ما بقي وما سيبقى من «ثورة 19» بعد 100 سنة

سيكون مفاجئًا أن نبدأ هذا المقال عن دور ثورة 1919 التأسيسي لمشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة في مصر، من عام 1967، الذى وقعت فيه الهزيمة العسكرية أمام إسرائيل، وجرى فيه احتلال شبه جزيرة سيناء، بعد 11 عامًا فقط من جلاء آخر جندي بريطاني عن الأراضي المصرية في يونيو 1956، وذلك ضمن هزيمة عربية شاملة أدت إلى احتلال إسرائيل لبقية فلسطين التاريخية، ولهضبة الجولان السورية.

كان من النتائج التي لا تعد ولا تحصى لهذه الهزيمة أن كسرت غرور نظام ضباط يوليو 1952 وقيادته؛ على المستوى الوطني المصري، وعلى مستوى المشروع القومي العربي، فلم يعد هؤلاء الضباط هم «الطلائع الثورية التي راح الشعب العظيم يلقنها أسرار أماله الكبرى»، التي لم تستطع ثورة 1919 تحقيقها لأسباب عددها ميثاق العمل الوطني الصادر عام 1962، بوصفه الوثيقة الجامعة لرؤية أو أيديولجية نظام الضباط، والذي اقتبسنا منه العبارة الواردة بين علامتي التنصيص أعلاه.

كان انكسار غرور نظام يوليو -وهذا تعبير استخدمه جمال عبد الناصر نفسه- مقدمة لعملية مراجعة واسعة، امتدت إلى كثير من أفكار وممارسات وتشكيلات النظام، ويهمنا منها بصفة خاصة الآن ما جرى من مراجعات لموقف رجال يوليو ومفكريها من ثورة 1919، وكان موقفًا يمزج ما بين الكراهية والتعالي والحكم عليها بالإخفاق التام، بم أن هؤلاء الضباط هم الذين نجحوا أخيرًا في إجلاء الاحتلال البريطاني، وربما لا يوجد ما يعكس هذا الموقف «اليوليوي» من الحقبة ما بين 1919 و1952، أبلغ من وصف تلك الحقبة في ميثاق 1962 بأنها «الأنقاض التي تداعت».

بعيدًا عن أسباب كراهية رجال 1952 لثورة 1919، التي تعود إلى تبنيهم نسخة فاشية من الفكر الوطني، ولذلك كان إرث هذه الثورة يمثل نقيضًا لمشروعهم القائم على احتكار السلطة والوصاية على الأمة، بما أن هذا الإرث قائم على أن الأمة مصدر السلطات، وعلى مسؤولية الحكومة أمام برلمان منتخب انتخابًا حرًا، وعلى التعددية السياسية. نركز هنا على إعادة اكتشاف النخبة السياسية والثقافية المصرية لثورة 1919، في سياق المراجعات التالية لهزيمة 1967، والناتجة عنها.

يعود الفضل في تأسيس منهج التناول الجديد لأحداث ودروس ونتائج ثورة 1919 خروجًا على رؤية ضباط يوليو إلى المرحوم الدكتور محمد أنيس، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، وقد سار جهده التأسيسي هذا في اتجاهين؛ الأول هو مخاطبة الرأي العام مباشرة من خلال النشر المتسلسل في جريدة الجمهورية، في إحدى فترات مجدها المتقطع، والثاني هو البحث والتأليف الأكاديميين، بقلمه هو نفسه، وبتوجيهه لمعظم طلبته في الدراسات العليا بكلية الآداب في جامعة القاهرة، إلى تكريس بحوثهم في مرحلتي الماجستير والدكتوراه لدراسة ثورة 1919، والحياة السياسية المصرية كما أرست تلك الثورة قواعدها. وسرعان ما امتدت العدوى الحميدة إلى كلية الآداب جامعة عين شمس وبقية الجامعات ومراكز البحث، فظهر جيل متميز من دارسي وأساتذة التاريخ المصري الحديث، من أشهرهم الدكاترة أحمد عبد الرحيم مصطفى، ويونان لبيب رزق، وعبد الخالق لاشين، وعبد العظيم رمضان، وفي موازاة هذه المدرسة، أو المدارس الجامعية، اختط المستشار طارق البشرى (القاضي بمجلس الدولة) طريقًا خاصًا ومتميزًا في دراسة تطور مصر السياسي قبل 1952، ثم بعدها، وجمع البشري في دراساته ما بين منهج المؤرخ، وإنصاف القاضي، ورؤية المفكر السياسي.

بسبب هذا المناخ، وفي سياق المراجعات التي تسببت فيها هزيمة 1967، وجدت مؤسسة الأهرام نفسها تحت قيادة الأستاذ محمد حسنين هيكل (كبير مُنَظِّري نظام يوليو، من كتاب فلسفة الثورة إلى الميثاق الوطني، وما بينهما وما بعدهما) مطالبة بالمشاركة، فأصدرت في عام 1969، وبمناسبة مرور خمسين عاما على ثورة 1919 مجلدًا قيمًا حولها، ساهم فيه كبار المؤرخين والمفكرين السياسيين، من كل التيارات الفكرية والسياسية.

كانت النتيجة بالغة الأهمية لهذه الجهود وغيرها مما لم نذكره تحديدًا، هي إعادة الاعتبار لثورة 1919 وقادتها، وتصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة التي راجت طوال حقبة الزهو بإنجازات قادة يوليو 1952، وثقتهم المفرطة في المستقبل، وكان كل ذلك يجري فى سنوات دراستي للعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فدفعني التخصص، وانشغال الرأي العام بهذه العملية لإعادة اكتشاف ثورة 1919، إلى الاهتمام بتاريخ مصر السياسي، وفي القلب منه هذه الثورة الشعبية الوطنية الكبرى، ومع السنوات ومتابعة الاهتمام تكونت لديّ رؤية محددة للإرث الضخم الذي تركته في الحياة السياسية، وفي التاريخ المصريين، وهذه هي الخطوط العريضة لتلك الرؤية:

أولًا: كانت ثورة 1919 هي التي حولت كل أفكار الحداثة السياسية من موضوع للمداولة والحوار والتبشير في إطار النخبة المثقفة ونخبة السياسة والحكم، إلى عقيدة جماهيرية، أو لنقل عقيدة شعبية راسخة للغالبية العظمى من المصريين، في الريف وفي المدن، ولدى خريجي التعليم الديني مثلهم مثل خريجي التعليم المدني الحديث، وبين المسلمين وبين الأقباط.

في مقدمة تلك الأفكار ما نسميه اليوم بالوطنية والمواطنة، بحيث تكون مصر للمصريين، ولا تبقى تابعة لأي كيان سياسي خارجها أو فوقها، كالخلافة الإسلامية، أو دولة القومية العربية، أو الإمبراطورية العالمية (طبعًا بريطانيا في ذلك الوقت)، وبحيث تكون الرابطة الوطنية هي أصل ما تسميه العلوم السياسية بـ «الولاء السياسي»، بمعنى أن الفرد يكون مواطنًا مكتمل الحقوق والواجبات، على قدم المساواة مع المواطنين الآخرين، بما أنه مصرى فقط، بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون، وبذلك تكون ثورة 1919 قد أجهزت نهائيًا على تقاليد العصور الوسطى التي كانت تجعل العقيدة الدينية هي أساس الهوية السياسية.

صحيح أن هذا المفهوم الحديث للوطنية والمواطنة وَرَد بقوة في وثيقة الحزب الوطني الأول، في خضم أحداث الثورة العرابية، ولكنه بقي محدودًا في إطار النخبة، كما أدت هزيمة العرابيين ومجيء الاحتلال البريطاني (غير المسلم) إلى ارتباك وعي عموم المصريين بعقيدة الوطنية والمواطنة، كذلك أضافت الحاجة العملية للاستناد إلى السيادة العثمانية على مصر في المطالبة بانتهاء الاحتلال البريطاني سببًا ثالثًا لتشوش أو تعثر مفهوم الوطنية المصرية حتى نشوب ثورة 1919، لتكتسح كل تلك المخلفات، وترسخ مبادئ أو شعارات: «مصر للمصريين»، و«عاشت مصر حرة مستقلة»، و«الدين لله والوطن للجميع»، و«عاشت وحدة الهلال مع الصليب».

ثانيًا: كسرت الثورة أيضًا تقليدًا، أو لنقل كسرت عقيدة ترسخت لدى النخب والجماهير، منذ سقوط آخر أسرة فرعونية، وفقدان مصر استقلالها، هذه العقيدة هي أن الحكم والحرب هما حق طبيعي وحصري لفئة بعينها، عسكرية الطابع والمنشأ، وأجنبية الدم واللغة، ولا تشارك في عملية الإنتاج الاقتصادي إلا بالملكية أو الإدارة أو الجباية أو بكل ذلك، وكما نعرف فإن هذه الفئة اكتسبت طابعها المؤسسي المكتمل والمطّرد في دول المماليك الثلاثة؛ البرجية والبحرية ثم المحلية (تحت الحكم العثماني)، وقد كانت دولة محمد علي نفسها في علاقتها بالشعب المصري امتدادًا لهذا التقليد، إذ ظلت سلطة الحكم، وامتلاك السلاح والثروة في أيدى محمد علي وأسرته ورجاله، وإن تمصر بعضهم مع مرور الزمن، وإن ضعفت قبضة الأسرة العلوية في ما بعد بسبب تغلغل النفوذ الأوروبي، فقد بقيت السلطة في يد هذه النخبة الأجنبية طوال عهود: إسماعيل وتوفيق وعباس حلمي، الذين كان يسهل عليهم مهادنة النفوذ الأجنبي، والتنازل له عن بعض سلطاتهم، ويرفضون في الوقت نفسه الاستجابة للمطالب الدستورية للأمة، ثم جاءت ثورة 1919 بقيادة خالصة من أبناء الفلاحين، لترسخ في الوعي الجمعي أن الأمة هي مصدر السلطات، وأنها فوق الحكومة، وهو ما تجسد في دستور 1923، ومع أن الرجعية ممثلة في القصر الملكي وأحزاب الأقليات دأبت على تقويض هذا الحق الدستوري، بالانقلاب تارة، وبتزوير الانتخابات تارة أخرى، إلا أن هذه العقيدة كانت قد استقرت، بما لم يمكن أي انقلاب، أو أي برلمان مزور من البقاء والاستقرار.

ومن المؤكد أن أحد أهم أسباب كراهية ضباط يوليو لثورة 1919، ولحزب الوفد تحديدًا، هو إدراكهم المبكر -ولو لا شعوريًا- أن نظام حكمهم لن ينسجم مع هذا النمط المنظم من المشاركة الشعبية، وأنهم سيعيدون إحياء المفهوم القديم لحصر حق الحكم في الفئة أو المؤسسة المالكة للسلاح.

ثالثًا: أدخلت ثورة 1919 أفكار وتطبيقات التنظيمات السياسية والاجتماعية الحديثة إلى البلاد، وقد كانت هي نفسها من النتائج الرئيسية لهذه الحداثة التنظيمية، ممثلة أولًا في الجمعيات الخيرية والأهلية، التي أدار بها المجتمع شؤونه بعد صدمة الاحتلال البريطاني، وتمثلت هذه الحداثة التنظيمية ثانيًا في الأحزاب السياسية، خاصة الحزب الوطني تحت قيادة مصطفى كامل ثم محمد فريد، بأيديولوجيته الإسلامية العثمانية، وحزب الأمة، صاحب أيديولوجية مصر للمصريين، وقد كان الحوار (أو الصراع) بين هاتين الأيديولجيتين هو أبرز مكونات المخاض الفكري السابق على نشوب الثورة، لتنتصر نهائيًا الأيديولوجية الوطنية.

وفي خضم العملية الثورية التي استمرت أربع سنوات كانت التنظيمات الحديثة هي الرافعة لمبادئ ومطالب، بل واستراتيجيات وتكتيكات الثورة، وكانت الشرارة هي عملية جمع التوكيلات الشعبية المشهورة لسعد زغلول وزملائه؛ للسعي من أجل استقلال مصر، إذ تطلبت هذه العملية قدرات كبيرة؛ تنظيمًا وتمويلًا واتصالًا، وكان لنادي طلبة المدارس العليا (وهو تنظيم حديث) دور المبادرة والقيادة في حركة التوكيلات هذه، ثم انضمت إليه لجان الموظفين والتجار والمهنيين وأعيان الريف، فضلًا عن المنظمات الثقافية والخيرية، وصولًا إلى جمعية أنصار التمثيل.

ظل هذا الدور المنظم للمجتمع المدني فاعلًا وبقوة في الحياة السياسية، وازداد نموًا وخبرات حتى يوليو 1952، فتأسست النقابات المهنية، ثم العمالية، وغرف التجارة والصناعة، والجمعيات العلمية النوعية، واتسعت الحركة التعاونية، وكذلك جمعيات النفع العام التي غطت كل جوانب الحياة، بما في ذلك «الرفق بالحيوان».

رابعًا: يتصل بكل النقاط السابقة منهجيًا، ويتميز عنها نوعيًا ظهور الحركة النسائية المنظمة، ومشاركتها بقوة في أحداث ثورة 1919، ثم في الحياة العامة بعد ذلك، مما لا يحتاج إلى كثير من التفصيل، ويكفي فقط القول إن تحرير المرأة، وانخراطها في الحياة العامة كانت مثلها مثل جميع الأفكار التي تحدثنا عنها في هذا المقال، أفكارًا أو ممارسات نخبوية قبل ثورة 1919، وجاءت الثورة لتحولها إلى أعراف وممارسات مرغوبة لدى كل الطبقات والفئات تباعًا.

كانت تلك إذن هي معالم التطور النوعي الذى أحدثته ثورة 1919 في تاريخ مصر، وأعاد الكاتب، مثله مثل غيره من المهتمين، اكتشافها في إطار المراجعات الفكرية الناجمة عن هزيمة 1967، ولكن دون أن يعني ذلك أن ثورة 1919 أقامت فردوسًا على الأرض المصرية أفقدتنا إياه ثورة يوليو 1952، التي لم تكن بدورها هي الجنة الموعودة، فإذا أردنا أن نجمل ما أنجزته الثورة الأولى فليس من المغالاة في شيء أن نقول إن كل شيء إيجابي تحقق في مصر بعد ثورة 1919 يحسب لها، أما السلبيات -وهى كثيرة – فلا تحسب عليها، ولكن تحسب على الرجعية في القصر الملكى وأحزاب الأقليات، وسلطة الاحتلال البريطاني.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد