جوليو ريجيني وجمال خاشقجي.. ما يجمع ضحيتين

بين جثة ظهرت ملقاة على طريق سريع وجثة لا يزال البحث جاريًا عنها٬ تبرز العديد من وجوه التشابه والاختلاف بين جريمتي قتل وتعذيب وضعتا كلًا من النظامين المصري والسعودي في مأزق.
في 25 يناير 2016 تم اختطاف الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، واختفاؤه لتظهر جثته ملقاة في 3 فبراير 2016 على طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي، بينما لم تظهر جثة جمال خاشقجي منذ دخوله القنصلية السعودية حتى الآن.
كان ظهور جثة ريجيني بمثابة رد على التساؤلات التي بدأت تظهر عن مصير الباحث الإيطالي. ومع وجود سجل للنظام من حالات الإخفاء القسري٬ يبدو ظهور الجثة كنفي لوجود اخفاء قسري لصاحبها مع وجود محاولة أولية لإدعاء الشرطة المصرية بتعرضه لحادث سير. ولكن بينما كانت جثة ريجيني هي بداية توجيه الاتهامات للأجهزة الأمنية المصرية بالتورط في مقتله، وذلك بسبب وجود آثار واضحة للتعذيب على جثة ريجيني. كانت جثة خاشقجي هي التي حرص رجال الأمن السعودي على إخفائها وربما إذابتها كما تقول بعض التسريبات وذلك في محاولة لإنكار وقوع الجريمة وإخفاء معالمها.
الفارق بين الحالتين تمثل في كون جريمة ريجيني تمت على الأراضي المصرية مما أعطى الفرصة للقيام بعملية الخطف بمعزل عن أي دليل بينما جاءت جريمة خاشقجي على أراضي تركية وإن تمت على أرض القنصلية السعودية إلا أنها كانت تحت رقابة واضحة من أجهزة الأمن والكاميرات التي وضعت السعوديين في حالة تلبس لكون خاشقجي قد انتهى أثره داخل القنصلية بشكل محدد٬ ما وضع السعودية في مأزق أكبر من مأزق النظام المصري.
مع بداية توجيه الاتهام لأجهزة الأمن المصرية٬ بدأت هذه الأجهزة في البحث عن سيناريو يبدو أكثر إحكامًا لتفسير مقتل ريجيني من سيناريو حادثة السير لتخرج بعد فترة الأجهزة المصرية بإعلان العثور على متعلقات ريجيني كاملة ثم إعلان مقتل أفراد «عصابة» قامت باختطافه وتعذيبه وقتله واحتفظت بمتعلقاته٬ بينما قامت السلطات السعودية بعد نفي معرفتها بمصير خاشقجي بالإعلان بعد أسبوعين عن مقتله في مشاجرة مع 15 فردًا من أجهزة الأمن السعودي.
لا يقتصر رد الفعل الأولي علي افتعال سيناريو للرد على الاتهامات ولكن يصاحب ذلك حملة تقوم بها وسائل الاعلام لتشويه الضحية، فيقوم الاعلام المصري باتهام ريجيني بـ «الجاسوسية والعمل لصالح جماعة الإخوان واعتباره شخصًا مريبًا يمثل خطورة علي الأمن القومي». كذلك تم اتهام خاشقجي بـ «كونه إخواني ومحرض ضد السعودية ومشاركًا في مخططات قطرية وتركية تضر بالمملكة»٬ وأيضا انتهز الإعلام السعودي والممول من السعودية فرصة وجود خطيبة تركية لخاشقجي للهجوم عليها واعتبارها محرضة ضد السعودية٬ وتوجيه اتهامات وتلميحات لها وذلك لتخويفها ولتشويه صورة علاقتها بالقتيل.
لم تقتنع إيطاليا بالرواية الأمنية المصرية عن مقتل ريجيني على يد عصابة وواصلت الضغط من أجل استئناف التحقيق ومن أجل الحصول على معلومات حقيقية يمكن أن تدل على الفاعل الحقيقي مثل تسجيلات كاميرات مترو الأنفاق وسجل تتبع الهاتف المحمول الخاص بريجيني وهو ما استطاعت من خلاله تفنيد رواية العصابة. كذلك تراجعت السعودية تدريجيًا عن رواية المشاجرة التي قتلت خاشقجي وبدأت في الإقرار بوجود نية مسبقة لقتله٬ وذلك أيضًا من خلال تحقيقات ومحادثات مشتركة بين النائب العام السعودي والتركي.
نجحت الدولة المصرية في استخدام الأسلوب المفضل الذي تستخدمه مع وقوع كوارث وحوادث ذات صلة بالعالم الخارجي وذلك بالمماطلة وإطالة أمد التحقيقات حتى «تبرد» القضية وقد يصيبها النسيان وذلك بالتوازي مع عرض تعويضات أخرى لإنهاء القضية. ذلك ما اتبعه النظام المصري مع حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء وذلك بإنكار وقوع انفجار ثم مساومة السلطات الروسية على ملف المفاعل النووي الروسي في الضبعة كصفقة تعويضية عن سقوط الطائرة. المماطلة ذاتها حدثت مع الطائرة المصرية التي سقطت عند قدومها من باريس حيث أصر الجانب المصري على فرضية وجود قنبلة وتفجير تسببًا في سقوط الطائرة وذلك تجنبًا لتحمل مسؤولية سقوط الطائرة أمام السلطات الفرنسية. أيضا قامت السلطات السعودية بمحاولة المساومة مع كل من السلطات التركية والأمريكية للإفلات قدر الإمكان من عواقب جريمة قتل خاشقجي ومحاولة حصر مسؤولية إصدار قرار قتله في بعض أكباش الفداء من رجال الأجهزة الأمنية وإبعاد المسؤولية عن ولي العهد السعودي.
تحتوي كل من الحالتين على عناصر مختلفة فالجريمة ثبتت على الأجهزة الأمنية السعودية ولكنها مجرد اتهام لأجهزة الأمن المصرية بينما كان القتيل ينتمي لنفس الدولة في الحالة السعودية وعلى أرض أجنبية. وفي الحالة المصرية كان القتيل منتميا لدولة أوروبية ولكن الجريمة وقعت علي أرض مصرية. وكان ريجيني باحثًا إيطاليًا شابًا غير معروف، كانت عائلته هي المحرك الرئيسي للبحث عن قاتليه، بينما كان خاشقجي معارضًا شهيرًا وكاتبًا صحفيًا في صحيفة الواشنطن بوست، ما جعل الصحيفة واحدة من أدوات الإصرار على معرفة الحقيقة والبحث عن الجناة.
يبدو الموقف المصري أفضل حالًا من الموقف السعودي حتى الآن فأسوأ الاحتمالات قد يقتصر علي محاكمة بعض أفراد أحد الأجهزة الأمنية وأن كان ذلك ما يريد النظام المصري تجنبه فهو نظام قائم بالأساس على الأجهزة الأمنية والحكم البوليسي٬ بينما في الحالة السعودية تتوجه الاتهامات لولي العهد شخصيًا، مما يجعله على استعداد للتضحية بعدد من أفراد الأجهزة الأمنية وذلك عبر محاكمتهم على الأراضي السعودية، ولكن ذلك متعلق بمدى طبيعة الأدلة التي قد تظهرها تركيا ومدى قوة ضغوط أوروبا وأمريكا.
في كلتا الحالتين ما نشاهده هو نتيجة طبيعية لاستخدام القوة الباطشة التي لا تضر فقط بشعوب ومعارضي الدولتين ولكنها تمتد للإضرار بأنظمة الحكم نفسها، التي اختارت طرق القمع هذه وفي لبها ترك الحبل على الغارب للأجهزة الأمنية للتحكم في السياسة والتخلص من كل من لا يؤيد النظام بشكل واضح٬ وذلك في حالة من الخوف المرضي من تكرار ما حدث في الانتفاضات العربية ظنًا أن ترك هامش للحرية كان هو السبب في اندلاع تلك الانتفاضات والبديل هو التحكم الكامل والتأييد المطلق. والنتيجة هي ما نراه من قمع عشوائي غير مدروس قد يطول الباحث الأجنبي والصحفي المعارض ولا ينجح إلا في زرع المزيد من الخوف والسكوت والكبت تمضي بالدول لمصير مجهول.

اعلان
 
 
محمد يحيى