صراع «المالية» و«البنوك» على عوائد أذون الخزانة.. البقاء للأقوى
 
 
فرع بنك القاهرة في سيوة
 

لم تتوصل المفاوضات القائمة بين ممثلي البنوك العاملة في السوق المصري وبين وزارة المالية إلى حل يرضي الطرفين بخصوص طريقة تحصيل الضرائب على أذون الخزانة، التي وافق مجلس الوزراء على تعديلها الأسبوع الماضي، تمهيدا ﻹرسالها للبرلمان.

فلم يسفر الاجتماع بين اتحاد البنوك المصرية، وممثلي عدد من البنوك، وبين مسئولي وزارة المالية أمس، الأربعاء، عن جديد بحسب ما أكده مصدر مطلع على المفاوضات لـ «مدى مصر».

وتعترض البنوك العاملة في السوق، التي تستثمر أكثر من ثلث أصولها في أدوات الدين الحكومي، وعلى رأسها أذون الخزانة [وهي أوراق مالية تقترض الحكومة بموجبها لفترة لا تزيد على سنة مقابل فائدة محددة]، على التعديل الذي أدخلته وزارة المالية، 21 نوفمبر الجاري، على قانون الضرائب على الدخل، والذي يفصل ضرائب أذون وسندات الخزانة التي تستثمر فيها البنوك في وعاء منفصل عن الضرائب عن باقي استثمارتها، لتخوفها من تأثيره على أرباحها.

ورغم تأكيد وزير المالية محمد معيط في أكثر من تصريح صحفي على أن هذه التعديلات تمت بالاتفاق مع البنك المركزي، إلا أن القطاع المصرفي اعترض عليها، وعقد اجتماعات مكثفة خلال الأيام الماضية مع ممثلى وزارة المالية ومصلحة الضرائب للتفاوض حولها، وأسفرت الجولات الأولى من المفاوضات عن إحراز هدف لصالح البنوك حيث تراجعت المالية عن تطبيق التعديلات بأثر رجعي، مكتفية بتطبيقها على الإصدارات الجديدة من الأذون والسندات.

تسعى وزارة المالية من خلال هذا التعديل لزيادة إيراداتها من الضرائب بما يساعدها على تحقيق هدف تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة.

وتوجه البنوك نسبة كبيرة من استثماراتها إلى أذون وسندات الخزانة، لأن معدل المخاطرة في هذا الاستثمار صفر تقريبًا مقارنة بباقي الأنشطة الاستثمارية، لذلك ترى سلمى حسين، الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن وزارة المالية «تخوض معركة صحيحة و هامة»، متوقعة أن تسهم هذه التعديلات في تنشيط البنوك لاستثمار أموال المودعين في الأنشطة المصرفية الأصلية، والتي تخدم المجالات الإنتاجية وتنشط السوق.

وتؤكد أحدث بيانات البنك المركزي المصري أن إجمالي محفظة الأوراق المالية لدى البنوك تبلغ نحو 1.7 تريليون جنيه، منها 1.6 تريليون مستثمرة في أوراق مالية حكومية، والباقي لقطاعي الأعمال العام و الخاص والعالم الخارجي، أما الإقراض  المصرفي غير الحكومي فبلغ 1.1 تريليون جنيه، مقسمة على مختلف القطاعات الاقتصادية، الصناعي، والزراعي، والخدمي، والتجاري، والعائلي، بحسب النشرة الإحصائية للمركزي لشهر أكتوبر الماضي.

وترى سلمى حسين أن الخلاف الذي ظهر خلال الأيام الماضية بين البنوك و«المالية»، بمناسبة التعديل الخاص بالضرائب، ترجع أصوله إلى سبتمبر الماضي حينما طرحت «المالية» أكثر من طرح لأذون خزانة بسعر فائدة منخفض نسبيًا، رغبة منها في تقليل أعباء خدمة الدين الداخلي و تخفيض عجز الموازنة بالتبعية. لكن لم تتمّ تغطية الطروحات من قِبل البنوك بالشكل المطلوب، و هو ما دفع الوزارة لإلغاء أربعة طروحات متتالية بسبب ارتفاع سعر الفائدة الذي طلبته البنوك، «لذلك خرجت التعديلات بهذه الصورة، لزيادة إيرادات الموازنة العامة»، بحسب سلمى التي أكدت لـ «مدى مصر» أنه من الطبيعي أن تقابل البنوك التعديلات بالمقاومة، نظرًا لما يحققه الاستثمار في أوراق الدين الحكومية لها من أرباح. لكنها استبعدت أن يتراجع الاستثمار البنكي في تلك الأوراق، حال تمرير التعديلات، وإنما توقعت الباحثة أن تسعى البنوك لتعويض أرباحها من خلال تشغيل الودائع الراكدة لديها، موضحة أن نصف ودائع البنوك موظف، بينما النصف اﻵخر فراكد، لذا فمن المتوقع أن يتمّ تحريك الودائع الراكدة في أنشطة استثمارية بخلاف أدوات الدين، و هو ما يخدم الاقتصاد لأنه سيكون بمثابة ضخ استثمارات جديدة بالسوق.

وأوضحت سلمى حسين لـ «مدى مصر» أن المعركة بين المالية والبنوك سيتمّ حسمها لصالح الجهة التي ستقنع المستويات الأعلى في اتخاذ القرار بالدولة.

فيما أوضح مصدر بمصلحة الضرائب، فضّل عدم نشر اسمه، أن التعديلات الأخيرة لا تستحدث ضريبة جديدة ولا تغيّر في سعر الضريبة، وإنما تضيف توضيحًا لطريقة المحاسبة الضريبية الخاصة بالعوائد المتحققة من الاستثمار في أدوات الدين، مشيرًا إلى أن نصّ المادة 58 من قانون الضريبة على الدخل 91 لسنة 2005 يقول إنها ضريبة مستقطعة من المنبع، لكن عدم توضيح طريقة الاستقطاع يضيّع على الدولة كثير من الموارد.

وبحسب المصدر نفسه، فإن الضريبة يتمّ استقطاعها حاليًا من الأرباح السنوية للبنوك التي تضمّ كل أنشطتها واستثمارتها، بما فيها أرباحها من أدوات الدين العام، بينما تقضي التعديلات التي أدخلتها المالية بأن يتمّ فصل استثمارات البنوك في الأذون والسندات عن باقي الأنشطة المصرفية، واحتساب الضريبة عليها عن إصدارها، من المنبع، بالسعر الذي نصّ عليه قانون الضريبة على الدخل 91 لسنة 2005، والبالغ 20%. ثم تتمّ محاسبة البنوك على الأرباح المتحققة من الاستثمار في تلك الأدوات، بعد خصم الضريبة المقررة، في إطار الأرباح الصافية للبنك المتحققة من كل أنشطته، والتي تفرض عليها الضريبة العامة على الدخل بنسبة 22.5%.

وتستهدف موازنة العام المالي الجاري زيادة الضرائب على العوائد من أدوات الدين إلى 59.5 مليار جنيه، وفقًا لبيان الموازنة، في مقابل 39 مليار متوقعة في موازنة العام الماضي.

وتتخوف البنوك من تأثير تعديل طريقة المحاسبة الضريبية لاستثمارتها في أدوات الدين العام على أرباحها، وهي المخاوف التي ظهر أثرها بوضوح في تعاملات المستثمرين على أسهم البنوك بالبورصة خلال عدة أيام تالية لموافقة مجلس الوزراء على التعديلات المقترحة.

وقال صلاح حيدر، المحلل المالي لقطاع البنوك في شركة «بايونيرز» القابضة للاستثمارات المالية، لـ «مدى مصر» إن قطاع البنوك يواجه بشكل عام تحديين هامين الفترة المقبلة أحدهما يخص تعديلات قانون البنوك الجديد، المتوقع أن يشكّل مزيدًا من الضغوط على إدارات البنوك وعلى قوائمها المالية، والآخر يتمثل في التعديلات الخاصة بفصل إيرادات عوائد أذون وسندات الخزانة العامة فى وعاء مستقل عن باقى الإيرادات، والذي سيشكل عبئًا ضريبيًا على البنوك الأكثر استثمارًا في أذون الخزانة، وعلى رأسها البنوك الحكومية مثل «الأهلي» و«مصر».

وتوقع حيدر أن تبدأ القوائم المالية للبنوك بالتأثر مع نهاية 2019 وخلال 2020، خاصة بعد اتفاق البنوك مع الحكومة على عدم  تطبيق التعديلات بأثر رجعي، وهو ما سيتيح لها فرصة ﻹعادة تنظيم قوائمها المالية بشكل مناسب، لتعود إلى التوازن مرة أخرى. كما سيتوقف التأثير أيضًا على جولة المفاوضات بين البنوك، و«المالية»، و«الضرائب» بالإضافة الى مرونة البنوك في زيادة ربحيتها من أدواتها الاستثمارية الأخرى.

و رجح  حيدر أن البنوك و خاصة التجاري منها قد تتجه إلى تخفيض استثماراتها في أذون الخزانة والسندات إلى الحدود الدُنيا، أو المناسبة لها لتحقيق مستهدفتها  الربحية، وقد توجه تلك السيولة إلى قنوات استثمارية أخرى سواء اﻹقراض الائتماني أو غيره.

وتوقع محلل «بايونيرز» أن تلجأ البنوك لرفع  أسعار الفائدة المطلوبة على استثماراتها في أدوات الدين العام في المزادات المقبلة، لتعويض ما ستفقده من أرباح جراء التعامل بالطريقة المحاسبية الجديدة للضرائب.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل