جواهر السينما المصرية: عروسة المولد
أو كيف صنع عباس كامل فيلمًا استعراضيًا بالعرائس في الخمسينيات؟
 
 
 

تتحرك الكاميرا داخل مخزن للعرائس ومعمل لحلاوة المولد، تتابع العمال كلٌ في مكانه المحدد، تقترب من عامل يقلب السكر والدقيق في إناء كبير، قبل أن تتحول إلى حمودة (شكوكو)، وهو يجهز  قالب حلاوة شكل العروسة،  ثم يبدأ الغناء، لتلحق به عزيزة (سعاد مكاوي)، التي نراها بدورها، تحضر قالب شكل الفارس، في الاستعراض الافتتاحي لفيلم «عروسة المولد».

 «عروسة المولد» هو فيلم إنتاج عام 1954، سيناريو وحوار وإخراج عباس كامل، وبطولة: عبد العزيز محمود، وتحية كاريوكا، ومحمود المليجي، وشكوكو، وسعاد مكاوي، ونيللي مظلوم، بالاشتراك مع أبطال «ساعة لقلبك»، البرنامج الإذاعي المصري الفكاهي،  الذي يعتبر مدرسة كاملة تخرج منها كوميديانات كُثر. بدأ البرنامج عام 1953، وهذا يعني أن عباس كامل استقدم الثلاث كوميدينات كي يقدمهم للسينما، بعد سنة احدة فقط من انطلاقه، والثلاثة هم: أبو لمعة الأصلي (محمد أحمد المصري)، وفصيح «ساعة لقلبك» (ممدوح فتح الله)، والخواجة بيجو (فؤاد راتب). ومن الجدير الإشارة إليه هنا، أن الأستاذ سميرخفاجي، أحد مؤسسي الفرقة ودع عالمنا العام  الحالي(1930- 2018).

قبل أن نشرع في الحديث عن «عروسة المولد»، أريد إلقاء نظرة على عالم عباس كامل (1911-1985) المخرج الذي لم ينل حقه من التقدير، والذي يحمل فلسفة تجريبية سينمائية جديرة بالالتفات إليها والتعلّم منها، فهو صاحب الخدع السينمائية والتجريب البصري الأول في السينما المصرية، ورغم أن يوسف شاهين استخدم حيلًا بصرية وقصصية تجريبية في فيلمه الأول «بابا أمين» (1950)، لكن الفرق أن عباس كامل كان يحمل فلسفة بصرية وسردية كاملة تجاه التجريب، نستطيع أن نتتبعها في أعماله علي مدار سنين طويلة.

فمن ناحية فلسفة الإنتاج مثلًا، وبخلاف أنه كان يخاطر بإنتاج أفلام قليلة التكلفة بالنسبة لعصرها،  كان يخاطر أيضًا بالاعتماد علي ممثلين لم يعتد الجمهور المصري رؤيتهم علي الشاشة، ولا يطلبهم المنتجون بقوة، مثل عبد العزيز محمود وكارم محمود، وأيضًا الممثل المصري محمد التابعي الذي اشتهر مع عباس كامل في شخصية عبدالرحيم كبير الرحيمية، وهي الشخصية التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا لاحقًا. والمفارقة أن عباس كامل صنع مع هؤلاء الممثلين أنجح أفلامه، وأكثرها جماهيرية، بل وجعلهم نجوم شباك، ويحقق بهم المنتجون إيرادات كبيرة.

ومن ناحية اللعب مع السينما كوسيط يسرد حكايات، فإن عباس كامل صاحب رصيد لا بأس به من الأفلام الهامة والمختلفة والراسخة في الوعي المصري، مثل تأليفه لفيلم «ابن حميدو» (1957)، و«إسماعيل يس في مستشفى المجانين» (1958)، وإخراجه لـ «العقل والمال» (1965)، و«فيروز هانم» (1951)، و«منديل الحلو» (1949)، وهم من أكثر الافلام شعبية وانتشارًا في مصر، بكل ما يحملونه من إفيهات وكوميديا إسقاطية. كما أن فيلم «طاقية الاخفاء» (1944)، الذي قدمت نسخته الأشهر فيما بعد «سر طاقية الإخفا»، هو عن قصة لعباس كامل.

تعتبر الاستعراضات الراقصة في أفلام عباس كامل من أجمل وأفضل الاستعراضات في السينما المصرية، حيث كانت مختلفة اختلافًا كليًا من ناحية الديكور «تصميم المنظر السينمائي» وتصميم الحركة والميزانسين والملابس والخدع البصرية، التي كان يستخدمها كثيرًا في الإستعراض. ونذكر استعراض أساسي في فيلم «عريس مراتي» (1959 ) في بار «أبو جلمبو» في الإسكندرية حيث كانت الراقصة السكندرية هيرمين ترقص علي ألحان مقطوعة «عزيزة» لمحمد عبد الوهاب في وسط البار، وبعدها دخلت فايزة أحمد بشخصيتها الحقيقية إلى البار، وهي لم تكن شخصية في الفيلم من الأساس، لكن أراد عباس كامل الاحتفاء بها علي طريقته خفيفة الظل، حيث طالبها الصيادون بالغناء، لتغني أغنيتها الشهيرة «بتسأل ليه عليا».

رغم أن عياس كامل كان يتنقل في غالبية أفلامه بين ثلاث ديكورات أساسية؛ ديكور القصر، وديكور مُصمم للحارة المصرية، وديكورالكباريه، كعادة الأفلام هذه الفترة، لكن قد يحدث أن يضيف ديكورًا رابعًا، ليتسع لتجريبه، مثل استخدامه في بداية فيلم «عيني بترف» (1950) ، ديكورًا لمعرض فني في القاهرة، واستخدم خدعة لتحريك تحية كاريوكا داخل البورتريه المرسوم لها، وفي هذا الفيلم غنى كارم محمود أشهر أغنية له «أمانة عليك يا ليل طوّل» في استعراض راقص مع تحية كاريوكا وشرفنطح، محمد كمال المصري، وشخصيًا أعتبر مشهد البداية في هذا الفيلم من أخف مشاهد البدايات في السينما المصرية.

لكن في «عروسة المولد» نحن أمام تجربة مختلفة كليًا لعباس كامل.

 تدورأغلب تفاصيل الحكاية الغريبة «عروسة المولد» ما بين حارة «السماء السابعة» وكباريه «إدريس» (محمود المليجي)، حيث تمتلك عروسة المولد «حلاوة» (تحية كاريوكا) طموحًا في أن تكتشف عالم الإنسان، وترقص وتغني وتتحرك بحرية، فتقررالخروج من المعمل لتذهب إلى الكباريه، وتتحول من عروسة إلى إنسان، وسط رفض حبيبها سكر (عبد العزيز محمود)، وتشجيع وإغواء من إدريس (محمود المليجي)، الذي كان من المفترض أن يشتري عروسة المولد لحبيبته لاتانيا  (نيلي مظلوم)، لكن بسبب التصاق سكر بحلاوة لم تستطع لاتانيا أخذ العروس وحدها.

في «عروسة المولد»  تكون العرائس هي المحرك الأول للأحداث، وصانعة الموسيقى وبطلة الاستعراضات. هذه العرائس يقودها سكر، الفارس الذي يمتطي حصان وفي يدة سيف. وعندما يغني عبد عزيز محمود أغنيته، تتحرك شفاة سكر الذي يقف علي الرف في معمل حلاوة المولد، والذي يشبه عبد العزيز محمود، كما تشبه حلاوة من حيث الشكل تحية كاريوكا، في مزج رائع بين الحقيقة والخيال.

وفي مشهد وداع حلاوة، حين تقرر النزول من الرف والخروج من المعمل، يقف سكر وحيدًا، ويبدأ استعراض حزين من بطولة مجاميع العرائس، في رثاء جماعي لرحيل حلاوة. في هذا الاستعراض يستخدم عباس كامل دورانات حركية بسيطة للعرائس، لكنها تتماشى تمامًا، وتنسجم مع الإيقاعات الموسيقية بالفيلم، بتزامن وإتقان هائل من محركي العرائس، ومنفذي الحيل السينمائية المتعلقة بها، وهم حبيب خوري بمساعدة محمود المغربي ومحمد عبد الحفيظ.

 أحد الاستعراضات الملفتة في «عروسة المولد»، هو استعراض أوبرالي راقص، تم تقديمه في «كباريه إدريس» وسط ديكور غربي، حيث يشبه ديكور لمنزل وسط غابة. كان يحكي عن فتاة ملت الحياة الزوجية، تأتيها ساحرة  بالملابس التقليدية المعروفة للساحرات، تخبرها عن شخص ثري يحبها ويريدها، فيظهر هذا الشخص أمامها، وتتقدم نحوه في فرح واستكشاف بينما يحاول حبيبها، وهو الراقص الشهير محمود رضا، اللحاق بها لكنها تدفعه ويسقط علي الأرض، وتحضن الرجل الثري وهي تضع قدمها علي صدر حبيبها، الذي يكون ملقي بجانبها علي الأرض.  فكرة أن يكون بالفيلم استعراض معبر عن حالة الشخصية الرئيسية بالفيلم في هذه اللحظة، عنصر مشترك بين أغلب أعمال عباس كامل. وفي «عروسة المولد»، كانت حلاوة تقف في الكباريه، وتتابع الاستعراض الذي يتنبأ بما سيحدث، بشغف.

أغاني «عروسة المولد» من تأليف فتحي قورة ومرسي جميل عزيز، وألحان عبد العزيز محمود. وجدير بالذكر أن فتحي قورة لازَم المخرج عباس كامل في كل أفلامة الغنائية الاستعراضية.

من المشاهد الملفتة أيضًا بالفيلم، هو مشهد استعداد سكر بمساعدة جيشه من العرائس، بالطائرات والدبابات والأسطول البحري لغزو عالم الإنسان، وعن طريق أوبريت بإيقاعات عسكرية وطبول. وعندما يتيقن سكر من جاهزية جيشه، تتحرك مجاميع العرائس العسكرية من المعمل في اتجاه الشارع لبدء الغزو، ويتم دهسهم من السيارات المارة في الشارع، ويفني جيش سكر تمامًا، ويرجع وحيدًا حزينًا إلى المعمل، ويقف علي الرف مرة أخرى بعد خيبة أمل.

ألعاب كثيرة يستخدمها عباس كامل في فيلمه، ومنها مثلًا استخدام الظل في محاكمة حلاوة بعد تورطها في مقتل والد فصيح. وفي لقطة أخري يحاول كسر الإيهام  في مواجهة تحدث بين حلاوة وسكر قبل نهاية الفيلم، حيث تقول حلاوة «فلسفة سي عباس بتاعك ده مش عايزاها»، ولا يوجد شخصية في الفيلم اسمها عباس، والمقصود هو عباس كامل نفسه، والذي كان بجانب إخراجه الأفلام، يكتب مقالات، ويرسم الكاريكاتير.

في النهاية، لا يبقى لنا إلا أن نقول أن عباس كامل استطاع أن يصنع  فيلم تحريك بالعرائس في الخمسينيات، بجودة وإتقان رهيبين في تنفيذ المشاهد وتحريك المجاميع، مع أنه لم يسبقه أحد في صنع فيلم بالعرائس. وبالخيال استطاع عباس كامل صناعة معجزات في مسيرته السينمائية الحافلة.

اعلان
 
 
نور الملاح