كيف سيؤثر «التجديد النصفي للكونجرس» على مصر والسيسي
 
 

في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي يوم 6 نوفمبر الجاري حقق الحزب الديمقراطي انتصارات في الدوائر الانتخابية في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، ما منحه السيطرة على مجلس النواب للمرة الأولى منذ 8 سنوات.

كان الديمقراطيون يحتاجون إلى الفوز بـ 23 مقعدًا فقط ليحصلوا على الأغلبية البرلمانية، ولكنهم حصلوا على 35 على الأقل، وحصلوا على الأغلبية بـ 229 مقعدًا في مقابل 198 فقط للجمهوريين، إضافة إلى 10 مقاعد لم تُحسم بعد. وقد يصل عدد المقاعد التي فاز بها الديمقراطيون إلى 40 مقعدًا بعد الانتهاء من الفرز، وفقًا لوكالة أنباء «أسوشيتد برس».

من جهة أخرى، حصل الجمهوريون على مقعد إضافي واحد في مجلس الشيوخ، ما منحهم الأغلبية بواقع 51 مقعدًا في مقابل 47 مقعدًا للديمقراطيين.

بذلك أنهت النتائج احتكار الحزب الجمهوري للكونجرس، كما وجّهت ضربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتصف فترة رئاسته الأولى. لكن ما عواقب ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية؟ وبشكل أكثر تحديدًا، ماذا تعني نتائج التجديد النصفي للكونجرس لمصر؟ لعل الإجابة الأرجح عن هذا السؤال هي أن كل الاحتمالات واردة.

فحاليًا يندر أن  يدور نقاش في الكونجرس حول مصر، وهناك نوع من التسليم بالوضع الراهن. من ناحية أخرى، فإن تراجع الدور القيادي التاريخي لمصر في الشرق الأوسط، وبروز الانتقادات مؤخرًا لحلفائها من دول الخليج مثل السعودية، وتشكك واشنطن المتزايد –وخاصة من جانب الديمقراطيين- في قيمة مصر كشريك استراتيجي للولايات المتحدة، كل ذلك ربما يؤدي إلى مزيد من التركيز على مراقبة الأوضاع المصرية.

أمريكا ومصر

تتمتع مصر منذ عقود من الزمن بدعم قوي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والعلاقة بين البلدين راسخة منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979. وكان وضع القاهرة كشريك استراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط يطغى دائمًا على أي قلق أمريكي بشأن الديمقراطية وأوضاع حقوق الإنسان في مصر، فقد دعم البيت الأبيض والكونجرس دائمًا النظام المصري، بغض النظر عن الحزب الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويأتي الجزء الأكبر من التمويل الأمريكي المقدّم للنظام المصري في شكل حزمة مساعدات عسكرية سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي، لم تطرأ عليها تغيرات كبيرة على الرغم من بعض التقلبات السياسية على مدى السنوات القليلة الماضية.

ففي عام 2013، أوقف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إمدادات بعض المعدات العسكرية في أعقاب «مذبحة رابعة»، قبل استئنافها مرة أخرى بعد أقل من عامين. وقلّص الرئيس ترامب أو جمّد بعض التمويل العسكري في 2017، على خلفية قلق بشأن قضايا حقوق الإنسان وعلاقات مصر مع كوريا الشمالية، ولم تُرفع تلك القيود إلا في وقت سابق من العام الجاري. وتعتبر مصر ثاني أكبر مستفيد من المساعدات العسكرية الأمريكية بعد إسرائيل. وظلت القيمة المادية للمعونة ثابتة نسبيًا، في حين تزايدت شروطها.

فمنذ عام 2012، أصدر الكونجرس تشريعات مُحددة لتعليق المساعدات العسكرية ما لم تثبت وزارة الخارجية الأمريكية أن مصر تتخذ خطوات مختلفة لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن تقارير الخارجية الأمريكية حول مصر قد اعترفت بتجاوزات واسعة النطاق، من بينها القتل خارج إطار القانون والتعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، فقد أصدر وزراء الخارجية من الديمقراطيين والجمهوريين بانتظام إعفاءات تستند إلى مصالح الأمن القومي الأمريكي من أجل التغاضي عن هذا الشرط التشريعي ومواصلة التمويل في ظل تلك التجاوزات.

من ناحية أخرى،فقد  تقلّصت المعونة الاقتصادية لمصر على نحو كبير. فعلى مدى العقدين المنصرمين، انخفضت المعونة الاقتصادية بقيمة تتجاوز 90%، أي من 833 مليون دولار أمريكي في 1998 إلى 75 مليون دولار أمريكي لعام 2019، وهو أقل مبلغ منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

«هناك اتجاه منذ أمد طويل نحو تقليص دعم الكونجرس لعلاقات الولايات المتحدة مع مصر» تقول ميشيل دَن، الباحثة بمؤسسة «كارنيجي للسلام الدولي»، والمسؤولة السابقة في الخارجية الأمريكية والمتابعة للشؤون المصرية عن كثب. وتضيف: «وسوف تعزز نتائج انتخابات التجديد النصفي هذا الاتجاه».

السياق الإقليمي

بسيطرتهم على أحد مجلسي الكونجرس، يتطلع الديمقراطيون إلى مواجهة سياسات ترامب الداخلية والخارجية، ومن بينها موقفه من قضايا الشرق الأوسط.

وأدى مقتل الصحفي جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين في القنصلية السعودية في تركيا الشهر الماضي إلى تسليط الضوء بشكل غير مسبوق على العلاقة المتينة بين واشنطن وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكذلك على توّرط الولايات المتحدة في الحرب الكارثية التي تدور في اليمن.

ورغم تراجع الاهتمام الأمريكي بمصر، فإن تصاعد حدة الانتقادات لحلفائها في الخليج –السعودية والإمارات العربية المتحدة- خصوصًا من جانب الديمقراطيين، قد يؤدي كذلك إلى تصاعد الانتقادات ضد النظام المصري.

«لا يمكن أن تتقلص التغطية الإعلامية الأمريكية للأوضاع المصرية أكثر مما هي عليه الآن» يقول جوشوا ستاكر؛ الأستاذ المساعد للعلوم السياسية بجامعة كنت ستيت ومؤلف كتاب «الأوتوقراطيون المتكيفون: سلطة النظام في مصر وسوريا»، مضيفًا: «لكن التركيز بدأ يتزايد على مجموعة من السياسات التي فقدت مصداقيتها بسبب احتضان ترامب لها، ومن المؤكد أن الموقف من مصر في القلب من تلك السياسات. ويُعد ترامب جوهريًا بالنسبة للسيسي».

بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من أقوى المدافعين عن السيسي خلف الأبواب المغلقة في مقر الكونجرس بكابيتول هيل. لكن جهودهما الخاصة في كسب التأييد أصبحت أقل وزنًا في الوقت الراهن. «كان السعوديون والإماراتيون يلتقون سرًا بأعضاء الكونجرس، ويذهبون إلى أعضاء الإدارة الأمريكية، محاولين إقناعهم بعدم ممارسة أي ضغط على السيسي. وإذا أصبح هؤلاء الأشخاص ونهجهم موضع شك، فإن فعاليتهم بالتالي تصبح محدودة» تقول ميشيل دَن.

وفي الوقت الذي يتفق فيه المحللون على أن مصر لم تعد ذات أهمية استراتيجية لواشنطن، فإن المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر ما زالت تمثل ما يقرب من 25% من مساعدات الولايات المتحدة العسكرية عالميًا، ولا تزال تعد من المسائل الهامة عند مناقشة الموازنة الفيدرالية سنويًا .

«ما يحدث في مصر يحظى بتغطية إعلامية أقل من السابق، لكن هناك استثناءً واحدًا مع ذلك» يقول أندرو ميلر، نائب مدير «مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط»، والمدير السابق لملف القضايا العسكرية الخاصة بمصر وإسرائيل في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد أوباما. موضحًا: «عندما يحين وقت مناقشة تخصيص المساعدات في الكونجرس، تُسلط الأضواء على مصر. هذا هو الوقت الذي توضع مصر تحت المجهر، على الرغم من عدم تغير مواقفها».

المتوقع من الكونجرس الجديد

على مدى السنوات الأخيرة تصاعدت الانتقادات ضد مصر في مجلس الشيوخ أكثر من مجلس النواب. كان الشيوخ الديمقراطيون مثل باتريك ليهي وكريس ميرفي، والجمهوريين مثل ليندسي جراهام والراحل جون ماكين ينتقدون الرئيس السيسي بشكل متصاعد، خاصة فيما يتعلق بـ «قانون الجمعيات الأهلية» في مصر.

