًا من تكويني كمخرج، حيث شاهدت أفلام كثيرة من خلاله، ولذلك أرى أننا -مجتمع العاملين  بالسينما ومحبيها في مصر- لدينا مسؤولية تجاه هذا المهرجان، وهي أن نصمم على أن يقوم بدوره الأساسي، وهو دعم صناعة السينما وإتاحة الأفلام لأكبر عدد ممكن من الناس، لا أن يستخدم كأداة للرقابة وتزييف الوعي. طالما لا يقوم المهرجان بهذا الدور على أكمل وجه، فلا يوجد ما يستحق النقاش والتقييم، لأن هذا الدور أهم من حفل الافتتاح، وأهم من الضيوف، وأهم من جودة التنظيم وما إلى ذلك.

أنا أعي تمامًا ظروف صناعة السينما في مصر، وأعلم أن الرقابة جزء من واقعنا، ولكن هناك فرق بين أن يتجنّب المهرجان اختيار أفلام معينة تحاشيًا للدخول في مشاكل مع الرقابة، وأن يختار فيلمًا ثم يستبعده بسبب تدخل الرقابة. والمشكلة الأكبر أنه حين حدث ذلك، لم يتحمل المهرجان مسؤولية اختياره، بل حمّل الخطأ لصُنّاع الفيلم على غير وجه حق. تغيير المسؤولين داخل الهيكل القائم قد يؤدي إلى بعض التطورات في «شكل» المهرجان، فبالطبع هناك أفلام جيدة، وأنا عندي ثقة كاملة في ذائقة القائمين على المهرجان. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يتمتع المهرجان بالحد الأدنى من الاستقلالية الذي يجعله مخلصًا لدوره الأساسي، أم يظل تابعًا بشكل كلي للدولة؟ هل تمتلك إدارة المهرجان قراراتها، أم تُملى عليها؟

في رأيي لا يمكننا الكلام عن أي تغيير دون مواجهة هذة الأسئلة، لأنها تمثل قلب المشكلة. وأنا لا أريد أن يؤخذ نقدي للمهرجان كإساءة له؛ بل هو مدفوع برغبتي في ألا يتكرر ما حدث مع فيلمي مع فيلم أي زميل أو زميلة لأنها تجربة قاسية جدًا لا أتمناها لأحد، وكذلك رغبتي في أن أرى المهرجان الأساسي في بلدي في وضع يسمح له أن يقوم بمهمته الرئيسية دون تدخل خارجي.

تشهد هذه الدورة مشاركة عدد من السينمائيين المستقلين المصريين بأفلامهم في المسابقات المختلفة، وكذلك تعاون كيانات ثقافية بديلة مثل زاوية، حيث تعرض بها بعض أفلام المهرجان. في نظرك، ما هي أنسب طريقة للتعامل مع المهرجان حاليًا، مع الأخذ في الاعتبار ندرة الفُرص على الساحة السينمائية المصرية؟

في 2016 حين مُنع فيلمي من قِبل المهرجان، عرض عدد من المخرجين المصريين المشاركين أن يسحبوا أفلامهم من المهرجان تضامنًا، ولكني رفضتُ ذلك. صُنّاع الأفلام في مصر يعملون في ظروف صعبة بشكل استثنائي، والواقع يقتضي أن يستمروا في العمل، وبالتالي إذا كان المهرجان هو فرصتهم الوحيدة للعرض والتواصل مع الجمهور، فأنا أول مدافع عن حقهم في التمسك بها. ما لا أفهمه هو المشاركة في منح مصداقية كاذبة للمهرجان. هناك فرق بين أن يعرض مخرج فيلمه في المهرجان، وأن يدلي بتصريحات في كل مكان عن قيمة المهرجان بينما هو، في رأيي، يدرك أن هذا الكلام غير حقيقي. أتفهم رغبة صُنّاع الأفلام المشاركين في أن يصير مهرجان القاهرة أفضل وأقوى، ولكن ذلك لن يحدث بالترويج لصورة زائفة عنه. أنا مدرك تمامًا أن حفظي شخص يملك من الخبرة والمعرفة والقدرة والعلاقات ما يمكّنه من تحقيق دورة ناجحة من حيث التنظيم ودعوة ضيوف مهمين واختيار أفلام جيدة تكون متوافقة مع الحدود الرقابية المسموحة، ولكني لا أرى أي دليل على علاج المشكلة الهيكلية التي ذكرتها سابقًا، وهي لن تُعالج طالما لا نتحدث عنها ونتحدث بدلًا من ذلك عن أهمية المهرجان.

من سنتين كنتُ راغبًا في عرض فيلمي بمهرجان القاهرة، لأني كنتُ مقتنعًا أن هذه فرصتنا الوحيدة لتمرير الفيلم، لا لأسباب تخص محتواه، ولكن لأسباب تخص وضعه داخل السوق، حيث لم تكن وراء الفيلم شركة إنتاج أو توزيع كبيرة- وتخص شخصي ومواقفي السياسية أنا وخالد (عبد الله، بطل الفيلم). ولم أكن قد سمعتُ عن حادث منع مشابه حدث مع فيلم آخر؛ فلو كان نما إلى علمي أن المهرجان تصرف بنفس الشكل مع فيلم ما في السنة السابقة أو من خمس سنوات أو في أي وقت، لم أكن لأحاول أن أشارك في المهرجان، ليس من باب النُبل مثلًا، ولكن لاعتبارات عملية: ببساطة، كيف أثق في المهرجان وأئتمنه على فيلم قضيت عشر سنوات في صنعه، وأنا أعرف أن إدارته لا تمتلك قراراتها ويمكن أن تسحب الفيلم من البرنامج إذا طلب منها ذلك؟ وحتى حين أُعلن اختيار الفيلم في المسابقة، لم أقل أكثر من كلمة شكرًا للمهرجان.

أما بالنسبة لزاوية، فلا يمكنني أن أنكر أني أشعر بالغضب تجاه موقفهم، وهذا الغضب سببه الحب لأني كنتُ أظن، لسنوات طويلة، أن هناك حد أدنى من الاتفاق في رؤيتنا للدور الذي علينا أن نقوم به. الأمر ليس شخصيًا، ولكنه يخص دورهم كموزع للفيلم. التوزيع يعني أن يأتمنك شخص على عمله، الذي قضى سنوات في صناعته، معتقدًا أنك ستخوض معه كل المعارك دفاعًا عن وصول هذا الفيلم للجمهور، مما يجعل تعاون زاوية مع الجهة التي منعت الفيلم موقفًا إشكاليًا، في رأيي، في ظل أنه لم يحدث أي تغيير حقيقي في هذه الجهة. موقفي ليس أيديولوجيًا، ولكنه موقفًا عمليًا. هذه ليست معركتي ولا معركة «آخر أيام المدينة»، بل معركة أي شخص يعمل بالمجال ويرغب في تحسن الوضع، بما فيهم حفظي نفسه، لأني متأكد أن الطريقة التي تُدار بها الأمور حاليًا على المشهد السينمائي مؤذية له هو أيضًا.

أتذكر الآن ما قاله البطل في نهاية رواية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم: «كان من واجبي أن أقف أمامكم لا معكم*»، أو شيء من هذا القبيل. علينا أن نحدد موقفنا كصُنّاع أفلام وعاملين بهذا المجال: هل نحن متصالحون مع الظروف التي نعمل فيها، أم نعمل فيها مُجبرين؟ إذا كنا نعمل فيها مُجبرين، إذًا لا يصح أن نمتدحها. أنا هنا لا أطالب بالمقاطعة، فليعرض مَن يريد فيلمه إذا لم يكن لديه طريق آخر للوصول للجمهور، ولكن مع الحفاظ على وعي أنه يعرضه في هذه الظروف لسبب، وليعرضه دون احتفاء، لأن هذا الاحتفاء يساهم بشكل مباشر في ترسيخ هذه الظروف. كل موقف نأخذه الآن جزء من سردية يكتبها التاريخ، ويجب أن نحدد موقعنا منها. نحن نعيش في معركة على السرد والسؤال الذي يطاردني بشكل يومي الآن هو أي سرد سيبقى عن الواقع الذي نعيشه؟

أين أنت اليوم من البدء في مشروع جديد؟ وهل ترى نفسك تصنع فيلمًا آخر في القاهرة في المستقبل القريب؟

هذا سؤال يطرح أسئلة أخرى كثيرة ومعقدة، أولها يخص علاقتي بهذا المكان الذي لطالما انتميتُ له، ولكنه الآن يشعرني بشيء من الوحدة. شعور صعب أن أكتشف الاختلاف الكبير بيني وبين من حولي من زملاء وأصدقاء في رؤيتنا للأمور، وهو ما يصير أكثر حدّة وقت المهرجان طبعًا. أشعر أني لستُ جزءًا من أي شيء في القاهرة، حتى ذلك الهامش الصغير الذي ظننتُ دائمًا أن لي مكانًا فيه. في نفس الوقت أنا لستُ قادرًا على ترك القاهرة، وأيضًا غير قادر أن أصبح جزءًا من برلين، حيث أقضي نصف وقتي. لم أتخيل نفسي أبدًا كمخرج مهاجر يصنع أفلام في الخارج أو عن أي مكان آخر، فلا أدري أين أقف الآن، وبأي صيغة أستمر.

في 2016 تزامن مهرجان القاهرة مع مهرجان «نانت» للقارات الثلاث، [الذي يقام بمدينة نانت الفرنسية] حيث فاز الفيلم بجائزتين، منهما الجائزة الكبرى للمهرجان. كنتُ قد اعتذرتُ عن التواجد في نانت لحضور مهرجان القاهرة، ولكن حين استُبعد الفيلم قررتُ الذهاب هربًا، وهناك كانت ردود الأفعال تجاه الفيلم أكبر من أحلامي، ولم أعلم إذا كان عليّ أن أفرح بذلك، أم أحزن أني أتلقى هذا الاستقبال في مدينة غير القاهرة، بينما الفيلم ممنوع في بلده.

المفارقة أن «نانت» و«القاهرة» كلاهما يحتفل بدورته الأربعين هذا العام، وكانت إدارة المهرجان الخاص بالقارات الثلاث قد اتصلت بي منذ عدة أشهر أثناء إعدادهم لكتاب عن السينما؛ ماهيتها ودورها في حياتنا، والذي يصدر احتفالًا بهذه الدورة، وطلبوا مني أن أكتب نصًا كي يضمّوه لذلك الكتاب مع نصوص لعدد من كبار النقاد وصُنّاع الأفلام في العالم. كتبتُ النص بالفعل، وأسميته «رسائل إلى فيلمي القادم». يوم 20 نوفمبر كان افتتاح المهرجانين، وكنتُ أنا في برلين أشاهد الأخبار تتوافد من المدينتين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأفكر في علاقتي بكل منهما، ومرة أخرى استحوذ عليّ ذلك الشعور الغريب: مهرجان في مدينة لا أتكلم لغتها يحتفي بعملي، ومهرجان مدينتي لا يجمعني به أي شيء.

لكي أكون صادقًا، فعلاقتي صارت مرتبكة بالفيلم نفسه: هل هو إنجاز في مسيرتي كصانع أفلام، أم هو لعنة سوف أدفع ثمنها طوال ما تبقى من عمري؟ أنا أعتبر أن أكبر تحدي لأي صانع أفلام هو أن يحافظ على فيلمه من «الاختطاف»، سواء من قِبل السلطات أو الممولين أو غيرهم، ورحلة صناعة أي فيلم بقدر مُرضي من الاستقلالية رحلة مرهقة جدًا دون إضافة أي عوامل أخرى. وأنا الآن أفكر في استقلاليتي كمخرج؛ استقلاليتي أولًا من مشاعر الخوف المرتبطة بتجربتي السابقة. لا أعرف كيف أفكر في مشروع جديد دون فرض رقابة ذاتية على نفسي بعد كل ما حدث. لا أريد أن أصنع أفلام تُمنع مرة تلو الأخرى. أنا لستُ مناضلًا في نهاية الأمر، أنا مجرد صانع أفلام، أريد أن يتمّ التلاؤم بيني وبين محيطي، ولكني أريد أيضًا أن أظل مخلصًا إلى ذاتي. وفي أحيان أخرى أسأل نفسي: «لماذا يجب أن أصنع فيلمًا آخر أصلًا؟».. وأنا أظن أنه سؤال مفيد في كل الأحوال.

*[في رواية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم كانت الجملة هكذا: «كان من واجبي ألا أقف أمامكم، وإنما أن أقف ضدكم»]

28 ديسمبر 2005- روما

لماذا أريد أن أصنع فيلمًا؟
لأني أريد أن أفهم علاقتي بالقاهرة، المدينة التي صنعتني**.

26 يناير 2006- القاهرة
لماذا أريد أن أصنع فيلمًا؟
لأن صناعة الأفلام هي اشتباك مع الحياة، محاولة لفهم الإطار الذي نعيش فيه، وبحث عن تحديات جديدة داخل اللغة**.

8 أبريل 2010 – القاهرة
لماذا أريد أن أصنع فيلمًا؟
لأن عذاب ألا أصنع فيلمًا أشد من عذاب صناعته**.

**من «رسائل إلى فيلمي القادم»، اقتباسات من نص تامر السعيد، المنشور في كتاب «القارات الأخرى: تنقلات السينما المعاصرة»، الذي نشره مهرجان «نانت» في دورة عام 2018

اعلان
 
 
ياسمين زهدي