الأزهر وتونس والمواريث: عض شرعي ولا تعض سلطاتي

منذ أن عرض الرئيس التونسي باجي السبسي مشروع قانون لمساواة المرأة في الميراث، ما لم يكتب المورث وصية بخلاف ذلك، وهناك حالة قلق واضطراب في مصر على عدة مستويات!

لا أفهم تحديدًا لماذا تضطرب المؤسسات الدينية، والتيارات الإسلامية، وبعض المواطنين من الشعب المتدين بطبعه، وبعض رواد شبكات التواصل الاجتماعي في مصر، حين تغير تونس أو تعدل أو تطرح أي قانون أيًا كان؟ حقيقة أن هناك بعض المصريات اللاتي استقبلن الخبر بسعادة وتنهدات ودعوات- غير منطقية بالمرة- بأن تكون العقبى لنا، لكن ذلك لا يجب أن يصل بالأمور إلى هذا الزخم، وهذه العصبية، وهذا التوتر الذي دفع بكاتب بيان هيئة كبار علماء الأزهر لأن يهدد بما قد تقدم عليه «الجماهير المسلمة المتمسكة بدينها» إذا استفزت.

حاول أن تقرأ بيان الأزهر الشريف على الرابط الثقيل الذي أرفقته أعلاه، لأن هناك تعليمات عليا بإزالة بيان الأزهر على ما يبدو من كل المواقع الإلكترونية المصرية!

هناك شيء ما غامض يحدث في الطابق العلوي، نحن هنا في البدروم، لا نفهمه؛ مجرد سماع طقطقات وخرفشات وأصوات أقدام على السلم. لكننا نشعر بقلق، مما قادنا، نحن سكان البدروم، إلى افتراضات ظنية، أوردت بسلم السوشال ميديا العام موارد التهلكة. وها نحن نطبق على رقاب بعضنا البعض الآن.

كانت تونس قد عرضت قبل ذلك مشروع مساواة المرأة في الميراث، وكان الأزهر قد أصدر بيانًا بشأنه في العام الماضي.

وكنا لا نفهم حقيقة ما شأننا نحن بتونس؟ فتونس تحظر تعدد الزوجات منذ عقود، تحظر الطلاق الشفهي والغيابي، تحظر ضرب الأب والأخ والزوج للمرأة وتعاقبهم بالحبس، أي ضرب من أي نوع، وليس بالضرورة أن تذهب المرأة مخروقة العين مجدوعة الأنف، لقسم الشرطة، حتى يتم تحرير محضر ضد من ضربها. هذا هو الحال في تونس منذ عقود طويلة، وهذا هو حالنا في مصر منذ عقود طويلة، ولم يحدث أن «كرف» أحدنا على الآخر.

لم نسمع بهبة الأزهر والمسلمين الشرفاء لأن تونس ينص قانونها على كل ما سبق! ومساواة المرأة في المواريث تطور طبيعي، بل إنه جاء متأخرًا جدًا، بالنسبة لدولة ينص دستورها على كونها دولة مدنية تقوم على المواطنة.

لن أفترض أن السادة في الطابق العلوي يربطون بين ما حدث في الربيع العربي وتأثر المصريين بثورة البوعزيزي وبين قانون المواريث! هم، بالتأكيد، أكثر حكمة من ذلك.

إذن ما القضية؟

ماذا يحدث؟ كان الأزهر قد عبر عن وجهة نظره، التي لم يطلبها أحد البتة، في بداية الأمر وانتهى. فلماذا يصدر بيانًا، لم تحالف الحنكة كاتبه، يعج بالتهديد والوعيد، والقرع على الطاولة، والزجر والنهر، ولم نفهم تحديدًا من المقصود بكل هذا الصراخ؟ هل نحن الجماهير المصرية المدنية العزلاء التي لا تحلم بأي شيء من أي نوع الآن؟ هل تونس التي لديها جامعة الزيتونة العريقة، وقد سبق أن أوضح مسؤولوها وبعض من مواطنيها ونخبتها، بتهذيب شديد، أنه «شكرا على النصيحة… جامعة الزيتونة موجودة، وإذا احتجنا لمشورة دينية سنلجأ إليها»؟ ورجاء قبل أن تطفو الشوفينية المصرية على السطح اقرأ عن جامعة الزيتونة الأقدم في العالم الإسلامي والسابقة على تأسيس الأزهر الشريف.

ثم لماذا بعد أن تقوم المواقع المصرية بنشر بيان الأزهر، تأتي أوامر عليا بإزالة البيان منها؟!

يا جماعة لو شايفين أن الخناقة بينكم بتكبر وإحنا حنتفعص في النص قولوا لنا!

يتلخص بيان الأزهر في النقاط التالية:
– نحن حراس العقيدة.
– سلطاتنا لا تحدها حدود جغرافية.
– المساواة بين المرأة والرجل في المواريث حرام لأن المسألة ينظمها نص واضح من القرآن.
– لا يحق لكائن من كان أن يعترض على كلامنا، ولن نصمت، ولا يحق لأحد أن يقول لنا لا دخل لكم.
– لا اجتهاد مع النص.. أما في حال غياب نص، فهناك اجتهاد نقوم به نحن فقط، لأننا متخصصون، مش كل من هب ودب يرغي.
– نحن ننصحكم الآن قبل أن تستفز الجماهير الإسلامية وتعرض بلادكم للخطر وعدم الاستقرار.

كان لابد من الإبقاء على نص البيان على المواقع، ومن لديه رد فليرد. أما أن يقمع البيان بهذا الشكل المضحك بعد أن انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تحتفظ به بوابة الأزهر على موقعها، فهذا يعرضنا نحن ساكني البدروم إلى فغر الأفواه اندهاشًا والسماح للذباب بالدخول إليها بكل ترحاب.

على أية حال، بوصفي مواطنة من قاطني البدروم، أود أن أدلي بدلوي، ولن أتحدث فيما لا يعنيني، أو فيما لا أعلم.

أنا لا أعلم حراس للعقيدة، ولا أظن أن هناك شخصًا أو جهة لا يرد قوله. (تتفاخر المؤسسة التي تقول بأن قولها لا يرد بقول الإمام مالك: «كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب الروضة»، وقول الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، وتردد  على مسامع الناس: لا إكراه في الدين.. وكلام كتير من الحلويات ده). ولا أفهم جهة لها صلاحية التدخل في شأن الجميع في أي بقعة من بقاع الأرض! للجميع حق التعبير عن رأيه، و«إذا قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم».

أما الخوف من التأثير على مصر، فلا أعلم من أين جاء؟ سأتحدث عن واقع الحال في مصر، ولن أتحدث في الشق الفقهي لإنه ليس تخصصي.

واقع الحال في مصر أن المواريث والأحوال الشخصية تكاد تكون هي المنطقة الوحيدة التي تطبق رؤية الأزهر الشريف لما يسمى بالشريعة الإسلامية، إلى جانب قانون الحسبة. بخلاف ذلك فقانون مصر الجنائي مثلاً، قانون مدني في معظمه، لا يقطع يد السارق، ولا يرجم الزاني، ولا يجلد الخائض في الأعراض الذي لم يأت بأربعة شهود.

حتى مواد الحسبة وازدراء الأديان تعاقب بالحبس والغرامة أو التفريق بين الزوجين كما حدث مع الدكتور نصر حامد أبو زيد، رحمه الله، لا الجلد ولا الاستتابة ولا القتل ولا تقطيع الأوصال من خلاف.

حسنًا، لن أتساءل لماذا لم يغضب الأزهر ويصدر بيانًا شديد اللهجة لإغفال نصوص الشريعة في أغلب القوانين المصرية، بينما ثار ثورته لتخطي نصوص الشريعة في بلد آخر فيما يتعلق بالمواريث تحديدًا، ولم يعقب مثلا على حظر تعدد الزوجات في نفس البلد.

لكن الرسالة التي وصلتني من بيان الأزهر هو أن الأمر متعلق بالسلطات والهيمنة، وليس له أي دخل بالغيرة على شرع الله.

يعز علي أن أقول هذا، لكنني لم أفهم سوى ذلك.

الواقع المعاش في مصر هو أن قانون المواريث المطابق للشريعة بزعم المؤيدين له يكاد لا يطبق البتة. الغالبية العظمى في مصر تتحايل على هذا القانون، وفقًا لظروف كل مجتمع، وكل طبقة اجتماعية، بل وكل أسرة. بل إن الشرع نفسه، وحسب معلوماتي الضعيفة، يفتح المجال للتحايل على هذا القانون عبر الهبة، والهدية، والوصية، وخلافه. دعنا لا نقل تحايل، فلنقل مرونة. حلوة الصيغة دي؟

لن أناقش النقطة المثارة في البيان والتي تقول بأن نصوص المواريث منبلجة كانبلاج الصباح، لكنني في عجالة أود أن ألفت الانتباه إلى أن هناك خلافات فقهية بين المذاهب في تقسيم المواريث، مثل الخلاف في توريث العم في حال عدم وجود أولاد ذكور، والخلاف في تفسير كلمة «الولد» هل تعني الذرية أم تعني الذكر.

ما علينا.

شيء مثير للحيرة حقًا أن أرى المواطنين الغيورين على دين الله وشرع الله، وأعرف منهم بشكل شخصي من خالف تقسيم المواريث الشرعي، إما بمحاباة الابنة أو في الأغلب بظلمها. وأعرف منهم من ترفض تعدد الزوجات لنفسها وبناتها وترفض حظره قانونًا. وأعرف منهم من طلق ابنته من زوجها لإنه «استخدم حقه الشرعي» وضربها. وأعرف منهم من أساءت إليه زوجته بالغ الإساءة وأشير عليه أن يطلبها في الطاعة فاستهجن ذلك وأبدى اشمئزازه من النصيحة، بل رفض أن يطلقها غيابيا أو بدون علمها، لإن «ولاد الأصول ما يعملوش كده». لكن إلغاء الطاعة والطلاق الغيابي قانون بالنسبة له دونه الرقاب!

الحقيقة أن هناك قانون مواريث في مصر غير مفعل، وعرف مواريث مفعل.

في بعض القرى في الصعيد وبحري، وربما في المدن أيضًا، من يحرم النساء ميراثها، ومنهم من يكتب كل الأملاك باسم الأخ الأكبر ويكون الأخ الأكبر هو القيم على هذه الأموال، شريطة أن يلبي طلب إخوته، ذكورًا وإناثًا، كلما احتاجوا للمال في حال ما ارتأى هو أن هذا المطلب في صالح الأخ أو الأخت.

هناك من يخاف على ابنته الغبن، فيكتب لها نصيبًا أكبر من أخوتها الذكور، أو لحمايتها من أعمامها أو أبناء عمومتها.

هناك عرف مصري سارِ في جل البيوت: مصاغ الأم للبنات لا يشاركهن فيه الذكور.

كما أن هناك عرفًا في الطبقة المتوسطة العليا المدنية يقضي بأن الأعمام وأبناء العمومة عادة ما يكتبون تنازلًا عن حقهم في الميراث لبنات أخيهم أو بنات عمهم، ومن يفعل ذلك عادة ما يقال عنه «ابن أصول وعينه مليانة ومتربي». أحيانا لا يكتب الأعمام أو أبناء العمومة هذا التنازل، فينظر إليهم اجتماعيًا من قبل كل المواطنين «حراس العقيدة» على أنهم «عالم واطية قوي… داخل مع بنات عمه اليتامى وأمهم الأرملة في الورث وما رضيش يكتب تنازل.. إخصصصصص».

نعم، هذا رأي العرف والمجتمع في بعض الطبقات الاجتماعية في مصر، وهناك أراء أخرى كما ذكرت آنفًا، بأن حرمان المرأة من ميراثها هو حماية لها من زوجها: ألا بعدين ياكل مالها ويروح يتجوز عليها.. لو عازت حاجة أديها عينيا.

الخلاصة أن واقع الحال مخالف للخطاب السائد. مصر تطبق الشريعة الإسلامية قانونًا في المواريث، مصر لا تطبق الشريعة الإسلامية (وفق تفسيرها الحرفي) عرفًا في المواريث.

انتهى.

أما هذه الهبة غير العقلانية فهي ليست إلا ثورة من أجل الاحتفاظ بالسلطة والتميز والامتياز.

لا أعلم حقيقة ما هي معركة الأزهر الشريف ومع من لذلك لن أعلق عليها.

لكنني أعلم أن المنضمين لجيش «حراس العقيدة» من المواطنين الشرفاء الذين حملوا راية الشريعة مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعنيهم الشرع، ولكن يعنيهم الاحتفاظ بالتميز والسلطة: أنا ذكر، أنا مميز على المرأة وتزن قيمتي ضعفها، حتى وإن تنازلت لها عن نصيبي، حتى وإن حرمتها نصيبها، في النهاية، هذا تصرفي الشخصي، وهو مبني على تميزي عنها.

وإن علق أحدهم بأن هناك خائضات لهذه الحرب من النساء، ربما أشرس في تعبيرهم ودفاعهم من الرجال، أقول له بالعامية: ما هو كده بالضبط، عبد المنزل أحيانًا أكثر شراسة من سيده في الدفاع عن مصالح السيد.

اعلان