أن نكون «قانونيين»: عن قرار تقدمنا لـ «اﻷعلى للإعلام» بطلب ترخيص
 
 

قبل ساعات من نهاية يوم الخميس 18 أكتوبر، قرأنا على شبكات التواصل الاجتماعي أن المجلس اﻷعلى لتنظيم الإعلام، فتح الباب أمام المواقع الإلكترونية الراغبة في تقنين أوضاعها مع قانون تنظيم الصحافة واﻹعلام رقم 180 لسنة 2018. وذلك خلال مهلة مدتها أسبوعين. أرسل أحد الزملاء الخبر عبر إحدى قنوات التواصل الخاصة بفريقنا، وكتب -مازحًا: «النهاية».

لكن، وﻷننا جادون بقدر ما نحب أن نضحك، سارعنا خلال اﻷسبوعين التاليين لجمع متطلبات التقديم. وذهبنا عدة مرات إلى المجلس للاستفسار عن عدة نقاط مربكة: ما هو التعريف الذي يحدده القانون وينطبق علينا؟ هل نحن صحيفة إلكترونية؟، أم موقع إلكتروني؟، أم وسيلة إعلام إلكتروني؟، ماذا إذا لم تكفِ المهلة القصيرة والمفاجئة لتحقيق كل المتطلبات التي يحددها القانون؟ لماذا يحدث كل هذا دون إصدار لائحة تنفيذية للقانون تمثل دليلًا لكيفية تنفيذه، وهي اللائحة التي حدد القانون إصدارها خلال ثلاثة شهور منذ إقراره في أغسطس الماضي؟

نتيجة لاستفسارنا المستمر، أقنعنا أحد العاملين في مجلس اﻷعلى للإعلام أن هناك فرق ما بين التقنين وتوفيق الأوضاع؛ اﻷول يخاطب المواقع ذات الوجود القانوني والتي تحتاج ترخيصًا فقط، فيما يخاطب الثاني المواقع التي ليس لها وضع قانوني، كخطوة تسبق خوضهم عملية الترخيص. حتى اﻵن لم نعلم إن كان علينا أن نقنن أم نوفق أوضاعنا.

وماذا عن الحجب؟

حُجب موقعنا منذ مايو 2017، إلى جانب مئات المواقع اﻷخرى في مصر. لم يوقفنا هذا أبدًا عن العمل، لكننا مع هذا لم نتمكن، وطوال عام ونصف، من تحديد أساس قانوني لهذا الحجب يمكّننا من الطعن عليه. فضلًا عن أن كافة اﻷطراف التي اختصمناها، متضمنة: رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز المخابرات العامة، ووزير الداخلية، ورئيس المجلس اﻷعلى لتنظيم الإعلام، لم يكن لديها ما تقوله بشأن حجبنا.

انتهت رحلتنا طوال عام ونصف أمام القضاء إلى وضع مربك؛ حكم القاضي في سبتمبر بإحالة الدعوى إلى المراجعة التقنية عبر لجنة من خبراء وزارة العدل.

حين سألت إحدى صحفياتنا عضوًا بالمجلس اﻷعلى للإعلام، قال لها صراحة: «الموقع المحجوب يقدم ليه طالما إنه محجوب؟»، قبل أن يمنحها إجابة أكثر رسمية: «الموقع المحجوب يقدم للترخيص عادي ويدفع الرسوم، وياخد الترخيص، وبعدها نعرف مين المسؤول عن حجبه، وسبب الحجب من المجلس الأعلى لتنظيم الاتصالات ومن الأجهزة المسؤولة».

مع كل هذه الشكوك والالتباسات، والتي لا تشجع على تنفيذ قوانين تهمشنا بالأساس، قمنا أخيرًا بتسليم ملف التقديم: استمارة توضح أعضاء الفريق والسياسة التحريرية ضمن أشياء أخرى، وإثبات رسمي لكوننا كيان قانوني برأس مال يبلغ 100 ألف جنيه، وصحيفة جنائية لرئيس التحرير، باﻹضافة إلى 50 ألف جنيه رسوم تقديم. قمنا بهذه الخطوة بعد التشاور مع مجموعة صغيرة من المواقع اﻹعلامية المستقلة الشبيهة، والتي أخذ بعضها الخطوة نفسها، بينما قرر آخرون إما تجاهل القرار أو التوقف عن العمل كلية.

إذًا لماذا قمنا بالتقديم؟

ﻷننا لم نزعم أبدًا أننا نقوم بأي شيء غير العمل الصحفي، وتحديدًا صناعة اﻷخبار، في وقت نكاد لا نرى فيه هذا العمل يتم بشكل محترف وملتزم بمبادئ العدالة ومواجهة السلطة بالحقيقة. حين صدر قانون اﻹعلام، نقدنا في تغطيتنا التضييقات التي يفرضها على قدرة الصحفيين والمؤسسات اﻹعلامية على العمل بحرية. مع هذا اخترنا التسجيل داخل إطاره ﻷننا لا نزال نمتلك الكثير الذي نرغب في قوله، ولسنا مستعدين للتوقف بعد. وإن كان هذا يتطلب أن نصبح «قانونيين» في نظر الدولة، فإننا سنحاول أن نصبح هذا: قانونيين.

نعرف أن منح الدولة صفة قانونية لنا ربما يكون محض تفاؤل غير منطقي. نعتقد هذا بينما نتساءل باستمرار عن معنى أن نكون جذريين كليًا، ليس فقط على مستوى ما ننتجه في سياق يرغب في أن تخرس كلماتنا، ولكن أيضًا كيف ننتج أو ننظم أنفسنا في بيئة لا ترغب في الاعتراف بوجودنا في المقام اﻷول.

إن وافق المجلس على طلبنا ستكون هذه بداية جديدة لوجود معترف به، ولمعارك مستمرة كي نستكمل فعل ما نقوم به، ونحسِّنه. نعرف أنها لن تكون نهاية سعيدة لصراع طويل، وأن قيامنا بفعل صحفي حقيقي في سياق هذا القانون هو رهان يصعب ربحه. ولكننا مستعدون للمعركة.  

وإن لم يوافق، فإننا لن نعود إلى بيوتنا. نعد بمحاولة إعادة التجسد، وهو الأمر الذي سيكون مثيرًا بنفس قدر طريقة عملنا الحالية، إن لم يكن أكثر. عليكم متابعتنا لمزيد من التفاصيل.

اعلان