ولكن مع سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، ربما سيطرأ بعض التغيّر إزاء مصر في الكونجرس.

«لن نشهد تغيّرًا كبيرًا على الموقف الراهن إزاء مصر في مجلس الشيوخ» يقول ميلر، موضحًا: «سيواصل البعض التشكيك في أهمية مصر كشريك استراتيجي، ولكننا لن نرى تغيّرًا جوهريًا».

التغيّر ربما يحدث في مجلس النواب، حيث سينضمّ إليه عدد من الوجوه الجديدة ويرحل عنه عدد من الوجوه القديمة.

فمن بين الجمهوريين الحاليين الذين فقدوا مقاعدهم أمام منافسيهم من الديمقراطيين واحد من أكبر مؤيدي السيسي في الكونجرس، وهو دانا رورابيكر، عن ولاية كاليفورنيا.

كان رورابيكر قد وصف السيسي في السابق بأنه «مدافع عن القيم التي نؤمن بها». وفي 2014 قام بتأسيس مجموعة «أصدقاء مصر» في مجلس النواب، بهدف تدعيم العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر. والتقى بالرئيس السيسي عدة مرات، من بينها زيارته إلى القاهرة في فبراير 2017 لتعزيز العلاقات بين البلدين عقب تنصيب ترامب.

«ما سيخسره السيسي هو المديح المفرط وفرصة للدعاية عند مناقشة العلاقة مع مصر» يقول مايكل وحيد حنا؛ الباحث في مؤسسة Century Foundation. مضيفًا: «رورابيكر كان فاعلًا هامشيًا ولم يلعب قط دورًا مركزيًا في مناقشات حزبه للسياسات الداخلية أو الخارجية».

من جهة أخرى، يتمتع عدد من الديمقراطيين المُنتخبين حديثًا بخبرة طويلة في قضايا الأمن القومي والشؤون الدبلوماسية، ويتطلعون إلى أن يتحدون سياسات الرئيس ترامب الخارجية، وعلى رأس هؤلاء توم مالينوفسكي، الذي هزم نائبًا جمهوريًا  اُنتخب لخمس دورات برلمانية عن دائرة الكونجرس السابعة في نيوجيرسي.

شغل مالينوفسكي منصب مدير مكتب منظمة «هيومن رايتس ووتش» في واشنطن في الفترة من 2001 إلى 2013، حيث قاد حملة المنظمة لإنهاء استخدام الولايات المتحدة للتعذيب وأماكن الاعتقال السرية. بعدها انضم إلى إدارة أوباما في 2013، في منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمال. وفي العام الماضي قدّم تقييمًا قاسيًا للرئيس السيسي في شهادة أمام لجنة فرعية في مجلس الشيوخ حول المساعدات الأمريكية لمصر.

«سيكون لدينا في مجلس النواب عدد من النواب الديمقراطيين الجدد الذين يتمتعون بالخبرة في السياسة الخارجية، ومن بينهم أنا، والذين لا يتوقع أن يقبلوا الحُجة القائلة بإن استمرار حكم الديكتاتور ضروري لضمان الاستقرار» يقول مالينوفسكي لـ«مدى مصر»، مضيفًا: «فأنا أعتبر سياسات الرئيس السيسي كارثية من وجهة نظر حقوق الإنسان وكذلك الأمن القومي الأمريكي. ولا أرى أن مصر قدّمت أي شيء على الإطلاق لدعم الولايات المتحدة، وبالتالي فليس هناك من مُبرر لتقديم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية لها».

يضيف عضو الكونجرس المنتخب أنه يعتزم الدفاع عن حقوق الإنسان في الكونجرس، ويعتقد أن العلاقة بين واشنطن والقاهرة ستخضع لمزيد من التدقيق في مجلس النواب.

«لن أقدم الآن أي وعود، ولكنني أعتقد أننا سنرى تسليطًا للضوء على مصر، ويرجع ذلك إلى أن بعض مَن فازوا في الانتخابات يهتمون حقًا بحقوق الإنسان، إضافة إلى أن الحكومة المصرية أخفقت في شرح ما الذي تحصل عليه الولايات المتحدة من علاقتها بمصر» يقول مالينوفسكي، موضحًا: «كما أتوقع تصاعد الانتقادات لعلاقة الولايات المتحدة بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج، وقد يكون لذلك بعض التأثير على كيفية النظر إلى مصر».

وإضافة إلى الأغلبية الجديدة في مجلس النواب وفي ضوئها  فسوف يسيطر الديمقراطيون على جميع اللجان واللجان الفرعية في المجلس، ومن بينها اللجان الثلاث التي تؤثر بشكل مباشر على مصر: العلاقات الخارجية والاعتمادات المالية والقوات المسلحة، على الرغم من أن القيادة الديمقراطية القادمة لا تبدو فعّالة بالقدر الكافي.

فمن المتوقع أن يكون الرئيس الجديد للجنة الشؤون الخارجية إليوت إنجل، النائب عن ولاية نيويورك. ويُعرف عن إنجل سخطه على إيران وتأييده لإسرائيل، كما كان قد انتقد الرئيس أوباما بشدة لتعليقه المساعدات العسكرية لمصر في أعقاب «مذبحة رابعة».

«في إدارة السياسة الخارجية لأمريكا، هناك أوقات لا تتفق فيها قيمنا مع مصالحنا الأمنية تمام الاتفاق» قال إنجل في أكتوبر 2013، موضحًا -وقتها- أن «الوضع في مصر اليوم هو مثال على ذلك».

وعلى الرغم من ذلك، يقول ميلر إن إنجل «بدأ مؤخرًا  ينتقد ما يحدث في مصر  بشكل متزايد». وهو ما يعكس اتجاهًا معتادًا في واشنطن هو أن الحزب الذي لا يسيطر على البيت الأبيض يستطيع انتقاد موضوعات مختلفة بجرأة، من بينها قضايا السياسة الخارجية.

«الديمقراطيون في المعارضة الآن. وعندما تكون مُعارضًا، تصبح أقل قلقًا بشأن الأشياء منك عندما تكون في السلطة» يقول ميلر، ويوضح: «حتى بعض الديمقراطيين الذين ترددوا في انتقاد مصر في عهد أوباما، لن يترددوا في الوقت الراهن، لأنهم لن يخاطروا بإثارة التوتر بين الدولتين. إنه عدم اتساق في المواقف، ولكنها حقيقة الحياة السياسية في واشنطن».

وليس من المُنتظر أن يكون كل الديمقراطيين أكثر صراحة في انتقاداتهم. فمن المُرجح أن ترأس نائبة نيويورك نيتا لوي لجنة الاعتمادات المالية، ذات التأثير القوي والتي تتحكم إنفاق الحكومة الفدرالية. وبحسب ميلر، فإن لوي «هي أكثر الديمقراطيين مقاومة لتغيير طبيعة العلاقات مع مصر».

في السياق ذاته، سيرأس عضو الكونجرس آدم سميث لجنة القوات المسلحة، والتي تُشرف على الشؤون العسكرية والإنفاق الدفاعي في الخارج. وسميث هو أحد صقور الديمقراطيين، حيث حصل على آلاف الدولارات من تبرعات مُصنعي الأسلحة الكبار لحملته الانتخابية في العام الجاري، وكان واحدًا من بين 16 نائبًا عن الحزب الديمقراطي فقط صوّتوا عام 2016 ضد مشروع قرار لمنع بيع الأسلحة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية في حال كان الغرض استخدامها في الحرب اليمنية.  إلا أن موقفه أيضًا تغيّر في العام الماضي، عندما وقّع على مشروع قرار لإنهاء الدعم العسكري الأمريكي للحرب في اليمن. وسبق أن قال سميث إنه يعتزم زيادة الرقابة على الجيش، والتدقيق في نفقات «البنتاجون» لضمان إنفاق أموال دافعي الضرائب بحكمة.

«لا يرغب البعض في وقف الدعم الأمريكي مصر، لأنهم يخشون عدم الاستقرار. ولا أتوقع أن يحدث أي تغيير في هذه الرؤية» تقول دَن. «ولكنني أعتقد بالفعل أن الوضع سيصبح أكثر سلبية بالنسبة للسيسي في واشنطن».

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس