«حرب الكلب الثانية»: بين عبث كافكا وشيزوفرينيا دوستويفسكي
 
 

أحيانًا تكفي أكثر الأسباب عبثًا لتطلق شرارة الحروب بين الشعوب، مثل حرب الكعك التي اندلعت بين المكسيك وفرنسا بسبب نهب مخبز عام 1838. أو كالحرب التي قامت بين اليونان وبلغاريا 1925 بسبب كلب ضال، تتبعه جندي يوناني لم يلحظ أنه عبر الحدود البلغارية، فأطلق عليه النار. ناهيك عن حرب 1969 التي اندلعت بين هندوراس والسلفادور بسبب مباراة كرة قدم، أو الحروب القبائلية التي تندلع بسبب الأنعام والمواشي.

بالطبع لم تنطلق الحروب فقط لأسباب هزلية، وإنما كانت تكمن خلفها أسباب وخلافات سياسية، ما لبثت أن تفجرت.

تنطلق رواية «حرب الكلب الثانية» للكاتب الأردني من أصل فلسطيني إبراهيم نصر الله، من منطلق العبث والعنف. فهو يتخيل مستقبلًا بعيدًا، هواءه ملوث ومتعفن، لم تعد فيه الكلاب أوفياء للبشر، الذين يعيشون حياة مرفهة، يشاهدون أفلام 6 جي 6G ، حيث يُخرجون الممثلين من شاشة التلفاز، ويكاد المرء أن يلمسهم لو أراد. مستقبل يجري فيه البشر عمليات التجميل وقتما شاءوا، ويمتلك الضباط حواس حدس خارقة مثل «إكس مينX men»، تتعلق بالرؤية، تُمنح لحلفاء النظام فقط.

«حرب الكلب الثانية» رواية فلسطينية ساخرة، تبتعد ظاهريًا عن الواقع الفلسطيني السياسي الحديث،  فلا يتم ذكر إسرائيل كقوة محتلة إلا في الصفحة ثلاثمائة، قبل النهاية بنحو ثلاثين صفحة. كذلك لا تلعب المقاومة أي دور بالرواية على نقيض «الملهاة الفلسطينية»، مشروع نصر الله الأكبر الذي ضم ثمانية روايات مستقلة، تتناول أحداث فلسطين الحديثة، ابتداءً من القرن الثامن عشر، أبرزهم «زمن الخيول البيضاء» 2007، التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2009.

تعتبر «حرب الكلب الثانية» بمثابة امتداد لمشروع نصر الله الساخر الذي بدأه في عمله الموازي لـ«الملهاة»، وهي«الشرفات» (2005- 2014)، خمس روايات تعالج انحدار العالم العربي على المستوى السياسي والاجتماعي.

و«حرب الكلب الثانية» التي فازت بجائزة البوكر 2018 مكتوبة مثلهم بلغة سهلة وبسيطة، وإن لم تخل من تلميحات وإيحاءات أدبية ممتعة وساخرة. مثلًا يصف نصر الله ضابطًا، بأن طبيعة مهنته قائمة على «الشك في الناس إلى أن تثبت إدانتهم!». يتفنن نصر الله باللعب بالمصطلحات والأمثال المعروفة. كذلك يبدع في كتابة حوارات مبدعة ومضحكة، ويحيك أحداثًا غير متوقعة. كدت أن أنحي الكتاب جانبًا بعد أول عشرين صفحة، لتوقعي رواية أخرى من نوع الديستوبيا، كالذي غمر سوق الكتاب العربي في السنوات الأخيرة.

لكن نصر الله صاغ parable، أي رواية أو قصة تخلق عالمًا موازيًا لتنتقد الواقع من خلال حبكة قد تكون خيالية. نوع من الأدب تميز به الكاتب التشيكي فرانز كافكا (1883-1924)، الذي يفصح نصر الله عن مدى تقديره له باقتباس إحدى أهم موتيفاته، وهي القلعة التي تحكم البلاد من بعيد، ولا يعرف عنها المواطنون شيئًا. و«القلعة» (1926) هي إحدى أهم أعمال كافكا التي تسرد محاولة بطله العبثية في الوصول إليها، مع اصطدامه بالبيروقراطية والطبقية المسيطرة على النخبة الحاكمة. راشد، بطل «حرب الكلب الثانية» – يميل نصر الله في اختيار الأسماء الرمزية لأبطاله، فزوجة راشد تدعو سلام، مع أنها مضطربة نفسيًا، كذلك لا ينعم زوجها بأي رشد – يحاول أيضًا أن يصل إلى قلب نظام السلطة، بزواجه من شقيقة جلاده السابق، الضابط الذي أشرف على تعذيبه، أيام كان ينتمي للمقاومة.

ولكن راشد الذي يضطر للتمثيل أنه أصبح فاسدًا كي يقنع أنصار النظام أنه تخلى عن المقاومة، لا يلبث إلا أن ينغمس في الفساد بالفعل، ويتخلى عن مبادئه في سعيه لأن يشبه جلاديه.

بخلاف كافكا يشيّد نصر الله مقامًا أدبيًا لقامة أدبية أخرى، وهو الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881). فأحداث «حرب الكلب الثانية» شبيهة لدرجة كبيرة برواية « الشبيه» (1846)، التي تدور عن شبيه يظهر في حياة البطل ويبدأ في اختلاس هويته لتدمير حياته.

إلا أن عبقرية نصر الله تكمن في تطوير مفهوم الشيزوفرينيا أو البارنويا لدى دوستويفسكي ومزجها ببارانويا الواقع العربي السياسي، وهوسه بنظريات المؤامرة، إضافة إلى تمجيد الحاكم المطلق، بتصوير ظاهرة الشبيه التي تنتشر مثل الوباء في البلد، فيبدأ المواطنون في اصطيادهم وقتلهم، لأنهم يهددون كيانهم. يوجه نصر الله انتقادًا لاذعًا للحاكم الواحد، الذي يفرض نظرة واحدة على الشعب، ويقضي على أي تعددية سياسية أو فردية. فلو كان الأمر باختياره لود أن يكون المواطنون كلهم سواء، ويمضون ويفكرون ككتلة، لا تتعارض مع بروباجندا الحكومة.

يتساءل بطله راشد لم ليس بمقدوره أن يتملك زوجتين بالشبه نفسه، واحدة في المنزل والأخرى في العمل، عكس رغبة الاستنساخ المتوحشة لدى الحكام السياسيين، الذين بديكتاتوريتهم لا يرون الشعب إلا كمستنسخين مطيعين لنموذج المواطن الشريف. وهناك نمط بشر لديه الاستعداد للاستنساخ، كما يقر بطل نصر الله. مثل شخصيات تتشبه بآخرين، يريدون أن يصبحوا مثلهم، لأنهم يفتقدون الأصالة والرغبة لاستكشاف هوية منفصلة. وينوه نصر الله أيضًا للمجتمعات الذكورية، الذين ينظرون إلى النساء، كأن كلهن سواء، والذين يرفضون أن تختلط زوجاتهن برجال غرباء، كما يخاف أبطال نصر الله أن يظهر شبيه لهم يقيم علاقة جنسية مع زوجاتهن دون أن يلاحظن الفارق.

يتمادي نصر الله أيضًا في تصويره للحياة الافتراضية لأبطاله. ففي بداية الكتاب يشاهد راشد وسلام مشهدًا قتاليًا في التليفزيون، فيحس أن الدماء خرجت من الشاشة ولطخت كل ما في الغرفة. وكأن العالم الافتراضي الذي صار يتحكّم في حياتنا، أصبح بارانويا للواقع، ومع أنه غير حقيقي، إلا أنه يتملك من الأبطال كالخوف.

وهناك غالبًا أعمال أدبية أخرى ألهمت نصر الله، كـ«مسرحية الخرتيت» (1959) لأوجين يونسكو، حيث يتحول البشر إلى خراتيت يشبهون بعضهم، أو قضية«الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» (1886) لروبرت لويس ستيفنسون، وهي من الروايات الأولى التي عالجت البارانويا والانفصام في الشخصية، الذي يوسعه نصر الله، كي يصيب شعبًا بأكمله.

«حرب الكلب الثانية» ليست عملًا أدبيًا ضخمًا أو فجًا يثير الأسئلة الوجودية الملحة التي تصدم القارئ وتدعوه لإعادة التفكير في نظرته للعالم. وإنما هي رواية خفيفة ومسلية سريعة الإيقاع، تحتوي أفكارًا جديدة وساخرة، وعلى نقيض روايات عربية فازت أو رشحت للبوكر في السنوات الماضية، لم أضطر للتغلب على نفسي كي أنهيها.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد