ارتفاع أسعار الفائدة.. مكاسب للبنوك وأعباء على الحكومة
 
 

يمثل ثبات أسعار الفائدة عند مستوياته المرتفعة الحالية عبئًا شديدًا على الموازنة العامة، باعتبار الحكومة المقترض الأكبر في السوق، مما  يلزمها بتوجيه جزء كبير من مواردها لسداد الديون وفوائدها المتزايدة، لكنه في المقابل مصدر هام لأرباح المقرضين الذين يستثمرون أموالهم في هذا الدين، وعلى رأسهم البنوك العاملة في السوق المحلي.

وقررت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي، الخميس الماضي، الإبقاء على سعر الفائدة عند مستوى 16.75% و17.75% للإيداع والإقراض على التوالى.

تستثمر البنوك العاملة في السوق المصري ما يزيد على ثلث أصولها في أدوات الدين الحكومية، وتزيد أرباح عدد كبير منها مع ارتفاع الفائدة على أدوات الدين المصرية.

وتشير التقديرات الحالية  إلى أن متوسط أسعار الفائدة على الأذون الحكومية منذ بداية العام المالي الحالي (2018/2019) قد بلغ 19%، مقابل 14.5% تمثل المتوسط الذي كانت الحكومة تستهدفه، بحسب منشور إعداد موازنة العام المالي المقبل.

ويوضح تقرير حديث، أصدرته شركة «شعاع» للأوراق المالية، أن عددًا كبيرًا من البنوك التي أمكن تحليل بياناتها تمثل أكبر المستفيدين من سعر الفائدة، بسبب ارتفاع مستحقاتها لدى الغير وعلى رأسهم الحكومة المصرية.

ويقول محمد سعد، المحلل المالي في «شعاع»، لـ «مدى مصر» إن التقرير يهدف في الأساس لمساعدة المستثمرين في البورصة على اتخاذ قراراتهم بشأن توجيه استثماراتهم لأسهم قطاع البنوك، لهذا فإنه يستعرض أسهم 11 بنكًا من أصل 13 تمثل إجمالي عدد البنوك المطروحة في البورصة، مضيفًا: «جرى استبعاد بنكين لصعوبة الحصول على البيانات الضرورية».

ويحل «أبوظبي الإسلامي» في مقدمة البنوك المستفيدة من مستويات الفائدة المرتفعة، ويليه بنك «البركة» البحريني، ثم بنك «الكويت الوطني» الكويتي، يليه «الاتحاد الوطني» الإماراتي، بناءً على تقرير «شعاع» وتبدو الفوائد أقل بعض الشيء بالنسبة لـ «كريدي أجريكول» الفرنسي  و«التجاري الدولي» و«قناة السويس» المصريين و«قطر الوطني» بينما تبدو الاستفادة هامشية في حالة بنك «التعمير والإسكان». وفي المقابل  يشير التقرير إلى أن بنك «فيصل الإسلامي» و«المصري الخليجي» يتحملان أعباء من مستويات الفائدة المرتفعة.

وأوضح سعد لـ «مدى مصر» أن التقرير يستعرض الفائدة والضرر الواقعين على كل من تلك البنوك؛ من رفع سعر الفائدة أو خفضها، بناء على تقييم ما يملكه البنك وأصوله المالية المستحقة لدى الغير في فترة معينة وبين الالتزامات المالية على البنك في نفس الفترة (ما يسمى بفجوة إعادة التسعير)، مضيفًا أن «الفائدة المرتفعة تحمل تأثيرًا إيجابيًا على البنوك التي تزيد استحقاقاتها لدى الغير (مثل أدوات الدين الحكومية أو القروض للقطاع الخاص) على التزاماتها للغير في فترة  معينة، والعكس صحيح».

وقال سعد إن «ما تهدف إليه هذه المعادلة التي تبدو معقدة هو ببساطة قياس مدى ما تستفيده البنوك من رفع سعر الفائدة في فترة محددة (من 3 شهور وحتى 12 شهرًا بناءً على بيانات المركز المالي في 30 يونيو 2018) وهي الفترة التي يمكن توقع أسعار الفائدة خلالها».

أما في حالة تخفيض سعر الفائدة، والذي يحمل أثرًا إيجابيًا على موازنة الدولة، فإن معظم البنوك لا تحقق استفادة، كما يظهر من تقرير سابق كانت شركة مباشر للخدمات المالية قد أًصدرته لعملائها، في أبريل الماضي، تعقيبًا على خفض البنك المركزي في ذلك الوقت لأسعار الفائدة بنسبة 1%، حيث توقعت مباشر استفادة بنكين فقط من بين  قائمة تضم كل البنوك المطروحة في البورصة.

وكانت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني قد قدرت، في تقرير يعود إلى أكتوبر من العام الماضي، معدل استثمار البنوك المصرية لأصولها في أدوات الدين الحكومية بنسبة 33%، وهي نسبة مرتفعة تشير بالتالي الاستفادة كبيرة من ارتفاع الفائدة على أدوات الدين المصرية.

وتقول رضوى السويفي، رئيس وحدة البحوث  في بنك الاستثمار فاروس، لـ «مدى مصر» إنه «لا يمكن التعميم فيما يتعلق بمدى استفادة قطاع البنوك من سياسة رفع سعر الفائدة بطبيعة الحال، لكن بصورة عامة يمكن القول إن متوسط هامش سعر الفائدة قد ارتفع خلال السنوات الثلاثة الماضية على نحو ملحوظ»، موضحة أن الهامش المقصود يتمثل في سعر الفائدة على الإقراض مطروح منه سعر الفائدة على الإيداع، وهو مصدر  رئيسي للأرباح التي تحققها البنوك.

ويعد متوسط هامش سعر الفائدة في مصر ضمن أعلى المعدلات في العالم، بحسب بيانات البنك الدولي، وبلغ 6.08% في العام الماضي.

نصائح صندوق النقد

تعد سياسة سعر الفائدة المرتفعة إحدى الدعائم الأساسية لاتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، إذ قال الصندوق في بيان صدر بعد الإعلان عن التوقيع على الاتفاق في نوفمبر 2016 إن «تشديد السياسة النقدية لاحتواء التضخم» من ضمن أهم سمات البرنامج الاقتصادي المتفق عليه. وارتبط تطبيق الاتفاق بموجة تضخم كانت متوقعة مع تطبيق سياسة تحرير سعر الجنيه والتي تمثل هي الأخرى إحدى دعائم الاتفاق الذي تحصل مصر بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار.

ويُنظرلرفع سعر الفائدة كأداة نقدية يمكن أن تستخدم لكبح جماح التضخم في أسعار المستهلكين، بما تمثله من إغراء للمستهلكين بإيداع مدخراتهم في البنوك بدلًا من إنفاقها، على نحو يخفض من مستويات الطلب وبالتالي يقلّل من معدلات التضخم، «لكن في بلد كمصر تبدو العلاقة بين التضخم وسعر الفائدة ضعيفة إلى حد كبير، بسبب ضعف اعتماد على البنوك في استثمار المدخرات أصلًا» حسبما يقول محمد سعد.

ويرى صندوق النقد الدولي أن «السياسة النقدية الرشيدة» التي يطبّقها البنك المركزي على حد وصفه، هي التي ساعدت على تخفيض التضخم السنوي من 33% في يوليو 2017 إلى 11.4% في مايو، غير أن التضخم ارتفع مجددًا إلى نحو 16% في سبتمبر 2018، تأثرًا بزيادة أسعار الطاقة في يونيو وزيادة أسعار الغذاء المتذبذبة بدرجة تجاوزت التوقعات في سبتمبر. وعلى المدى المتوسط، يهدف البنك المركزي إلى تخفيض التضخم إلى رقم أحادي (أقل من 10%)، حسب بيان الصندوق حول المراجعة الرابعة للبرنامج الاقتصادي المصري.

لكن الكثير من التحليلات ذهبت إلى أن تراجع معدلات التضخم على أساس سنوي  يعود إلى أسباب محاسبية في المقام الأول تتعلق بعنصر المقارنة مع معدلات شديدة الارتفاع في الفترة نفسها من العام الماضي.

ووفقًا لصندوق النقد، يحل الدين العام المصري كنسبة للناتج المحلي الإجمالي  في المركز الرابع من حيث الحجم ضمن قائمة دول منطقة الشرق الأوسط و آسيا الوسطى، بعد لبنان واليمن والسودان.

وبلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 98% في يونيو الماضي، بحسب ما أعلنته وزارة المالية.

ووصلت مدفوعات خدمة الديون (الفوائد والأقساط المستحقة) لنحو 40% من إجمالي النفقات في موازنة الدولة، معظمها يغطي بند الديون الذي تعاظم الإنفاق عليه بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

واللافت للنظر أن صندوق النقد نفسه حذر في نفس التقرير من ارتفاع مستوى الدين هذا قائلًا: «يتعين اتخاذ إجراء عاجل لمواجهة الديون التي تراكمت في السنوات الأخيرة.. وإذا لم تنتبه الحكومات (في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى) لهذا النداء، فستضطر إلى إنفاق نسب متزايدة من ميزانياتها العامة على مدفوعات الفائدة والسداد الجزئي لديونها المستحقة بدلًا من إنفاقها على الاستثمارات الضرورية في رأس المال المادي والبشري التي من شأنها دعم النمو» بحسب الصندوق.

اعلان
 
 
بيسان كساب