شكرًا لـ «خاشقجي».. أخيرًا اليمن السعيد؟

لم يكن الكاتب الراحل جمال خاشقجي هو أول معارض تقتله المملكة العربية السعودية وتخفي جثته، أو تذيبها، أو تقوم «بتجزئتها» كما ورد في البيان السعودي.

إلا أن هناك عدة عوامل جعلت من خاشقجي مسيح المعارضين السعوديين، الذي بقتله قد يتم القصاص لمئات، وربما آلاف، بل ومئات الآلاف من ضحايا المملكة.

خاشقجي معارض تكمن أهميته في أن له مصداقية لدى الغرب، حتى أصبح أحد الكتاب الرئيسيين في الواشنطن بوست الأمريكية. هو ليس مجرد كاتب يصدح بمعارضته في البرية، وإنما رجل سياسة، له تحالفات واتصالات، بل وكان في يوم ما مستشارًا مقربًا من الأسرة الحاكمة في السعودية. هذا بخلاف أن السعودية قد أخطأت اختيار الوقت، فلم يكن لديها من الحصافة ما ينبهها إلى أنها، وبعد سلسلة من جرائم الحرب، وتاريخ مفعم بالصراعات، وبعد استهلاك الكثير من الأموال في «مرازية الخلق» ونشر الأفكار التي تأسس عليها الإرهاب الدولي، وبعد أن بلغت الجرأة مداها حتى اختطفوا رئيس وزراء دولة، قد تحولت بشكل متزايد لتصبح عبئًا على العالم، وأنها ما كان يجب لها أبدًا أن تزيد الطين بلة، وتستهدف شخصية تعد، بشكل أو بآخر، دولية، لها من الثقل العالمي ما لها.

هناك عامل آخر شديد الأهمية: أنت لا تقتل المعارضين في سفارات ومواقع للتمثيل الدبلوماسي على أراضٍ أجنبية. أبدًا… إيه ده؟ أنتوا اتجننتوا ولا إيه؟ ثم إن كنت لا محالة فاعلًا، فقد أسأت اختيار الدولة الأجنبية التي تقوم على أرضها بفعلة كهذه! تركيا؟ يا راجل! لقد اخترت الدولة التي ظلت، لسنوات، تنتظر سقوطك في شرك كهذا، وقد نالت ما تريد. هي بلكونات لندن قصرت معاكم في حاجة؟

هذا بخلاف  الصلف والغرور وعدم الاكتراث الذي واجهت به المملكة الاتهامات عقب وقوع الجريمة، صلف له تبرير تاريخي، حيث عمدت المملكة إلى أسلوب: بكم هذا.. ادفع.

ثم اندهشت المملكة من ردة الفعل العالمية: فيه إيه يا جماعة، قتلناه؟ مالكم؟

وعلى الرغم من سخرية البعض من مسلك المملكة، إلا أنه مفهوم. ما الداعي لإقامة الدنيا والنبرة الهجومية لدى الإعلام العالمي – والذي بالمناسبة كانت هيومان رايتس ووتش اتهمت بعض قطاعاته هو والأمم المتحدة بتقاضي رشاوى للصمت على الجرائم السعودية – من أجل قتل معارض هذه المرة تحديدا؟! هو حييجي أغلى من مين يعني؟ لطالما قتلنا ولطالما صمتم.

إذن، فالمملكة معذورة في التعبير عن اندهاشها من اندهاش العالم لإنها قتلت «مجرد» كاتب وقامت بـ «تجزئته»! إلا أن الحظ لم يكن حليفًا مخلصًا للمملكة وهي تقرأ المشهد العالمي قبل تنفيذ الجريمة، هذا إن كانت قد حمّلت نفسها مشقة قراءة أي مشاهد بالأساس.

على أية حال، الجريمة بشعة، والأمر مؤسف، ووجه صلاح خاشقجي وهو يجبر على مصافحة قاتل والده مشهد يدمي القلب، لكن، وعودة للأمثال المصرية: يخلق في قضاه رحمة.

حيث أن الرابح الأول من هذه الجريمة، هو ضحية أخرى، تعاني منذ سنوات مديدة، من جرائم حرب يقترفها السعودي، ولم يتنبه لها العالم إلا الآن: اليمن.

فجأة، وبدون سابق إنذار، وبعد أن كاد الناس أن يطلبوا الإسعاف لمنظمة هيومان رايتس ووتش ومثيلاتها التي ظلت تصرخ كالملدوعة: اليمن.. اليمن يا ناس.. اليمن.. اليمن.. اليمن، تنبهت باقي وسائل الإعلام والمنظمات العالمية الأخرى إلى أن هناك جرائم حرب تقترف في اليمن.

اليمن السعيد.. لم يكن سعيدا أبدًا

عقب إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، انبثقت حركة الحوثيين من صعدة، شمال اليمن في عام 1992. هناك بالطبع أسباب واقعية لتأسيس أي تحرك على الأرض، وأسباب متخيلة يحملها شعار هذا التحرك، هذه طبيعة الأشياء. الأسباب الواقعية تعود إلى أن توحيد اليمن نشأ عنه إهمال للمنطقة الشمالية، ما أدى إلى إفقار هذه المنطقة، وشعور أهلها بالتهميش. أما الأسباب المتخيلة التي تبتكر لمنح بعض الثقل الأيديولوجي لهذا التحرك، فيلخصها شعار الحركة الحوثية: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام!

تمام… بالطبع حين أرادت الحركة أن تنال بعض الشرعية الدولية أثناء حضورها مؤتمر الحوار الوطني، عقبت على هذا الشعار قائلة: احنا ما نقصدش بالظبط يعني الكلام ده.

لا داعي للقول بإن المطالبة بالمواطنة والمساواة وتحسين الأحوال المعيشية ومكافحة الفساد كانت لتعد أنجع، وربما جنبت اليمن الكثير من الويلات، لإن: العايط على الفايت نقصان عقل. عفوًا للقارئ، حقا ليس هناك وضع دولي أو محلي أو إقليمي لم تعقب عليه الأمثال المصرية وتختصر حكمته.

ربما لم تجد الحركة الحوثية، في اتهامها لعلي عبد الله صالح بالفساد والتفرقة بين المواطنين والقمع، ما يجذب العناصر البشرية، فاندفعت نحو الموت لإسرائيل وأمريكا واليهود ويأجوج ومأجوج والمسيح الدجال.

في العالم العربي، خاصة في مصر، كان هناك تصور خاطئ أن الحوثيين مجموعة من الشيعة يحاربون أهل السنة والجماعة وممثلهم: علي عبد الله صالح، حليف المملكة العربية السعودية.

لكن الحقيقة أن جماعة الحوثيين كانت تضم الكثير من السنة المهمشين من منطقة الشمال، كما أن علي عبد الله صالح ينتمي إلى نفس مذهب الحوثيين الشيعي الزيدي، والصراع لم يكن إلا على السلطة، والباعث كان التهميش والإفقار والديكتاتورية، والشعارات لم تكن إلا لجذب الفقراء الجوعى الذين يجدون في نصرة الإسلام دافعًا أقوى من المطالبة بحقهم في الحياة، والسمت الطائفي لم يكن إلا لجذب المزيد من الأنفار، لأن المذهب الزيدي هو المسيطر على الأغلبية في اليمن، كما أن علي عبد الله صالح كان قد تحالف مع المملكة العربية السعودية، ولم يكن أمام الحوثيين فرصة للبحث عن داعم آخر سوى عبر الإيهام بتبني الطائفية، أملا في الحصول على دعم منافس السعودية الأول في المنطقة: إيران.

المهم يا سيدي لما أنت… في عام 2004 قامت قوات الأمن بقتل حسين الحوثي، ما أدى إلى اندلاع المواجهات العنيفة بين الأمن وجماعة الحوثي التي اعتبرها النظام اليمني، ومن خلفه النظام الدولي، جماعة مارقة.

أما عن تنظيم القاعدة، فهو مستقر في اليمن منذ أن قام بتنفيذ عملية انتحارية ضد بارجة أمريكية في عدن عام 2000.

كما نرى أعلاه، لم ينعم اليمن بالاستقرار ليوم واحد، إلا أنه أيضًا لم يصل إلى كارثة إنسانية بنفس قدر ما نراه يحدث الآن.

قامت الثورة في اليمن عام 2011، سارع مجلس التعاون الخليجي لوأدها عبر عقد مؤتمر للحوار الوطني بين الفصائل اليمنية. في ذاك الوقت، كانت السعودية ما زالت حليفًا داعمًا متحمسًا لعلي عبد الله صالح، اللي هو إييييه؟ شيعي… شيعي عادي أهو. ولم تتهمه بسب الصحابة ولا الخوض في أعراض أمهات المؤمنين، ولا الكفر والشرك، ولا العمالة لإيران، ولا المجوسية. كان حليفًا، وحليفًا حلوًا.. جميلًا.. قمرًا.

حتى أنه احترق في ذات مرة من المرات التي كان يحترق وينفجر فيها ولا يموت، وقامت السعودية بعلاجه.

اعترض الحوثيون على اتفاق مجلس التعاون الخليجي لحل الأزمة اليمنية وانسحبوا من مؤتمر الحوار الوطني، كانت تبريراتهم الواقعية معقولة: الاتفاق يقسم اليمن إلى ست قطع فيدرالية، هذا التقسيم لا يراعي الخريطة البشرية، هناك مناطق ستنعم بثراء فاحش بينما مناطق أخرى ستتضور جوعًا، والاتفاق يهدف إلى استقطاب اليمنيين وتقسيمهم إلى فئات كل فئة منهم توالي قوة عالمية أو إقليمية مًا. بالاختصار: الاتفاق لن يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة وسيمزق اليمن ويكرس للفساد الإداري. لكن كما نعلم، هذا حديث غير براق، فعدنا مرة أخرى للموت لكل الناس دلوقت حالًا.

يسلم علي عبد الله صالح السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي؛ ينشط تنظيم القاعدة؛ ينفجر ويحترق علي عبد الله صالح ولا يموت (حين مات علي عبد الله صالح بعد انقلابه على الحوثيين الذين كان قد تحالف معهم، قاموا بعرض جثته مبررين ذلك بأن أحدًا لا يصدق أن الموت يسري عليه كما يسري على كل ابن آدم)؛ يتحالف صالح مع الحوثيين؛ يتقدم الحوثيون للسيطرة على صنعاء؛ تنتهي ولاية عبد ربه منصور هادي الذي يحكم اليمن من السعودية، لكنه لا يتنازل عن السلطة؛ يطلب الهادي دعم السعودية وقوات التحالف في عام 2015. ثم تنفجر كارثة إنسانية غير مسبوقة في القرن الواحد وعشرين.

تنخرط قوات التحالف بقيادة المملكة السعودية في جرائم غريبة عجيبة مريبة؛ تتعمد قصف المدنيين، والمستشفيات، والمدارس، حتى تقصف محطات الكهرباء والمياه، طاردة اليمن خارج التاريخ، معيدة إليها أمراضًا وبائية كانت الإنسانية قد انتصرت عليها حتى سقطت من ذاكرتها. مشاهد مروعة، يتجاهلها أغلب الإعلام العالمي والأمم المتحدة والعالم «الحر»، بل إن الأخير كان يدعمها بالسلاح والحماية الدولية، هذا بخلاف قيام الحوثيين بالطبع من جانب آخر باحتجاز الرهائن وتعذيبهم واستخدام المدنيين كدروع بشرية.

أرادت الأمم المتحدة إدراج السعودية في قائمة العار بين الدول التي ترتكب جريمة حرب هي تجنيد الأطفال واستخدامهم في حربها، فأرغت المملكة وأزبدت وهددت بقطع تدفق الأموال عن الأمم المتحدة، وهبّت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لحماية السعودية وإجبار الأمم المتحدة على إسقاط السعودية من قائمة العار. نكشت منظمة هيومان رايتس ووتش شعرها، وظلت تقذف الأمم المتحدة ووسائل الإعلام العالمية ووكالات الأنباء، رغم عدم تقديم هؤلاء تغطية لليمن تليق بحجم الكارثة، بحجارة اتهامات تقاضي الرشاوى والخضوع للضغوط، حتى انتهى الأمر بالمنظمة إلى حجب موقعها على خوادم الكثير من الدول العربية…. إيه ده؟

بعد ثلاثة أعوام من هذه الكارثة الإنسانية، يقدر الله أن تسقط المملكة في بئر خاشقجي الذي فتح عليها أبواب جهنم، وتطل اليمن برأسها الجريح لتقول للعالم ها أنا ذا، فيلتفت إليها العالم مضطرًا.

التاريخ الإنساني مليء بالقصص عن الرؤوس التي قطعت فأحيت بدمائها المهمشين وطاردت قاتلها فنسجت مسارًا جديدًا للتاريخ.

ربما نتشرف – أو نُلعن، الله أعلم – بحضور أحد هذه المشاهد التاريخية.  

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن