«ليل/ خارجي» في قاهرة ما بعد 2013
 
 
مشهد من فيلم ليل/ خارجي
 

تشهد الدورة الـ 40 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، العرض الأول لفيلم «ليل/ خارجي» (2018) للمخرج أحمد عبد الله السيد، ضمن مسابقته الرسمية، بعد عرضه في مهرجان «تورنتو» سبتمبر الماضي.

«ليل/ خارجي» هو الفيلم الروائي الطويل الخامس لعبد الله بعد «هليوبوليس»، و«ميكروفون»، و«فرش وغطا»، و«ديكور».

وفيه يتفقد عبدالله التفاوت الاجتماعي والطبقي في القاهرة عبر ثلاثة رفقاء يندر اجتماعهم، في حبكة قد تبدو وكأنها نكتة «مرة واحد..»، لكنها في الوقت ذاته صورة صادقة لمدينة تعاني.

تدور أحداث الفيلم على مدار 24 ساعة، حيث نتابع «مو» (كريم قاسم)، صانع أفلام محبط يكسب عيشه عن طريق العمل في الإعلانات بعد فشل فيلمه الأول. «مو» غير راضٍ عن الأعمال التجارية الصغيرة التي يخرجها، ولديه صديق مسجون بسبب نشر رواية «مليئة بالتجديف» (في إشارة للكاتب أحمد ناجي، الذي حُكم عليه بالحبس بتهمة خدش الحياء العام لمدة سنتين في فبراير 2016).

تسير حياة «مو» داخل الإطار المتوقع لفرد محكوم بحدود طبقته الاجتماعية، الشريحة العُليا للطبقة المتوسطة. يضطرب هذا الوضع المستقر حينما يجد نفسه في قلب موقف فوضوي، وفي مغامرة ليلية بعيدة عن محيطه الاجتماعي، بصحبة سائق يدعى مصطفى (شريف الدسوقي) وعاملة بالجنس التجاري تدعى «توتو» (مُنى هلا).

تجري أغلب أحداث الفيلم داخل الحدود الضيقة لتاكسي في القاهرة التي يشكل ركوب التاكسي فيها شرًا ضروريًا، يقدّم عبد الله التنميط المألوف لسائق التاكسي المزعج ليوضح الديناميكيات الطبقية المعقدة للمدينة. فمصطفى هو تجميعة نمطية لكل التمثيلات المتنوعة لسائقي التاكسي القاهريين؛ النصاب، والمنحرف، والثرثار، والفضولي، الذي يتكلم عن الأخلاق والتقوى، ويمثل السائق أغلبية محافظة اجتماعيًا عادة ما تسند إلى نفسها مهمة مراقبة الآداب العامة، ويمثل التاكسي وسيلته لانتقاد ما يراه انحلالًا في القاعدة الأخلاقية المصرية.

على سبيل المثال عندنا هذا المشهد المفصلي الذي يكشف الآراء المتبانية لأفراد من خلفيات طبقية مختلفة في القاهرة. فحينما يستمع مصطفى إلى «مو» وصديقته دينا (دنيا ماهر) وهما يتحدثان عن خطتهما للدفاع عن  سجن صديقهما بنشر تسجيلات لفنانين يدينون الأمر على الإنترنت، يقاطعهما لينصحهما بأن عليهما عوضًّا عن ذلك، استغلال نفوذهما الاجتماعي، لحماية الأخلاق العامة.

لكن التعليق الاجتماعي نافذ البصيرة ليس ميزة الفيلم الوحيدة. يستكشف «ليل/ خارجي»، دون أدائية أو عاطفية زائدة، السرديات المختلفة لثلاثة أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بروابط ليست مقحمة. كل شخصية معقّدة بطريقتها، يتجلّى هذا كأوضح ما يكون في أداء مُنى لشخصية توتو بذكاء وحساسية.

في جلسة الأسئلة التي أعقبت عرض الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي، تحدّث عبدالله عن اهتمامه المستمر منذ زمن بصنع فيلم من وجهة نظر امرأة. مهمة قال إنها أثبتت أنها أكثر تعقيدًا مما تخيّل بداية الأمر. «لا أعتقد أن باستطاعتي أبدًا، أبدًا، أبدًا، نقل وجهة نظر حقيقية لامرأة في القاهرة في أفلامي. لن أشعر أبدًا بذات التوتر، لن أشعر أبدًا بما تمرّ به كل يوم. لكن ما أستطيع فعله، ما قررت فعله، هو تخصيص أفلامي المُقبلة لسرد حكايات عن نساء». وفي إطار ذلك، ذكر عبد الله المخرج يسري نصرالله كمصدر لإلهامه، حيث قال نصر الله ذات مرة، طبقًا لعبدالله، إن «السينما المصرية ماتت لأنها توقفت عن حكي قصص النساء».. ولهذا فلدينا توتو.

أداء مُنى هلا المركب للشخصية، جريئة وعدوانية في أوقات، ذكية وحساسة في أوقات أخرى، يجعلها بمثابة قلب الفيلم.

يصور الفيلم الجنس التجاري بشكل يعفي توتو من التنميط الذي يحول عاملاته من شخصيات حيّة إلى قصص تحذيرية وموضوع للخلاص. في الواقع فإن طبيعة عمل توتو وذكاءها يغذيان علاقاتها كما يمكن أن نرى في تفاعلاتها مع الرجلين في الفيلم. وعبر عملها شحذت قدرتها على تلمس أمزجة الرجال في مجتمع يضمن حقهم الطبيعي في ممارسة العنف.

حينما تنهال يد مصطفى على وجهها بصفعة حازمة، مفاجئة بقدر ما هي عادية، لا تنطق بكلمة. لاحقًا، في الضوء الخافت لحمام المطعم الصغير، نرى أن حركاتها ناعمة ومتأنية. فتشع أناقة وهي تعيد طلاء شفتيها بتركيز متمرس يكاد يكون غير واعٍ، بينما تنشج قليلًا.

علاوة على ذلك، فهي الشخصية الوحيدة التي تسائل دوافع مو. إن كان هو كما يدعي، وهو صانع أفلام متخرج من الجامعة الأمريكية في القاهرة، رجل يمنحه وضعه الطبقي القدرة على التحرك الاجتماعي، فلماذا يختار قضاء ليلته مع «عاهرة» وسائق تاكسي؟ تتهمه بالتنقيب عن محتوى لفيلمه المقبل، ونحن نفكر في ذلك للحظة. تظهر توتو كامرأة مصممة على ممارسة حقها في الاختيار في مدينة مصممة على أن تحبطها، مصرةً على أن تكون فاعلة في حكايتها الخاصة.

للحفاظ على إيقاع الفيلم ومصداقيته يستلهم عبدالله أفلام الثمانينيات لمخرجي الواقعية الجديدة المصريين مثل محمد خان وعاطف الطيب لتوثيق القاهرة. استخدام الكاميرا المحمولة يمنح الفيلم شعورًا بالواقعية، إضافة لأن هذا الأسلوب يسمح له بتفادي العملية المملة للتقدم لاستخراج تصاريح التصوير في الشارع.

يمثل تعامل عبدالله مع المساحة في الفيلم نقدًا لانعدامها الحرفي والمجازي في القاهرة. المساحة الشخصية والمادية متاحة لطبقات معينة فقط ولكن ليس للآخرين. باستخدام سردية كبرى لإثبات هذه النقطة، يستخدم عبدالله خط «فيلم-داخل-الفيلم» حيث يجاهد بطله، لصنع فيلم عن مسافر يحلم بالهرب – حالة لصيقة بالتجربة المصرية كما يؤوِّلها عبدالله.

لكن الهرب ليس اختيارًا لكل شخصيات الفيلم. هناك عوائق ظاهرة تفصل المناطق المحرومة اقتصاديًا مثل «الحدايق» –حيث يسكن مصطفى وتجري أغلب أحداث الفيلم- بعيدًا عن منطقة أمان مو في المعادي. أي محاولة لتحدي هذه العوائق يتمّ اعتبارها محاولة لتحويل النظام إلى فوضى. حينما تبدأ شخصيات الفيلم في رحلة مدفوعة بالكحول والمخدرات سويًا على سبيل المثال، ينتهي بهم الحال في السجن، فقط لتنقذهم علاقات مو – إن أراد اللجوء إليهم. في السياق الاجتماعي المصور في الفيلم، هذا المزيج من الطبقات يكاد يبدو وكأنه «تابو»، وهو أمر يهاجمه عبدالله بطرافة وصدق وصرامة فكرية.

يأخذ «ليل/ خارجي» منحنى حادًا بعيدًا عن النقد السياسي المكتوم في السينما المصرية المعاصرة ليستكشف المتناقضات المجتمعية التي تدفع بالبلاد إلى الخلل السياسي/ الاجتماعي، في أحد أصدق الصور عن مصر ما بعد 2013 حتى الآن، يفكك أحمد عبدالله الثنائية الأخلاقية للفضيلة والرذيلة ليجري حوارًا مركبًا حول الطبقة والجندر.

اعلان
 
 
نورهان هشام