«الجمعيات الأهلية» بين الإقرار والتعديل.. هوى الرئيس يحكم قانون القصبي
 
 
السيسي يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب - المصدر: الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية
 

تغيرت المواقف من قانون الجمعيات الأهلية من الموافقة إلى الرفض بعد مرور نحو 18 شهرًا، وذلك بعدما قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أيام تعديل القانون، الذي كان قد رفض تعديله في ديسمبر الماضي. وعلى خطى الرئيس، انضم البرلمان سريعًا لمعسكر تعديل القانون بعد أن كان أقره في حينه أيضًا بأغلبية ثلثي أعضائه.

تغير المواقف جاء بعد أن طلب الرئيس التعديل، وهو ما كان سببًا كافيًا لأعضاء بـ «النواب» للبدء في العمل على التعديل، على الرغم من أن الطلب لم يصاحبه الوضوح الكافي لمعرفة وجه التغيير الذي ينشده الرئيس، وإن كان توجهًا ظاهريًا أتى كرد فعل لمطالبة إحدى المشاركات في منتدى الشباب العالمي، أو كان طلب بعد دراسة ووقت مورست خلاله ضغوطًا تطالب بالتغيير، كان أبرزها من أعضاء بالكونجرس الأمريكي.   

السيسي يريد

وكيل لجنة التضامن بمجلس النواب، محمد أبو حامد، من جانبه، يقول إنه، «لا يوجد أحد يزايد على رئيس الجمهورية بحكم منصبه وخبرته فيما يحفظ الأمن القومي، وطالما سيادته قال إن القانون محتاج تعديل فبالتأكيد الأمر يحتاج إلى إعادة نظر وإحنا في اللجنة ما عندناش أي غضاضة إننا نعيد النظر في القانون لأنه في النهاية همنا الصالح العام».

ويفسر أبو حامد لـ «مدى مصر» بأن عمل لجنة التضامن بمجلس النواب، وقت إعداد القانون، كانت تسيطر عليها تخوفات مرتبطة بشكل مباشر بما يخص الأمن القومي، و إمكانية دخول أنشطة تضر الأمن القومي للبلاد من خلال العمل الأهلي، من خلال منظمات محلية أو أجنبية، مضيفًا أن التخوف الأبرز كان له علاقة بالأموال، لأنه كثيرًا ما تجمع أموال في العمل الأهلي لأهداف وأغراض وتنفق في أغراض مختلفة.

ويلفت أبو حامد إلى أن البرلمان كان يريد من خلال قانون الجمعيات، حوكمة الإجراءات المتعلقة باستقبال وصرف الأموال الخاصة بالعمل الأهلي من ناحية، ومن ناحية أخرى وضع ضوابط لمنع استغلال تلك الأموال في أمور تضر الأمن القومي، موضحًا أنه وقتها كان هذا التخوف مشروع لأن البلد «تضررت ضرر بالغ نتيجة وجود تمويلات تدخل على أساس استخدامها في العمل الأهلي ولكن يتم استخدامها في أغراض تضر  الأمن القومي»، بحسب أبو حامد.

وكانت إحدى المشاركات في منتدى الشباب العالمي، قد قالت للسيسي في 5 نوفمبر الجاري، إن «قانون منظمات المجتمع المدنى أصبح يمثل عائقًا كبيرًا  في ممارسة العمل الأهلي وأصبح عبئًا كبيرًا يمنع الجمعيات الأهلية من مساعدة الناس»، وطالبته باستخدام صلاحياته الدستورية لإعادة القانون للبرلمان لمناقشته، وإعداد حوار مجتمعي بشأنه يشارك فيه الشباب، وهو ما رد عليه السيسي بأنه متفق معها لأنه مؤمن بما تقوم به منظمات العمل الأهلي، مضيفًا: «القانون به فوبيا لأنه كان في تخوف على مصر من المنظمات، ولهذا القانون لم يفعل طوال الفترة الماضية على أمل أن نتحرك في إعادة صياغته بشكل يتناسب مع الدور الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني التي يزيد عددها عن 50 ألف جمعية».

وفي ختام المنتدى، وضمن توصياته، كلف السيسي الحكومة بتشكيل لجنة تشمل وزارتي التضامن الاجتماعي والخارجية والأجهزة المعنية بالدولة، لإعداد تصور كامل لتعديل القانون المنظم لعمل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، من خلال الاطلاع على التجارب الدولية، وإجراء حوار مجتمعي شامل يشارك فيه مجموعات شبابية متنوعة تمهيدًا لعرضه على البرلمان.

من جهته، يؤكد أبو حامد أن حديث السيسي عن قانون الجمعيات مبني على دراسات للأثر التشريعي للقانون، وليس وليد صدفة خلال منتدى الشباب، لافتًا إلى أن تأخير إصدار اللائحة التنفيذية للقانون طوال الفترة الطويلة الماضية -18 شهرًا- يعكس أن مؤسسة الرئاسة كانت تخضع الأمر للدراسة قبل تنفيذ القانون.

ونشرت الجريدة الرسمية في 24 مايو 2017 قرار السيسي، بالتصديق على القانون، وبدء العمل بنصوصه، التي تلزم رئيس مجلس الوزراء بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون خلال شهرين من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

القصبي أم الجهات الأمنية

«لم يقتنع أحد داخل مصر أو خارجها بأن شيخ الطرق الصوفية هو من أعد قانون الجمعيات الأهلية» يقول مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن السلطة حاولت من خلال هذا القانون تجربة استخدام البرلمان في التسويق للقوانين الخلافية، فتم اختلاق أزمة بين وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي وبين لجنة التضامن بالبرلمان، على إثرها رفض البرلمان اعتماد مسودة قانون الجمعيات التي أعدتها الوزارة، ومرر المسودة التي قدمها رئيس لجنة التضامن عبد الهادي القصبي -شيخ مشايخ الطرق الصوفية-، لامتصاص الغضب الدولي تجاه القانون، بالتبرير بأنه من صنع السلطة التشريعية، وأن الحكومة لا تملك التدخل في عملها، كما قال الرئيس في كلمته بإحدى مؤتمرات الشباب، غير أن هذه الخطة لم تسهم سوى في التأكيد على أن القانون من صنع الأجهزة الأمنية، بحسب المصدر ، الذي فضل عدم ذكر اسمه.

وكان السيسي قد قال خلال إحدى جلسات المؤتمر الوطني الأول للشباب، في 10 ديسمبر 2016 الماضي، ردًا على استفسار لإحدى المشاركات، بشأن مدى إمكانية تعديل قانون الجمعيات، بأن مسودة القانون ما زالت معروضة على البرلمان، والرئاسة لا تستطيع التدخل في هذه المسألة طالما لم يتم موافاتها بالقانون في شكله النهائي بعد، مشددًا على احترامه الكامل لاستقلال السلطة التشريعية.

يشير مصدر الأمانة العامة لمجلس النواب، إلى أن قانون الجمعيات الأهلية الذي تبناه القصبي، ووافق عليه البرلمان في 29 نوفمبر 2016 بغالبية ثلثي أعضائه، كان سيقضى بعدم دستوريته آجلًا أو عاجلًا، خصوصًا وأنه يلزم الجمعيات بتنفيذ خطة الدولة وأولوياتها وهو ما يتعارض مع فكرة العمل الأهلي، ولكنه لم يطبق حتى الآن، ومن ثم لم يأخذ طريقه إلى المحكمة الدستورية العليا.

كما يشدد المصدر على أن السبب الرئيسي لحفظه في الأدراج طوال الـ 18 شهرًا الماضية، هو الضغوط الأمريكية التي لم تتوقف منذ الإعلان عن مسودة القانون، والتلويح بتقليص المعونة الأمريكية لمصر، خاصة وأن القانون يخاطب المنظمات الأجنبية العاملة في مصر، ويجعلها تعمل عند الحكومة المصرية.

وكان العضوان الجمهوريان بمجلس الشيوخ الأمريكي، جون ماكين ولينزي جراهام،  قد انتقدا إقرار السيسي للقانون، ووصفاه بـ «التشريع شديد القسوة».

وأشار النائبان المسؤولان عن إقرار الموازنة في مجلس الشيوخ، بما فيها موازنة المساعدات الأمريكية لمصر، بشقيها العسكري والاقتصادي، في بيان لهما عقب إقرار القانون إلى ضرورة النظر إلى حالة حقوق اﻹنسان عند النظر في المساعدات اﻷمريكية لمصر، واصفين القانون بأنه «خطوة إضافية في التضييق على عمل المجتمع المدني في مصر، ويرتبط بالقضية 173 المعروفة باسم قضية منظمات المجتمع المدني، التي يُلاحق بموجبها عدد من الحقوقيين والمنظمات الحقوقية المصرية بتهمة الحصول على تمويل أجنبي بشكل غير قانوني».

تعديلات أم قانون جديد

«الرئيس يمتلك رؤية شاملة بشأن القانون لكننا لا نعرفها حتى الآن» يؤكد أبو حامد، مضيفًا أن السيسي حدد مسار التعامل مع قانون الجمعيات الأهلية الحالي في وجود لجنة لبحث آلية التعديل، ومن المفترض أن خطاب التكليف الذي صدر من الرئيس لرئيس الحكومة، والذي بموجبه شكلت لجنة تعديل القانون، ينطوي على وجهة نظر تفصيلية من مؤسسة الرئاسة والهيئات التابعة  لها، حول ما يجب إعادة مناقشته وماهية التعديل، والبنود التي يجب أن تكون محل نظر أو نقاش أو تقييم من قبل اللجنة.

ويوضح وكيل لجنة التضامن بمجلس النواب أن بدون الكشف عن خطاب تكليف الرئيس للحكومة بتعديل القانون، هناك حالة عامة من عدم الوضوح تميز النقاشات الحكومية الخاصة بقانون الجمعيات الأهلية، مفسرًا بأن قرار رئيس الحكومة يتحدث عن أن اللجنة ستعقد حوارًا مجتمعيًا لتقديم مشروع قانون يعكس تقدير الدولة المصرية للجمعيات الأهلية، ومن ثم فهذا يعني وفقًا لأبو حامد إن اللجنة قد  تقوم بإعداد تعديلات للقانون الحالي، والبناء على ما بذله البرلمان من جهد، أو أنها ستعد مشروع قانون جديد من الألف للياء.

ويشير أبو حامد إلى أن هناك حالة من عدم الوضوح تسيطر على غالبية التفاصيل المرتبطة بآلية عمل اللجنة الحكومية، موضحًا أن اللجنة الحكومية ستجري حوارًا مجتمعيًا ستدعو له من تحددهم من ممثلي الجمعيات، ولكن حتى الآن لا نعرف إذا كنا كلجنة تضامن بالبرلمان سنمثل داخل اللجنة، وسيسمح لنا بحضور اجتماعاتها لمتابعة ما ستسفر عنه مناقشاتها، خصوصًا وأننا الجهة المعنية بالتنفيذ وإقرار التعديلات أو القانون الجديد.

وقرر رئيس الوزراء في 7 نوفمبر الجاري، تشكيل لجنة وزارية تضم وزارات التضامن و الخارجية والعدل، لتعديل القانون وإجراء حوار مجتمعي بشأنه.

في المقابل تشكك المحامي الحقوقي، نجاد البرعي، في وجود إرادة حقيقية لدى السلطة في تحسين سمعة قانون الجمعيات الأهلية، مفسرا لـ «مدى مصر» أن الحكومة تستطيع أن تطالب البرلمان بإقرار القانون الذي سبق وطرحته الدكتورة غادة والي على البرلمان من قبل، والذي يتضمن مسودة المشروع الذي سبق وأعدها وزير القوى العاملة الأسبق، الدكتور أحمد البرعي، وقت وجوده في الحكومة متضمنة بعض التعديلات في بعض المواد، وتختصر الوقت.

ويوضح البرعي أن المشكلة ليست في إقرار قانون والي أو إلغاء قانون القصبي وإنما في وجود رغبة في التنفيذ، لافتًا إلى أن الحكومة تستطيع استخدام نصوص القانون الحالي مع تنفيذ أكثر ديمقراطية لو خلصت نواياها في عدم عرقلة العمل الأهلي، لأن  السنوات الماضية كشفت أن الأزمة ليست في نصوص الدستور أو القوانين، وإنما في المناخ السياسي.

وكان مجلس الوزراء قد أعلن في 20 أكتوبر 2016، موافقته على مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي أعدته وزارة التضامن الإجتماعي، منذ عهد ترأس الدكتور أحمد البرعي لها وقد قامت الوزيرة غادة والي بعقد جلسات حوار  مجتمعي على مواده وإدخال تعديلات طفيفة عليه.

وفي 23 أكتوبر نفسه، قررت لجنة التضامن بالبرلمان عدم انتظار مشروع والي، و مناقشة مشروع قانون سبق وتقدم به القصبي في بداية عام 2016، دون دعوة وزيرة التضامن لأي من اجتماعاتها، وعرض رئيس البرلمان علي عبد العال القانون على النواب خلال جلستي 14 و15 نوفمبر 2016 في غياب الوزيرة أيضا، وعندما اعترض نواب تكتل «25/ 30» على قانون القصبي، وطالبوا رئيس البرلمان بانتظار قانون الحكومة،  قال عبد العال إنه اطلع على مشروع القانون المقدم من الحكومة، وتأكد من اتفاقه مع قانون القصبي في كثير من الأمور.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن