توابع اغتيال خاشقجي تصل مصر
 
 
مؤتمر صحفي لوزراء خارجية الرباعي العربي في يناير الماضي
 

بتناول مقتضب للغاية استوعبت وسائل الإعلام المصرية الرسمية، وتلك الخاصة نظريًا والرسمية فعليًا، التصريحات الصادرة ظهر الخميس الماضي من النيابة العامة والخارجية السعوديتين حول تطورات جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

ولم يختلف ما جاءت به نشرات الأخبار والعناوين الصحفية في اليوم التالي، الجمعة، عن فحوى تغريدة للصحفي والنائب مصطفى بكري، المقرب من النظامين المصري والسعودي، حيث كان المفاد الموجز والمعمم هو أن السعودية تتعامل مع الأمر بشفافية، وأن المتورطين في ارتكاب أية مخالفات قانونية سيلقون العقاب القانوني، وأن استقرار السعودية هام لاستقرار المنطقة.

وكانت النيابة السعودية قد أعلنت ظهر الخميس عن توجيه الاتهام إلى 11 من نحو 20 من المسؤولين السعوديين الذين تم توقيفهم -حسب المعلن- على خلفية تورطهم في جريمة قتل خاشقجي، التي وقعت في الثاني من أكتوبر الماضي، والتي راوغت الرياض كثيرًا قبل الاعتراف بها تحت ضغط دولي واضح. كما أعلنت النيابة أن خمسة من هؤلاء الـ 11 ستوجه إليهم تهمة القتل، ليكون جزاءهم الشرعي هو القتل بالسيف بحسب القوانين المطبقة في المملكة.

وفي أعقاب ذلك قام وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، والذي لم يتحدث علنًا بشأن هذا الملف إلا بعد مرور أكثر من أسبوعين على اشتعال فتيله، بعقد مؤتمر صحفي ليؤكد أن السلطات السعودية ماضية في المسار القانوني المتبع وأنها لن تقبل بتحقيق دولي في شأن سعودي.

الإعلان السعودي جاء بعد نحو أسبوع واحد من تصريحات مبهمة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي لم يكن قد تحدث سابقًا في الأمر، وذلك خلال إحدى مداخلاته الغزيرة في منتدى الشباب بشرم الشيخ، حين قال ما مفاده إنه لا يفهم أسباب عدم تصديق الرأي العام لما تقوله السعودية بشأن الجريمة.

كانت القاهرة قد تجاهلت في البداية مقتل خاشقجي، الذي سبق له أن انتقد دعم الرياض للنظام الحالي في مصر، ثم أصدرت الخارجية المصرية، بعد نحو أسبوع من «اختفاء» الكاتب السعودي بعيد دخوله قنصلية بلاده في اسطنبول، بيانًا نددت فيه بمحاولة تسييس القضية للنيل من المملكة رغم ما لها من دور سياسي إقليمي هام. لاحقًا وبعد أن اضطرت الرياض للاعتراف بأن الرجل قُتل ولم يخرج من القنصلية بحسب ما ادعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عادت الخارجية المصرية  لتصدر بيانًا تاليًا يشيد بالجهد الذي تبذله السعودية في سبيل إجلاء الحقيقة حول مصير خاشقجي.

مسؤول حكومي مصري مطلع على الملف، تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته، قال إن البيان الأول صدر بناء على «طلب سعودي» نقله مسؤول سعودي لنظيره المصري في مكالمة هاتفية شدد خلالها على ثقته في موقف بلاده، وأن الأمر لا يتطلب سوى الصمود قليلًا في مواجهة ما أسماه «ألاعيب إردوغان»، قاصدًا الرئيس التركي الذي كانت علاقة بلاده بالسعودية قد شهدت توترًا متزايدًا خلال العامين الماضيين على خلفية ارتفاع أسهم وزيادة دور محمد بن سلمان وتوافقه الكامل مع السياسة الإقليمية المناوئة للإسلام السياسي، وهي السياسة التي صاغها وينفذها بجلد محمد بن زايد، الرجل الثاني والحاكم الفعلي للإمارات.

وتزامن البيان المصري الأول مع صدور بيانات مماثلة عن عدد من العواصم العربية «وثيقة الصلة» بالرياض وكذا الأمانة العامة للجامعة العربية. أما البيان المصري الثاني، والذي جاء بعد أيام قليلة، فيقول المسؤول نفسه إنه جاء «لمواكبة التطورات؛ بعدما قرر السعوديون الاعتراف بسبب ضغوط كبيرة جاءت أساسًا من واشنطن التي أبلغت الرياض استياءها من هذه العملية التي تسببت في وضع الرئيس الأمريكي في موقف المدافع عن صلته الوثيقة مع بن سلمان أمام الإعلام الأمريكي المناوئ له في المقام الأول».

المسؤول المصري نفسه أكد في مقابلات متعددة خلال الأسابيع الستة الماضية أن «الموضوع يبدو أنه يزداد تعقيدًا بالنسبة للسعوديين»، خاصة بعد تصريح أدلى به الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأن الترتيب لهذه العملية كان سيئًا جدًا وأن محاولة التغطية على ما تم كانت «الأسوأ في التاريخ»، بحسب ترامب.

وأضاف المسؤول أن الأمر بالنسبة للقاهرة لا يتعلق بمتابعة الثمن المالي الذي قال إن السعودية تدفعه اليوم لتفادي المزيد من التصعيد باتجاه توجيه اللوم لشخصيات سعودية رفيعة، بينها بالتأكيد ولي العهد، ولكن بالثمن السياسي الذي ستحدث على إثره تغييرات في السياسات الإقليمية، «سيكون علينا بالتأكيد التعامل مع بعض آثاره خاصة في ضوء ما يجمعنا من تحالف قوي مع الرياض تم تشييده بدعم إماراتي عبر السنتين الماضيتين»، بحسب المسؤول.

مسؤول مصري ثانٍ على صلة وثيقة بملف العلاقات المصرية السعودية، قال إن القضية الأولى التي تهتم بها القاهرة هي مصير الكيان المفترض الذي أُطلق عليه بشكل غير رسمي اسم «الرباعي العربي»، والمكون من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، والذي تحرك منذ قرابة عام ونصف العام لفرض عزلة سياسية واقتصادية عربية على قطر تحت عنوان رفض دعمها للإرهاب.

وبحسب المسؤول الثاني، فإن منطلق مصر من التماشي مع التحالف لم يكن قاصرًا على رفضها لموقف قطر الرافض للتغييرات السياسية التي شهدتها مصر في صيف 2013 من إنهاء مبكر لرئاسة محمد مرسي بعد عام واحد من انتخابه، أو حتى من أن الدوحة هي مقر استضافة عدد غير قليل من قيادات الإخوان المسلمين، وأيضا قنوات تليفزيونية تناصب نظام الحكم المصري العداء، بل أيضًا بسبب السياسات الإقليمية لقطر الداعمة لصعود الإسلام السياسي في كل الدول العربية، بدءًا بدول الربيع العربي، في مسعى لصياغة تكتل عربي موالٍ لتركيا – إردوغان.

على مدار الأسبوعين الماضيين راقبت القاهرة عن كثب الاتصالات والتصريحات ذات الصلة، وأجرى مسؤولون عن السياسة الخارجية والأمن القومي المصريين مشاورات داخلية واتصالات ومقابلات خارجية، تضمنت نظراء لهم في الإمارات والسعودية، كانت خلاصتها جميعًا بالنسبة للقاهرة أن هناك نية لدى الرياض لتقديم قدر من التنازلات ناحية الدوحة.

ويقول المصدر الأول: «الأمر يجري بناء على طلب أمريكي مباشر نقله وزير الخارجية الأمريكي لكبار المسؤولين الذين التقاهم عند زيارته الرياض في الأيام الأولى للأزمة، حيث علمنا أنه أبلغ الملك سلمان أن الوقت قد حان لتخفيف كل أشكال التوتر في منطقة الخليج وتحسين العلاقات توطئة لبناء تحالف عربي سني قوي يواجه إيران».

المصدر نفسه أضاف أن الملك سلمان أبلغ محمد بن زايد خلال زيارة قام بها الأخير للسعودية الأسبوع الماضي، والتقي فيها العاهل السعودي نفسه وليس ولي عهده، أنه سيكون علي الجميع النظر في مقتضيات اللحظة الراهنة وربما الانحناء أمام العاصفة، وهو الأمر الذي يبدو أن بن زايد يقترب من الاقتناع به، خاصة أنه كان أيضًا متوجسًا في بدايات الأزمة وقام بإلغاء كل نشاطاته الخارجية.

أضاف المصدر أن الإمارات كانت الأكثر تحمسًا لعزل قطر، بل إن هناك في أبوظبي من كان يدعو لتحرك أكثر حسمًا عما حدث بالفعل، باتجاه قطر.  

وتتفق هذه الرواية مع تساؤلات كان دبلوماسيون أوربيون في القاهرة قد أثاروها مع بدء إعلان الحصار صيف العام الماضي، حول دقة رواية قطرية قدمت لنظرائهم في الدوحة مفادها أن الإمارات قامت باختراق نظام الإعلام القطري للترويج لأنباء مغلوطة مثيرة للفتنة وأنها كانت تسعى لإقناع القاهرة والرياض بالقيام ببعض التحركات العسكرية المحدودة بحق قطر بدعوى إيوائها لعناصر إرهابية تريد أن تنال من استقرار دول عربية رئيسية.

المصدر المصري ينفي علمه بأنه كانت هناك تصورات بهذا الشكل، «بالنظر إلى أن قطر هي في النهاية مقر لقاعدة عسكرية أمريكية وبالنظر لأن محاولات قامت بها السعودية لإقناع ترامب بنقل هذه القاعدة من قطر لم تجد آذانًا صاغية».

اليوم، يقول المصدر نفسه، هناك معلومات لدى القاهرة بأن الإمارات تبدو أقل تصلبًا في رفضها لإنهاء العزلة المفروضة على قطر، «بل إن لدينا معلومات تفيد بأن بعض اللقاءات قد تمت بين مسؤولين أمنيين من البلدين بحضور نظراء لهم من دول غربية للنظر في بعض الأمور والمتطلبات علي الجانبين».

يقول المصدر إن الأمر محل مناقشات بين العواصم الأربعة، وأضاف أن الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قبل أسبوع إلى البحرين -الحلقة الأضعف في التحالف الرباعي، والبلد الذي لا تتباعد سياسته قيد أنملة عن تلك التي تتبعها المملكة العربية السعودية- وكذلك البيان الذي صدر عن الزيارة؛ لتأكيد مواقف الرباعي العربي والمطالب الـ 13 التي تبناها في مطلع الأزمة، ليسا سوى تعبير عن أن القاهرة لا تريد أن تتحرك الأمور سريعًا في اتجاه إعفاء قطر من مسؤولية مناوءة النظام المصري بل والتحريض ضده، «ولكننا نعلم في النهاية أن الحسابات داخل السعودية اليوم، بل وداخل الإمارات، شديدة التعقيد وشديدة الحساسية وأن الولايات المتحدة راغبة في المضي قدمًا في تكوين التحالف العربي العسكري المعروف باسم ميسا أو الناتو العربي، وأننا لسنا بالضرورة بعيدين عن تحلحل في صياغة الرباعي العربي».

وبحسب المصدر الثاني، فإن اهتمام مصر بمصير التحالف العربي لم يكن قاصرًا على رغبتها في عزل قطر، بل كان أيضًا مرتبطًا برغبة مصر في إجبار قطر على تخفيف، بل وربما إنهاء كافة أشكال دعمها للإسلام السياسي، خاصة في دول لها أهمية كبيرة بالنسبة لمصالح مصر الاستراتيجية كليبيا وسوريا. ويقول المصدر نفسه إن الضغط الذي وقعت تحته قطر أجبرها بالفعل على تعديل بعض اختياراتها الخاصة بدعم الفئات الإسلامية في هاتين الدولتين مما سهل حلحلة الأمور فيهما، ومكن القاهرة من تمرير أفكارها ودعم حلفائها في هذين البلدين وخاصة ليبيا، التي كان اختراقها من قبل إسلاميين، بحسب اللوم الرسمي المصري، سببًا في عمليات إرهاب شهدتها مصر قبل وقوع قطر تحت العزلة.

لكن الأسابيع القليلة الماضية شهدت أيضًا تغييرًا ما في الموقف السعودي، بل والموقف الإماراتي، من المساحة التي تقبل بها الرياض وأبو ظبي للإسلام السياسي في معادلة ليبية يسعى المبعوث الأممي غسان سلامة لإيجادها توطئة لوضع أساس لإنهاء الأزمة الليبية. هذا التغيير، بحسب دبلوماسي أوروبي متابع مباشرة لملف ليبيا، انعكس على موقف مصر، التي قال إنها أصبحت أقل تصلبًا في رفضها لمشاركة الإسلاميين في التشكيلة السياسية النهائية في ليبيا، «طالما بقي الجيش في يد خليفة حفتر الذي دعمته مصر من البداية».

ولا يخفي الدبلوماسي الأوروبي نفسه انبهاره من مدى التغيير الذي حل على الموقف المصري مؤخرًا، والذي سمح بمشاركة الرئيس السيسي بنفسه في مؤتمر باليرمو حول ليبيا قبل أيام، رغم مشاركة رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري، الممثل لتيار سياسي يشير المسؤولون المصريون دومًا إليه بأنه «إخوان ليبيا». ويقول المصدر: «كانت مصر ترفض سابقًا مجرد أن يشارك المشري في أي اجتماع، وسبق أن أعربوا للفرنسيين في وقت سابق هذا العام عن غضبهم من مشاركة المشري في اجتماع حول ليبيا نظمته باريس في مايو»، وسجلت القاهرة رسالة سياسية عبر تمثيل على مستوى منخفض فيه تمثل في إبراهيم محلب، مستشار الرئيس للمشروعات القومية. ويضيف: «لكن قبل أيام وجدنا السيسي والمشري في باليرمو معًا، وهذا ليس من عمل إيطاليا ولكن من عمل التطورات السياسية في المنطقة والتي يبدو أن القاهرة تتفاعل معها بواقعية رغم أن الإسلام السياسي يبقى كما نعلم العدو الأول في نظر للنظام المصري».

عزل الإسلام السياسي لم يكن قاصرًا على ليبيا وسوريا خلال العامين الماضين اللذين شهدا تحركًا سياسيًا إقليميًا تفاهمت عليه القاهرة وأبو ظبي، ثم لقي دعمًا كاملًا من الرياض مع ارتفاع أسهم بن سلمان -الذي يقول دبلوماسيون غربيون في المنطقة إنه رديف سياسي كامل لبن زايد- وإنما شمل أيضًا اليمن، حيث صعّدت الإمارات جهودها العسكرية متجاوزة الرياض رغم كون الأخيرة القائد المعلن للتحالف العسكري الذي يحاول خلال السنوات الأربع الماضية، دون نجاح كبير، إلحاق خسائر موجعة بالحوثيين الموالين لإيران والرافضين للحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا.

كانت مصر قد رفضت إرسال جنود على الأرض للقتال في اليمن، ما أثار غضب السعودية كثيرًا، واكتفت بأن تتولى مسؤوليات إعانة لوجستية إلى جانب تقديمها لجهد واضح في حماية مضيق باب المندب الإستراتيجي. ولم تكن مصر، بحسب المسؤول المصري الثاني، متحمسة في أي وقت لحرب اليمن، حيث لم تكن تظن إنها الخيار الأفضل لدعم الحكومة اليمنية الشرعية، واقترحت في البدايات أفكارًا مختلفة لخلق صياغة سياسية تؤدي إلى عزل الحوثيين إلى حد كبير.

وتعلم القاهرة أن السعودية لم يكن لها أبدًا أن تتنازل عن سيطرتها الفعلية على اليمن -الموصوف غربيًا بأنه الفناء الخلفي للمملكة؛ فالقاهرة تعلم بتفاصيل التدخل السعودي المبكر لإيقاف مد التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في عام 2011 والتي أدت في صياغة ملتبسة لإنهاء حكم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي استضافته السعودية قبل أن يعود وينقلب عليها في صفقة سياسية قربته من الحوثيين لينقلب عليهم لاحقًا فيقتلونه ثم يبرز ابنه المقيم في الإمارات منذ اندلاع تظاهرات الديمقراطية في اليمن كورقة سياسية بديلة. كما أن القاهرة تعلم أن السعودية تشعر أنها خسرت مناطق نفوذ لا يستهان بها في العراق ولبنان وسوريا لصالح عدوها الأقوى إيران، وأنها مقابل مواجهة إيران بحسم مضت قدمًا في عقد صفقات سلاح سخية مع الولايات المتحدة الأمريكية ورفعت من مستوى تعاونها شبه المعلن مع إسرائيل.

اليوم أيضًا وبعد تفاعلات قضية خاشقجي تبدو الأمور في اليمن تتفاعل، بقبول سعودي، نحو مسار مختلف لن يتم فيه عزل الإسلام السياسي السني الممثل في حزب الإصلاح (إخوان اليمن). وبحسب المصدر المصري الأول فإن قرار بن زايد استقبال ممثلين عن حزب الاصلاح، بل والتغريد بصور اللقاء على حسابه الرسمي على تويتر، لم يكن ليتم لولا الضغوط التي يمارسها الأمريكيون على الرياض وأبو ظبي، والتي قامت على أساسها بريطانيا (راعية ملف اليمن بمجلس الأمن) بطرح صياغة سياسية لا تستثني حزب الإصلاح وقبلت الرياض وأبو ظبي التفاعل معها.

ويضيف المصدر نفسه أن أحدًا لا يتحدث إطلاقًا عن أن السعودية أو الإمارات أو حتى البحرين سيغيرون جذريًا من مواقفهم بحق الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات المشابهة، ولكن ستكون هناك بالتأكيد مواءمات، خاصة وأن الضغوط من الإدارة الأمريكية والكونجرس لإنهاء الحرب في اليمن تزيد بسبب الأوضاع الإنسانية المتفاقمة.

ولا يعتقد المصدر أن هناك نية لدى ابن سلمان أو ابن زايد في تقديم تنازلات كبيرة بحق الإسلام السياسي لأن ذلك ببساطة لا يتفق مع مصالحهما المباشرة في صياغة نظام إقليمي يقوم على تفاهمات واضحة من أن المصلحة الاقتصادية والأنظمة القوية هي الأساس للاستقرار، ولكنه يقول إن المتوقع أن مساحة الإسلام السياسي في ترتيبات ليبيا واليمن وربما حتى سوريا أصبحت مرشحة للزيادة، «ولكن أحدًا لا يتخيل أنه ستكون لهم الكلمة العليا كما كان أردوغان يرغب».

محمد بن سلمان إذن، بحسب المصدر نفسه، وبدرجة أقل محمد بن زايد، في مرحلة مواءمات إقليمية «وأيضًا داخلية لأن هناك نقاشات تجري داخل الأسرة المالكة في السعودية ونقاشات تجري بين آل زايد وآل مكتوم» في الإمارات حول خيارات البلدين، لكن الرجلين بحسب المصدر لا يتوقع أن يتعرضا لوعكات سياسية كبيرة.

ويقر المصدر بما يتحدث عنه دبلوماسيون غربيون في القاهرة بصورة متزايدة من أن هناك مناوءة من قبل أجنحة في بلاط الحكم في الرياض وأبو ظبي لخيارات ابن سلمان وابن زايد، بما في ذلك ما يتعلق بالدعم غير المشروط للوضع السياسي في مصر بشكل كبير ومباشر، حتى لو كان ذلك قد تم مقابل مصالح مباشرة شملت تسليم مصر للسعودية جزيرتي تيران وصنافير، وتسليم مصر أيضًا علي مضض بدور متزايد للإمارات في صياغة استراتيجية وأمن البحر الأحمر، بما في ذلك الخطوة التي قامت بها الإمارات دون الرجوع لمصر قبل شهور من جمع غريمي القرن الإفريقي، رئيسي أثيوبيا وإريتريا، لإعلان صلح تاريخي تبعه قيام الرئيسين بالتوجه للسعودية دون المرور بمصر لعقد المصالحة، فضلاً عما تحدث به دبلوماسي إثيوبي سابقًا عن تحركات تقوم بها الإمارات بالتعاون مع إثيوبيا تحديدًا لإعادة صياغة مفردات أمن البحر الأحمر.

السؤال بالنسبة للقاهرة بحسب المصدر ليس إذن عن احتمالات بقاء الرجلين اللذين قدما الدعم الأكبر للسيسي أم لا، كما أنه ليس ما إذا كانت مصر ستبقى محل دعم الرياض وأبوظبي لأن هذا الدعم قائم وكان موجودًا بوضوح «حتى في دعم مبارك في مواجهة المظاهرات في يناير 2011». لكن السؤال هو بالأحرى؛ لأي مدى يمكن للقاهرة أن تعتمد اليوم على أبو ظبي والرياض في صياغة واقع إقليمي جديد كانت مصر مستعدة فيه واقعيًا للتنازل عن دور القيادة والقبول بدور المشارك في القيادة مقابل استقرار اقتصادي بل ورخاء محتمل.

«طبعًا نحن ما زلنا في حاجة للدعم الاقتصادي من السعودية والإمارات وخاصة أن آثار الإصلاحات الاقتصادية تبدو شديدة على قطاع غير صغير» من المصريين، يقول المصدر نفسه.

ويعترف المصدر أن جزءًا من المشكلة التي ستكون على القاهرة مواجهتها في نفس توقيت تراجع قدرة الرباعي العربي وارتفاع محتمل لحظوظ الإسلام السياسي هي ليست فقط في صورة ترتيبات التوصل لتسويات سياسية في ليبيا واليمن وربما سوريا، ولكن أيضًا في تزايد قوة تركيا الإقليمية بموافقة سعودية مقابل عدم زج أنقرة باسم ولي العهد السعودي بصورة مباشرة في قضية خاشقجي، فضلًا عن التطور الأمريكي الأخير المتمثل في سيطرة المعارضة الديمقراطية على مجلس النواب بالكونجرس الأمريكي «وبالطبع الديمقراطيون لهم مطالب تقليدية فيما يتعلق بقضايا الحريات والديمقراطية»، بحسب المصدر.

وبحسب مصدر قريب من دوائر صنع السياسة الخارجية المصرية في ما يخص واشنطن، فإن هناك نقاشات موسعة تجري حاليًا داخل دوائر السلطة في مصر لتشكيل مجموعات عمل تهدف للقيام بسلسلة من الزيارات واللقاءات مع شخصيات مؤثرة في العاصمة الأمريكية لضمان ألا يؤدي الصعود الانتخابي الأخير للديمقراطيين في الولايات المتحدة لضغوط مكثفة على مصر في ما يتعلق بقضايا سياسية بعينها، ويضيف: «مصر تتحرك بحسم على جبهتين: الأولى هي ضمان تخفيض الفاتورة التي سيكون على القاهرة تقديمها فيما يخص السياسة الداخلية بسبب صعود الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي، والثانية ضمان أن أي صفقة سياسية إقليمية تقدمها السعودية لتجاوز أزمة خاشقجي لن تشمل أي ضغوط على القاهرة بشأن شؤونها الداخلية». مضيفًا بنبرة بدت تحاول التفاؤل: «لقد مررنا بأوقات صعبة سابقًا ولكننا واثقون من أننا قادرون على أن نمضي قدمًا رغم كل شيء».  

اعلان
 
 
أسمهان سليمان