رغم محاولات التبرؤ منها.. «جزاءات الإعلام» ابن طبيعي لقانون غير شرعي

ما أن تداولت مواقع إلكترونية ومنصات السوشيال ميديا، نسخة مسربة من لائحة «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» للجزاءات الخاصة بمخالفات وسائل الإعلام والمستندة إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي وافق عليه البرلمان نهاية دور الانعقاد الماضي، حتى صرخ أهل المهنة عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي صالات تحرير الأخبار رافضين ما جاء من عقوبات في تلك النسخة المتداولة.

الثلاثاء الماضي، 20 نوفمبر 2018، نشر الموقع الرسمي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خبرًا بعنوان «شكاوى الأعلى للإعلام تنتهي من وضع مشروع لائحـة الجزاءات الخاصة بالمخالفات الإعلامية»، بعدها بساعات تمّ تسريب نسخة من اللائحة المزعومة، تتضمن 30 مادة، تتراوح العقوبات فيها ما بين الحجب والمنع والسحب المؤقت للتراخيص وغرامات مالية تصل في بعض المخالفات إلى 500 ألف جنيه، وهو ما يعني حرفيًا إسدال الستار على مهنة الصحافة مكتوبة ومسموعة ومرئية.

اللائحة المسربة تسببت في أزمة داخل المجلس الأعلى للإعلام بعد ردود فعل غاضبة طالت المجلس الذي يترأّسه نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد. وبحسب مصادر بالمجلس هدد بعض أعضائه بالاستقالة، احتجاجًا على المواد «الكارثية» التي تضمنتها اللائحة المسربة، كما دعا عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين إلى طرح قضية لائحة الجزاءات للنقاش خلال اجتماع مجلس النقابة المقبل.

أمام هذه الاعتراضات من داخل المجلس وخارجه سارع رئيسه وبعض الأعضاء للإعلان عن أن اللائحة التي تمّ تداولها لا تعبر إلا عن عضو بالمجلس صاغها كمقترح للعرض على اجتماع المجلس، في إشارة إلى جمال شوقي رئيس لجنة الشكاوى بالمجلس.

الغريب أن غضب الجماعة الصحفية والإعلامية طال اللائحة المسربة والتي لا تعدو كونها بالون اختبار لقياس ردود الفعل، وتناسى الجميع أن تلك اللائحة ما هي إلا نتاج طبيعي لقانون وصف بأنه غير شرعي ومخالف لمواد الدستور التي حظرت الرقابة على وسائل الإعلام إلا في زمن الحرب والتعبئة العامة، وهو قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي أطلق يد المجلس الأعلى للإعلام ومنحه سلطات غير مسبوقة لتقييد الصحافة وحصار حرية الرأي والتعبير.

فالقانون الذي صدّق عليه رئيس الجمهورية، مطلع سبتمبر الماضي، شرعن حالة الحصار التي تمارسها السلطة على الصحافة والإعلام في مصر في السنوات الثلاث الأخيرة بدون غطاء شرعي، ونقل صلاحيات الرقيب «المخفي»، إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ليمكنه من ممارسة نفس الدور تحت مظلة تشريعية، وقنن قرارات حجب المواقع التي تبرأ منها الجميع أمام منصات القضاء.

منحت مواد القانون رقم 180 لسنة 2018، المجلس الأعلى للإعلام ولـ«الاعتبارت التي يقتضيها الأمن القومي أن يمنع صحفًا أو مواد إعلامية من التداول»، بدعوى أنها «تتعرّض للأديان والمذاهب أو تكدر السلم العام أو تمارس نشاطًا معاديًا لمبادئ الديمقراطية، أو تحرض على الإباحية، أو تدعو للتعصب الجهوي..». وخوّلت تلك المواد للمجلس سلطة توقيع الجزاءات المناسبة على المخالفين، بما فيها إلغاء الترخيص أو وقف نشاط الموقع أو حجبه.

يعني ذلك عمليًا تقنين الإجراءات الاستثنائية التي يقوم بها الرقيب حاليًا خارج إطار القانون وإدراجها في تشريع يعطي الحق في ممارسة عمليات الرقابة والحجب لجهة ذات صلة واختصاص.

المادة 19 من القانون أعطت للمجلس ذات الصلاحيات في مواجهة «المواقع والمدونات والحسابات الشخصية متى بلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر، وله في سبيل ذلك أن يوقف أو يحجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه»، وهو الأمر الذي يقيّد مساحات التنفيس التي يلجأ إليها المصريون بعيدًا عن سلطة الأجهزة وتدخل الرقيب في وسائل الإعلام التقليدية، ولا يعلم أحد حتى هذه اللحظة كيف للمجلس أن يطبّق تلك المادة ويغلق، أو يحجب حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لشركات أجنبية.

أما المادة 94 من القانون، فمنحت المجلس الأعلى الحق في وضع «لائحة جزاءات وتدابير إدارية ومالية يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية والمؤسسات الصحفية القومية والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون، وإجراءات التظلم منها». وذلك دون الرجوع لأي جهة أخرى حتى لو كانت ذات صلة كنقابتي الصحفيين والإعلاميين.

وأجازت تلك المادة أن تتضمن هذه اللائحة:

  • إلزام المؤسسة أو الوسيلة بإزالة أسباب المخالفة خلال مدة محددة أو إزالتها على نفقتها.
  • توقيع الجزاءات المالية المنصوص عليها في حالة عدم الالتزام بشروط الترخيص.
  • منع نشر أو بثّ مادة إعلامية معينة لفترة محددة أو بصفة دائمة.

إذن فالواضح أن «الدودة في أصل الشجرة»، والأزمة في القانون الذي منح مجلسًا شبه حكومي صلاحيات مطلقة يمارسها على وسائل الإعلام المختلفة، تتضمن الحجب والمنع وتوقيع الجزاءات المالية. والغضب من اللائحة المسربة التي صاغها أحد أعضاء المجلس هو بكاء متأخر على اللبن المسكوب.

فالقانون صدر، دون أن تتحرك الجماعة الصحفية أو تعترض أو حتى تسجل موقفًا، واكتفت الأصوات التي تتعالى الآن لرفض اللائحة المسربة بالتصفيق لعدد من أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، بينهم أعضاء في مجلس النقابة، وهم يصرخون ويحذرون من عواقب قانون «إعدام الصحافة»، ويطالبون بـ«اصطفاف» عمومية الصحفيين لإعلان موقف يعرقل صدور القانون.

ورغم توالي الدعوات لاجتماع أصحاب الشأن في نقابة الصحفيين لتدارس الطُرق التي يمكن أن تواجه بها الجماعة الصحفية محاولات تمرير هذا القانون، إلا أن تلك الاجتماعات لم يحضرها سوى العشرات من الصحفيين الذين استشعروا الخطر حينها.

الآن وبعد أن أحدثت لائحة الجزاءات المسربة صدمة في الأوساط الصحفية والإعلامية، ينتظر البعض أن يُعاد النظر في قانون الصحافة والإعلام، أو أن يعيد البرلمان القانون للمناقشة لإدخال بعض التعديلات عليه على غرار ما سيجري في قانون الجمعيات الأهلية الذي طالته انتقادات دولية واسعة بعد تمريره قبل عام.

أما أنا فلا أتوقع أن يُعاد النظر في القانون المنظم للصحافة والإعلام، فالسلطة التي أممت معظم المنصات الإعلامية وشرعنت الرقابة والحجب، لن تتراجع عن الخطوات التي اتخذتها في سبيل إسكات أي صوت مخالف، ولن ترضى بأقل من إدخال المنظومة الإعلامية كلها في حظيرتها، خاصة وأنها لا تجد مَن يتصدى لهذه المحاولات بالجدية المطلوبة.

أما هؤلاء الحالمون المنتظرون لقرار يعرقل صدور لائحة أو يفتح الباب أمام تعديل تشريعي لقانون تنظيم الصحافة، فعليهم أن يهيئوا أنفسهم لانتظار طويل، فالسلطة لا تقدم هدايا مجانية ولا تحقق أحلام مَن يكتفي بالوقوف على ناصية مواقع التواصل الاجتماعي لإعلان الرفض أو الاحتجاج.

عندما أعاد نظام مبارك النظر في قانون «اغتيال الصحافة» عام 1995، أعاده بعد أن احتشدت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين وأعلنت عن رفضها للقانون، واستخدمت كل الوسائل المتاحة للاحتجاج، فحوّلت قاعات النقابة إلى كتلة نار، واستطاعت كسب تعاطف الرأي العام، فصارت قضية حرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة قضية كل مواطن يدرك قيمة حقه في المعرفة وحقه في إعلام حر يعبر عنه. وتحت الضغط، فقط، اضطر مبارك إلى التراجع.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