سياسة واشنطن في الشرق الأوسط بعد انتخابات الكونجرس: حضور كالغياب؟

بعكس حالة النشوة التي تتصاعد مع وصول غالبية ديمقراطية لمجلس النواب الأمريكي، وآمال بأن يشكل ذلك حدًا على شعبوية ترامب، يغالبني، وبعكس السائد الآن، شعورٌ بالتشاؤم بشأن ما سيتمخض عنه الحال على الساحة الشرق أوسطية. وهو تشاؤم يبدأ من نقطة التفاؤل ذاتها، أي معركة تكسير العظام المتوقعة بين ترامب وحزبه الجمهوري من جهة وبين الأغلبية الجديدة الديمقراطية من جهة أخرى. فتلك المعركة التي يضع عليها بعض مراقبي المنطقة أملًا في أن تسفر عن تحول في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، تتجاهل في رأيي توقعًا أقوى بأن جل الاهتمام سيتركز على الملفات الشخصية للرئيس.

وسواء في اتهامه بالاستعانة بالروس للتأثير على الانتخابات، أو في فساد تعاملاته الاقتصادية، وبعضها كان ملعبه الشرق الأوسط، فإنني أتوقع أن ينزوي ما يحدث خارج واشنطن، حتى إن لمحنا ظلالًا خارجية في خلال هذه المواجهات. وهو أمر يستوجب التمهل وترشيد التوقعات، واستحضار معطيات السياسة الواقعية لدى تصور سيناريوهات لما سيجري في المنطقة حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.

لا يمكن توقع أن تكون تلك المواجهة قصيرة؛ ستستغرق العام المقبل برمته، قبل أن ندلف إلى 2020، عام الترشح للانتخابات المقبلة، الذي سيكون أكثر قسوة ودرامية. لكن السؤال يختص بنا، بالمنطقة التي نعيش فيها، وليس ذلك الشرق الأوسط الحاضر في واشنطن. هل إن أفضى تسارع المواجهة بين الإدارة والنواب إلى نسف رئاسة ترامب من جذرها، واضطر تحت الضغوط إلى الاستقالة، أو تمكن الديمقراطيون من إحالته إلى إجراءات التوبيخ أمام الكونجرس، مجهضة أي أمل له في تجديد رئاسته، سيتغير شيء؟ هل ستتولد معطيات جديدة تمهد لتحول على ساحة الشرق الأوسط من هناك؟ هذا سؤال مشروع، الإجابة عنه تحتاج بخلاف التأمل الواجب في معطيات اللحظة الراهنة تذكر تجارب سابقة كانت قد حملت ملامح مشابهة لما نراه اليوم.

إن تبعات الاستقطاب الحزبي في واشنطن ظلت سلبية في رأيي على الشرق الأوسط بعموم؛ وما يتردد اليوم على ألسنة عديد المراقبين، من أن بابًا لتغيير حقيقي حال انهزم ترامب وتراجعت خطواته سينفتح، لا يعدو في نظري نوعًا من التفكير بالأماني. فلا زال المجال محدودًا أمام حدوث تحولات حقيقية في بوصلات واشنطن، وهذه المواجهة الحادة المتوقعة لن تفسح في توقعي هامشًا معتبرًا في جدالات الكونجرس لقضايا المنطقة، بل يكاد يستحيل أن نتوقع فرض سياسة حاسمة، أو صدور قوانين تعدل اتجاه العلاقات بين «واشنطن» وبلدان المنطقة. إن ما يمكن رؤيته في هذا الضباب هو أن واشنطن -بانغماسها في استقطاباتها – ستؤثر الإبقاء على السياسات البيروقراطية المعتادة نحو المنطقة، ولا استثناء عن ذلك إلا إن خرجت الأمور عن السيطرة.

إن ذهبنا إلى قضية العرب الأولى (نظريًا)، قضية فلسطين، فهناك تكهن بانحسار قدرة ترامب على الدفع بتلك الصفقة الغامضة المعنونة بـ «صفقة القرن»، لكن الاحتمال العكسي له في رأينا ذات الوزن؛ الاحتمالان يتقاربان نسبيًا، فحول الأخير، قد يرى ترامب أن الموازن المتاح لتعديل موقفه في معركة تكسير العظام المتوقعة مع الكونجرس سيكون بالإسراع بخطوات في ملعب الشرق الأوسط، الذي يظن أنه يملك أوراقًا قوية فيه، ويملك كذلك القدرة على تحريك تلك الأوراق.. ربما يحاول ترامب أن يستعيد بعضًا من شعبيته المتدهورة، والادعاء أمام أنصاره، وهم ليسوا بالقليلين، بأنه متماسك وقوي وقادر على صنع معجزات خارج واشنطن. أما التوقع المأمول من بعض مراقبي المنطقة، والذي له نفس الدرجة من الاحتمالية، فقائم على أن قدرة ترامب على توظيف الصفقة والتعجيل بها تحتاج في النهاية إلى توافق حقيقي داخل المؤسسات الرئيسة في واشنطن، وهو التوافق الذي سيصعب التوصل إليه في ظل استقطاب حزبي حاد. ربما يعزز التوقع الأول أن أطرافًا عدة قد أوقفت حساباتها على تمرير هذه الصفقة. لا ننسى أن لـ «صفقة القرن»، بحسب ما تسرب عن أطرافها، مساهمين منتفعين ووكلاء متحمسين، بعضهم  داخل الولايات المتحدة ذاتها، كصهر الرئيس نفسه، جاريد كوشنر، ومن ورائه لوبي إسرائيلي يرى في اللحظة الراهنة مناخًا مواتيًا لتمريرها. وقبل هؤلاء بالطبع يقف نتانياهو، الذي أملى الصفقة ورسم حدودها التفاوضية، ويدفع بحماس في اتجاهها، فضلا عن نخب عربية صاعدة، تؤمن بأن الدعم الأميركي لها مشروط بالقبول بهذه الصفقة، وأبرزها نخبة الحكم الجديدة في مصر وفي السعودية. لكن كذلك قد يرى معارضي هذه الأطراف فرصة كبيرة في الدفع جهة اجهاض هذه الصفقة، وفتح المواجهة بشأنها على مصراعيها!

أما على جبهة سوريا، فيظل من العسير توقع حدوث تغيير ذي جدوى. وحتى إن ازدادت رغبة ترامب في الضغط على الأسد، وقرر الاستجابة لأصوات داخل حزبه لا زالت تطالب بالمزيد من الضغوط على دمشق، أو وجد في خطوة كهذه بابًا للفت الأنظار عن التحقيق معه، تبقى فاعلية خطوة كهذه رهنًا بقدرة واشنطن على إثبات حضورها الفاعل، وتحريك أدواتها بشكل متكاثف، ضمن تحالف غربي متوافق حول رؤاها. وهو حال سيعطله انقسام المؤسسات في ظل حدة الاستقطاب الحزبي في واشنطن، وكذلك تذبذب العلاقات الماثل بين ترامب وبين حلفائه من قادة أوروبا. سيظل الرقم الأمريكي يضعف سواء في معادلة السلام السورية، وعمليتها العقيمة المعطلة في كل من سوتشي والأستانة وجنيف، أو في وقف تغلغل النفوذ الروسي، أو تقويض حكم الأسد.

ربما، على سبيل الاستثناء من مجمل قضايا المنطقة، تبرز قضية اليمن لتجد لها مكانًا بارزًا على أجندة الكونجرس الخارجية. وهي قضية ليست بعيدة عنها قضية الصحفي السعودي المغدور جمال خاشقجي، التي يوجد لها وكيل راغب في إدانة النظام الحاكم في السعودية، متمثل في الاتجاه الرئيسي للصحافة، وتبقى بابًا حقيقيًا للإزعاج، خصوصًا وأن مواقف ترامب فيها قفز على المؤسسات الاستخبارية وتوصياتها، لتنحاز للرياض بشكل يعيد طرح السؤال عن إن كان ترامب يدافع بالفعل عن المصالح الأميركية، وصفقات سلاح ضخمة تحرك صناعة السلاح الأمريكية وتخلق آلاف الوظائف، حسب ما يزعم، كما أن انحيازه مدفوع بمصالحه الخاصة وبيزنسه هو وصهره.

وبخصوص إيران، فإن ارتباك واشنطن سيوهن الضغوط على طهران، ولن يكون بمقدور ترامب الاستمرار فيما كان يود ويعد من مواجهة جذرية. وقد رأينا كيف أن انكماشًا من هذا النوع، في عهد أوباما المتردد، قد زاد من قدرة إيران على المناورة، ودفع سعيها لتعزيز مواقع نفوذها في العالم العربي. والحال لا يختلف مع قوى كتركيا وروسيا، النهمتين لنفوذ أكبر؛ فالغياب الأميركي سيعظم شهيتهما لاحتلال المزيد من المساحات والأدوار، على حساب الدور الأميركي المتراجع، وبما يصب في جانب استدامة استقطابات كالتي نراها في شمالي سوريا.

في مقابل هذه القوى، يبدو المتضرر الأكبر من الاستقطاب الحزبي في واشنطن هو السعودية؛ النقد لها يصل لحدود غير مسبوقة، ويلامس نقطة حرجة، قد تغير التوافقات التاريخية منذ اتفاق كوينسي 1945، والتي تجعل من المملكة الحليف شرق الأوسطي الأول لواشنطن، أو الثاني بعد إٍسرائيل، والمتحكم بمصلحتها الأولى في المنطقة، البترول. هذا النقد لا مجال للسعودية لوقفه أو الحد منه، خصوصا وأن بقاء محمد بن سلمان مكللًا بتهمة قتل معارض يعمل كاتبًا صحفيًا في إحدى كبريات الصحف الأمريكية قد بات يكسر توافقًا حزبيًا واقعيًا حول أولوية العلاقة مع السعودية ومركزيتها بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة. ويظل انحسار التأييد الأميركي لمغامرة اليمن الأكثر توقعًا، إذ يكاد يستحيل على السعوديين أن يجدوا من يؤيد استمرار تلك الحرب، حتى بين صقور الحزب الجمهوري، ولوبي السلاح، أو لدى ترامب نفسه بقدر ما.

يلوح ترامب كثيرا بأولوية مصالح تجارة السلاح على ما عداها، فهل حقا سيؤثر هذا الاستهداف الحاد للعلاقة الأميركية بالسعودية في صفقات السلاح؟ وهل ستنحسر قدرة لوبيها المتغلغل في أروقة الإدارة وفي الأحزاب، على تمرير المبيعات الضخمة لصالح السعودية، والحد من انتقاد سياساتها. صحيح بدأت نذر تشي بتوجه مجلس الشيوخ، المخول بالموافقة على صفقات السلاح التي تعقدها الإدارة الأميركية، نحو مناقشة مقترحات بتعطيل بعض صفقات السلاح أو منعها؟ لكن هذا الأمر تحديدًا تكرر خلال السنوات الماضية، وبقيت الصفقات تمر من مجلس الشيوخ بغالبية واضحة. وفي ظل سيطرة جمهورية على المجلس، لم تزل قائمة، من الصعب توقع منع تمرير الصفقات. وصحيح يستطيع مجلس النواب التدخل للضغط على السعودية، من خلال أدوات التحقيق والاستماع، بل وإصدار قوانين بمنع اجراء الصفقات كنمط عقابي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فلوبي السلاح بالغ القوة، وله تأثيره حتى في الأوساط الديمقراطية. ولا ننسى أن أكبر صفقات بيع السلاح للسعودية في تاريخ الولايات المتحدة عقدها أوباما، وحتى قراره منع تصدير الأسلحة دقيقة التوجيه إلى الرياض ظل رمزيًا لحد بعيد.

في ضوء هذا، لن يمنع تصاعد النقد للسعودية في ضوء قضية خاشقجي، وتصاعد الرفض لمغامرة اليمن، أن نشهد مواجهات من هذا النوع تندلع بين الفينة والأخرى في الكونجرس، خصوصًا في مواسم التصديق على الصفقات والموافقة على الميزانية الدفاعية، لكن المحك في الأمر هو جدية النقد، وأن تتسم مواقف الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب بالتحول من النقد العالي إلى سياسة ضغط حقيقية. والخشية أنه حتى وإن جرى هذا التحول – ضعيف الاحتمال في نظرنا-، فستظل فاعليته متوقفة على حدوث تحول مؤسسي حقيقي في واشنطن. إن أدركت النخبة المتحلقة حول بن سلمان أن أجواء الشقاق في واشنطن تفرغ الضغوط عليهم من معناها، وتحولها إلى مجرد معارك كلامية، فستسعى إلى تعزيز قبضتها الداخلية أكثر، وبما قد يجعل التوقع بأن تدفع تداعيات قضية خاشقجي الولايات المتحدة لفرض تغيير في البلاط الملكي في الرياض مجرد تكهن باهت.

هذا جميعه لا يمكن معه توقع تحول مرتكز الاستقطاب الحزبي عن القضايا الداخلية، والتي ستستنزف طاقة الطرفين في الإدارة والكونجرس. نقول هذا على الرغم من حماس البعض لمسألة خروج نواب بارزين داعمين لديكتاتوريات الشرق الأوسط ودخول نواب لديهم موقف نقدي حاد لنوعية العلاقات الأميركية مع بلدان الشرق الأوسط. وجود الأخيرين في رأينا قد يغير من وتيرة الضغوط على بعض النظم كنظامي السيسي، أو محمد بن سلمان، لكن بغير عنصر حسم لن يعدل اتجاه اللعبة. ونقصد بعنصر حسم أن تطرح مشروعات داخل الكونجرس تفرض قيدًا على حركة الإدارة وتلزمها بتعديل سياستها.

ربما يقفز في وجوهنا التساؤل التقليدي: هل يفتح الغياب الأميركي عن المنطقة، في هذه اللحظة المرتبكة، صندوق البنادورة شرق الأوسطية، ليتفاجأ العالم بتفجر للأوضاع يربك الوضع الدولي؟ وعلى وجاهة ظاهرة للسؤال، فالإجابة في رأيي وبصراحة أنه بذاته سؤال غير مجدٍ؛ فقد سمعنا التحذير من مثله مرارًا، وفي لحظات مشابهة، ولم يبرز جديد ينبه العالم لخطورة استمرار هذا الارتباك وتردي الأحوال. ولا مجال لأن ننسى أن الجديد الأكبر الذي عاشته المنطقة، وتفجر من داخلها في 2011، وأدهش وفاجأ الجميع، لم يستطع أن يعدل سياسات «واشنطن»  بشكل حقيقي. والمراقب يدرك كيف أن هذه المنطقة تعيش وضعًا عبثيًا متواصلًا منذ ربع قرن كامل، وكلما انفجر فيها الوضع، لا يعود العالم لتصحيحه، بل تتفجر مغامرات عابثة جديدة، لا يتحمل أحد المسؤولية عنها، بما في ذلك الولايات المتحدة، ثم يعود الوضع لهدوء والتفات وقبول باستمرار الحال، مع تهمة باتت محببة للنخب في البلدان الكبرى؛ هكذا هو الشرق الأوسط، وليس علينا أن نغير حقيقته!

معامل التغيير الوحيد الذي يمكنه أن يفرض على الجميع الانتباه، والتعامل الجدي مع تغيير الأوضاع في المنطقة، هو حركة الشعوب، والمحك هو أن تنتصر بقوتها الذاتية، وأن تنجح في فرض إرادتها، ومن ثم تضع الجميع إزاء هذه الإرادة، وشروط التعامل الجدي معها.

اعلان
 
 
عبده البرماوي