وجبات مُهددة من «حظر الطيور الحيّة»: أرخص ما في الدجاج.. الأرجل والهياكل
 
 
أرخص ما في الدجاج - المصدر: روجيه أنيس
 

1 كيلوجرام «مخلي»: 80 جنيهًا.

1 كيلوجرام «فراخ حمرا»: 35 جنيهًا.

1 كيلوجرام «فراخ بيضا»: 27.5 جنيهًا.

1 كيلوجرام «هياكل»: 10 جنيهات.

1 كيلوجرام «أرجل»: «2 جنيه».

على مدخل محل لبيع الدواجن الحيّة في سوق السيدة زينب، دُوِّن على سبورة بالطباشير أسعار المنتجات التي يقدّمها المحل، وبرؤية الأسعار يمكن التعّرف على التفاوت الاقتصادي بين الشرائح المختلفة للزبائن التي تأتي لشراء دجاجة كاملة أو أحد مشتقاتها التي تُعرض داخل المحل في أطباق بلاستيكية أسفل منضدة يقف أمامها عامل يقوم بتجزئة الدجاج وتوزيع الأجزاء المختلفة في أطباق.

«أيوة في ناس بتيجي تشتري الرجلين والهياكل أكل للكلاب. بس هنا في السيدة زينب الحاجات دي بنبيعها عشان ياكلوها البني آدمين. وليها زبونها ﻷن الفقرا هنا كتير. الحكومة هتجمد الرجلين برضو ويبيعوها للناس دي ولا هتحرمهم منها؟».. هكذا يتساءل راضي (اسم مستعار) عن مصير الزبائن الذين يعتمدون على إعداد وجبات قوامها أرجل الدجاج لتمدّهم بالبروتين في حال تطبيق القانون رقم 70 لسنة 2009، الخاص بحظر بيع الدواجن الحيّة في الأسواق، والذي تنوي عدة وزارات الإعداد لآليات تطبيقه مع بداية مايو المقبل في محافظتي القاهرة والجيزة، بحسب ما نشره «المصري اليوم»، أمس، السبت.

وقبل ما يزيد على 9 سنوات، أُقرّ القانون رقم 70 لسنة 2009 والذي ينصّ على حظر تداول الدواجن الحيّة، وذلك لمنع انتشار مرض أنفلونزا الطيور.

بحسب القانون يكون الذبح حصرًا في المجازر المرخصة، ويحظر بيع الدواجن إلا مجمدة. وجرى العمل به قرابة سنتين قبل أن يتوقف بشكل غير رسمي بداية من 2011 مع قيام ثورة 25 يناير 2001.

«دبح الفراخ شكله وحش. والفراخ المجمدة شكلها شيك. يقوم يدبح الناس الفُقرا» يقول سائق التاكسي، بينما نحن في زحام كوبري قصر النيل. شاكيًا من تراوح سعر كيلو الدجاج منزوع العظم «المُخلي» بين 80 جنيهًا والـ 100.

«القانون ده من أيام مبارك لكن مقدرش يطبّقه [إلا لشهور]. بس الريس [عبد الفتاح السيسي] عايز يطبّق كل اللي مبارك معرفش يطبّقه. وبيعمل جسّ نبض. بس الناس فاض بيها، ومش هتسكت».. هكذا يصر السائق على أن الحديث عن تنفيذ القانون لم يكن إلا بالونة اختبار.

يتماشى كلام السائق مع ما صدر عن وزارة الزراعة من تصريحات وبيانات؛ ففي يوم 9 أكتوبر الماضي أرسلت وزارة الزراعة خطابًا رسميًا إلى محافظة القاهرة للبدء في تفعيل القانون رقم 70 لسنة 2009. فيما أكدت منى محرز، نائبة وزير الزراعة لشؤون الثروة الحيوانية والسمكية والداجنة، في اليوم ذاته على أن تفعيل القانون يهدف للارتقاء بصناعة الدواجن ومنع انتشار الأمراض. وبعد ذلك بيومين، نشرت الصفحة الرسمية للمكتب الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تصريحًا لمنى محرز توضح فيه أن «بعض المواقع تناولت تصريحاتها بشأن تفعيل قانون حظر نقل الدواجن الحيّة على أنه سوف يتمّ تطبيقه من الصباح الباكر، وهذا غير صحيح وحقيقة الأمر هو تهيئة المجتمع استعدادًا لتفعيل القانون». مضيفة أن تطبيق القانون رقم 70 لسنة 2009 «هو مصلحة عامة تهدف لمنع انتشار الأمراض»، وليس لمصلحة كبار التجار كما يظن البعض، ويهدف لتوفير «البروتين الصحي» لجميع المواطنين ومنع احتكار السلعة، بحسب المسؤولة المختصة بـ «شؤون الثروة الحيوانية والسمكية والداجنة».

تتناقض تصريحات المسئولين منذ الإعلان عن العودة لتنفيذ القانون في أكتوبر الماضي؛ فجاء الخطاب الرسمي لوزارة الزراعة الموجه لمحافظة القاهرة واضحًا، وينصّ على بدء العمل بهذا القانون بناءً على تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي. لكن تصريحات وزير الزراعة عز الدين أبو ستيت أفادت بـ «إرجاء تنفيذ القانون.. وتركيز الوزارة في الفترة المقبلة على التوعية المجتمعية للمواطن والتاجر بخطورة تداول وذبح وبيع هذه الطيور الحيّة خارج المجازر»، بحسب ما نشره «الأهرام» في 22 أكتوبر الماضي. فيما قال الوزير: «بيع الدواجن معبأة في أكياس أسلوب حضاري للحفاظ على البيئة».

فيما بدأت وزارات الزراعة، والتجارة، والصناعة، والتموين، والصحة، والتنمية المحلية إعداد آليات لبدء تطبيق القانون بمحافظتي القاهرة والجيزة بداية من مايو المقبل، بحسب ما نشره «المصري اليوم»، أمس، السبت.

تُباع الدواجن الحيّة في المحال، حيث ترد إليها كافة أنواع الطيور من المزارع، وليس الدجاج فقط. وتشكّل «الدجاجة البيضاء» أرخص ما يمكن الحصول عليه مقارنة بطيور أخرى مثل «الدواجن الحمراء»، أو «البط»، أو  «الديك الرومي»، أو «الحمام»، بالإضافة إلى «الأرانب» التي يتمّ بيعها في محال الدواجن. وبعيدًا عن الدواجن التي تُربّى في المزارع يتواجد «الدجاج البلدي» المُربَّى في المنازل، إلا أن سعر الكيلو الواحد من هذا الدجاج يتغيّر من بائع لآخر، وعادة ما يتمّ بيعه في الأسواق من خلال النساء اللواتي يقمن بتربّيته. والدواجن البلدية في كل الأحوال هي الأعلى سعرًا، وذلك لما تتطلبه هذه التربية من وقت حتى تصل الدجاجة لوزن جيد، بالإضافة إلى مجهود النساء في تربيته.

بتأمّل تصريحات معظم المسؤولين للترويج لحظر بيع الدواجن الحيّة، فإن الأسباب التي قُدّمت للمواطنين تنوعت بين ما هو بيئي وصحي واقتصادي. واستندت الأسباب أيضًا على القانون الذي صدر لمنع انتشار «أنفلونزا الطيور». وفي تصريحات سابقة، قال نبيل درويش رئيس «الاتحاد العام لمنتجي الدواجن» لـ «مدى مصر» إن القانون سيقضي على الأمراض الفيروسية مما سيحمي الصناعة من إهدار ما يقدر بنحو   30 – 50% من الإنتاج الداجني.

تسابق المسؤولون على إثبات جودة «الدجاج المجمد»، وأن تطبيق القانون يلائم الشكل الحضاري للمجتمع، إلا أنه يتجاهل شريحة من المصريين لا يمكنها شراء الدجاجة كاملة أو حتى مُقطَعة. ومن ضمن هذه الشريحة أم محمود الأرملة التي تجاوز عُمرها الخمسين، وتعتمد على ما يبقى من الدجاج، وهو ما يتقزز عادة الناس من تناوله؛ الهياكل والأرجل، والرؤوس.

مع انتشار الفراخ منزوعة العظم [ «الفيليه» أو المخلية] دخلت «الهياكل» أو «العفشة» -كما يتمّ تسميتها في المناطق الشعبية- ضمن قائمة منتجات الدجاج، وهي عبارة عن عظام منطقة الصدر والأجنحة المتبقية بعد أن يصبح الدجاج مخليًا من اللحم.

تقول أم محمود، الأرملة التي تحصل على معاش لا يتجاوز ستمائة جنيه، لـ «مدى مصر»: «آه إحنا سمعنا إن شكلنا وحش عشان بندبح الفراخ في الشارع وهما عايزينا نكون شيك زي بتوع أوروبا وأمريكا. حاضر.. ربنا يبعت. همّا عايزنا نموت من الجوع، وإحنا شيك. كتّر خيرهم».

تشتري أم محمود «الهياكل» بسبب حاجة ابنها لمساعدتها المالية في إتمام زواجه. موضحة أنها لا تثق في أي مبرر يتمّ تسويقه لتنفيذ القانون، مضيفة: «ﻷ، الفرخة المجمدة مش أحسن. دي بتقعد في الثلج لما يمصّ لحمها خالص. وتبقى ريحتها وحشة. إيه الكويس فيها بقى؟ وبعدين الفرخة المذبوحة مبروكة أكتر.. وفيها كبد وقوانص».

في مناطق تعيش فيها الشرائح الأفقر مثل السيدة زينب والمنيرة، تتواجد عشرات المحال التي تُباع بها الدواجن الحيّة، حيث لا تستطيع هذه الشرائح من الزبائن شراء حاجتها من البروتين، وإن كانت مُدعمة مثل ما يُباع من منتجات غذائية في عربات تابعة للقوات المسلحة أو وزارتي الداخلية والزراعة.

«الفرراجي» الذي يوفر خدمة التوصيل للمنازل ينتظر كل صباح الزبائن الذين يطلبون «المخلي»، ويصل الكيلو منه لثمانين جنيهًا، وبقدر المُباع منه يتوفر لديه «هياكل» تُباع بعشرة جنيهات للكيلوجرام، ويتمّ بيعها أحيانًا بالحجز المُسبق لتسابق بعض الزبائن عليها، خاصة بعد ارتفاع أسعار الدجاج. وفي حال تناقص الإقبال على «الدجاج المخلي» لارتفاع سعره، يقل المعروض لديه من «الهياكل».

الارتفاع في أسعار الدواجن خلال الأعوام الأخيرة أدى إلى تغيير نمط بعض الشرائح في شرائها، واضطرت بعض الأُسر للتوجه لشراء الهياكل. «الست تعدي عليّ تقول لي أحجز لي كيلو ولا اتنين هياكل، عشان متضمنش تلاقي لو بعتهم كلهم، وبصراحة زباين الهياكل زادوا، واللي كان بياخد فرخة واحدة كل شهر بقى ياخد بدالها هياكل مرتين في الشهر» يقول راضي، صاحب محل بيع الدواجن، لـ «مدى مصر».

فيما تقول أم محمود:  «أنا كنت بقرف من الهياكل في الأول. لكن دلوقتي بقيت بَاكُلها. من سنتين كانت الـ 100 جنيه تجيب 3 فرخات. دلوقتي يا دوب بتجيب واحدة. تخيلي لما ميكنش قُدامنا  غير المجمد اللي بسبعين جنية وأكتر.. وهيزيد زي ما كل حاجة بتزيد. مش هنشَمّ ريحة الفراخ خلاص».

اعلان
 
 
كارولين كامل