توقفوا عن لوم الضحايا من أقباط مصر

انطوت تغطية وسائل الإعلام المحلية والدولية على لوم ظاهر أو خفي للضحية، عقب الهجوم المسلح على أتوبيسين وميكروباص في محافظة المنيا يوم الجمعة 2 نوفمبر الجاري، والذي أسفر عن مقتل سبعة من الأقباط وإصابة 16 آخرين.

أبرزت وسائل الإعلام الحالة المزرية للطريق الذي وقع عليه الهجوم وناقشت نقص التواجد الأمني عليه، وهو ما أثار جدلًا على مدى الشهور التي سبقت الهجوم.

وفي برنامجه التليفزيوني «حقائق وأسرار» على قناة «صدى البلد»، أشاد البرلماني والصحفي مصطفى بكري بجهود قوات الجيش والشرطة، بقوله «أجهزة بلدنا لا تتوقف عن المتابعة، طب إيه اللي حصل؟ لماذا؟ نحن نعرف أن دير الأنبا صموئيل بالعدوة في المنيا مغلق، ما حدش بيدخله.. وإحنا عارفين كمان النزعة الدينية عند أبناء الشعب المصري مسلمين ومسيحيين.. اللي حصل أن المجموعة جت ومشيت في دروب بعيدة عن الكمائن الأمنية.. ودخلوا الدير، ثم خرجوا من الدير. وحدث أن الإرهابيين جاءوا عبر دروب جبلية، وانتظروهم في الدروب اللي هما عدوا عليها وحدث ما حدث».

وضعت وسائل الإعلام الأجنبية الهجوم في إطار دعم الأقباط المُفترض لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي. لا تعتبر تلك التغطية الإعلامية الهجوم مجرد حادثًا فرديًا فقط، لكنها تضع الأقباط كافة في سلة واحدة باعتبارهم من مؤيدي النظام، الذي يُسبغ عليهم «حماية خاصة»، كما يُكرّس كذلك لعزلة الأقباط واضطهادهم وتعرّضهم للقتل.

كان مسلحون إسلاميون فتحوا النار على أتوبيسات تغادر دير الأنبا صموئيل في محافظة المنيا بصعيد مصر في الثاني من نوفمبر. ويشبه الهجوم آخر وقع في مايو 2017، عندما فتح مسلحون النار على أتوبيس ينقل أقباطًا إلى الدير نفسه من أجل الصلاة والحج، ما أسفر عن مقتل 28 شخصًا.

وفي مجلة «نيويورك تايمز»، كتب ديكلان والش ومحمد عز مقالًا عن الهجوم في يوم وقوعه، ويمكن اعتباره نموذجًا لتغطية وسائل الإعلام الغربية لأقباط مصر. وتشير اللغة المستخدمة في تلك المقالات إلى أن الأقباط يدعمون نظام السيسي، وبالتالي فهم مسؤولون جزئيًا عن الفظائع المُرتكبة ضدهم.

تتراوح نسبة تلك الأقلية الدينية من 8 إلى 10 % من إجمالي عدد سُكّان مصر، وغالبًا ما يُحسبون على أنهم من مؤيدي النظام الحاكم المتحمسين. وتستند الجماعات الإسلامية إلى زعم غير صحيح بأن الأقباط يدعمون السيسي والنظام العسكري في مقابل الحصول على نوع من الحماية، على الرغم من تعنت الحكومة بشأن قوانين بناء الكنائس التمييزية -فقد وافقت الحكومة على أقل من 1 % من طلبات بناء الكنائس وأماكن العبادة المسيحية منذ 2017-.

بحسب مقال مجلة «نيويورك تايمز»، قال السيسي أكثر من مرة إنه «يضع المخاوف الأمنية على رأس أولويات نظام حكمه»، وهي عبارة ذات طابع بلاغي محض. كما أن تاريخ الصدامات الطائفية طويل وعميق في البلاد ولا يحتاج إلى «تدخل تنظيم (الدولة الإسلامية) لنشر بذور الفتنة»، كما ذكر الكاتبان.

لقد ساهمت حركات «القوميين» و«الإسلاميين» وحركة إصلاح الكنيسة في القرن التاسع عشر في إرساء أُسس الهوية الوطنية حديثة العهد حينها، ما تسبب في زيادة الهوة بين الأقباط والمسلمين في مصر. وعمل التدخل الغربي، سواء في حقبة الاحتلال البريطاني أو بسبب نزعة الهيمنة الأمريكية لاحقًا، على ترسيخ تلك الحركات والارتكاز على سمات قومية وعرقية في بناء الدولة. وانقسم الشعب إلى «أقلية» و«أغلبية» نتيجة محاولات تحديد الدولة القومية الحديثة ورسم حدودها.

تجادل الباحثة البارزة والمُنظّرة النسوية صبا محمود بأنه بحلول القرن العشرين، أخضعت الدولة ومؤسساتها الحياة الدينية لأشكال جديدة من اللوائح التنظيمية، ما تسبب في تفاقم الاختلافات الدينية. وهكذا «قرنت» الدولة الهوية الطائفية بالدين، ما جعل تلك الهوية تخضع إلى «معايير جديدة» أدّت إلى صعوبة تسمية أو تحديد التحيزات الدينية التي تمارسها الأغلبية في الدولة.

وفي سياق موازٍ، يمكن للمرء أن يسترشد بالعنصرية المُمنهجة في مجتمعات أمريكا الشمالية لكي يُدرك أن تلك الأوضاع تسهم في تطبيع التمييز المؤسسي من جانب الأغلبية المسلمة ضد الأقلية المسيحية في مصر. ومثلما لاحظ باحثون ونشطاء اجتماعيون منذ أمد طويل على الأقليات التي تعاني من التمييز والسكان الأصليين في كندا والولايات المتحدة الأمريكية، فإن التمييز العنيف تسبب في إنتاج شعور بـ «الهوية المحدودة» لدى المسيحيين في مصر.

وتبلور هذا التهميش للهوية القبطية على يد السياسيين الليبراليين في عشرينات القرن العشرين، حين وُسِم مكرم عبيد بأنه كان «مسلمًا بحكم الوطن ومسيحي بحكم الدين». والهوية المحدودة تعني أن عليك أن تُدين ما يميزك عن غيرك لكي تنال القبول والاعتراف. لكن، حتى لو نلت القبول، فإن عليك التحكم في عواطفك وأفعالك وأن تحرص على توقعات الناس. إذ يتحتم عليك حينها أن تصبح مُتحدثًا باسم مجموعة كاملة الناس، وتخشى أن تُحبط مَن يتوقعون منك الأسوأ دائمًا.

ولأن الهوية المحدودة تعني دائمًا أن عليك تبرير نجاحك وكافة أفعالك، فقد أصبحت الكنيسة تلعب دور الملجأ ومكان الروابط الاجتماعية؛ وأصبحت مساحة للتجمع الطائفي بهدف توفير الفرص والدعم المالي. ولقد توسع المجتمع المدني القبطي في أربعينيات القرن العشرين، عقب دخول جيل جديد من قادة مدراس الأحد إلى الأديرة وعملهم في الكنائس لتوفير الخدمات الاجتماعية والروحية وتوسيع نطاقها، حتى أصبحت نسبة كبيرة من الأقباط تعتمد على الكنيسة أكثر من أي وقت مضى.

وعلى غرار السياسة العنصرية الأمريكية، تطوّر نوع من الخجل المُتأصل من الأقباط المسيحيين في الواقع المصري. يُسمح لك أن تكون قبطيًا، ويُسمح لك أن تكون ناجحًا، ولكن لا يمكن أن تكون مسيحيًا وناجحًا في الوقت ذاته، إلا باستثناءات نادرة. خلافًا لذلك، فأنت تخاطر بإثارة غضب مُتعصبي الأغلبية الإسلامية، الذين يشعرون بالتهديد لأن قوة «الكفار» تفوق قوتهم. وفي 40 مقابلة أجريتها مع مهاجرين غادروا مصر إلى كندا والولايات المتحدة في الفترة من 1952 إلى 1975، تذكر الأقباط بوضوح التمييز بممارسات التوظيف في أقسام الدراسات العليا أو في الوظائف الخاصة، ما دفعهم للهجرة إلى دول الغرب.

وبعد سنوات من الإقصاء والتمييز الصريح في عهد الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات، ساد التمييز العنصري على نحو متزايد في أماكن العبادة والتجمعات الاجتماعية والقرارات المتعلقة بالتعاملات والأعمال التجارية. وأصبح اسم الشخص أو وشم الصليب على معصمه إشارة ودلالة على اختلافه.

وبعد سنوات من الركود الاقتصادي وعسكرة الدولة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، أثارت ثورة 2011 أملًا قصير الأمد، لكنه سرعان ما تلاشى مع صعود جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السلطة، وإخفاقهم التام بعد ذلك. ولم تسهم تلك التطورات سوى بزيادة الانقسامات التاريخية في البلاد، ما أدى إلى هجمات متواصلة على الأقباط من جانب أتباع تنظيم «الدولة الإسلامية» في مصر وغيرها من الحركات المسلحة التي ظهرت منذ 30 يونيو 2013.

وعادة ما يكون رد النظام على مثل تلك الهجمات هو إعلان الحداد الرسمي لبعض الوقت، وترديد شعارات جوفاء مثل «كلنا مصريون»، ثم يسود الصمت. وعندما تُحدد هوية المُعتدين وتلقي الشرطة القبض عليهم، فإن العدالة لا تتخذ مجراها. إذ تفرض الدولة جلسات مصالحة عُرفية، بدعم اضطراري من الكنيسة، وتنتهي غالبًا بالاكتفاء بتوبيخ الجُناة.

ما تحتاج إليه مصر اليوم ليس ديكتاتورًا «عادلًا»، يتغنى بشعارات الحماية. ولا تحتاج إلى مزيد من الأسلحة أو الحصون أو الجنود. تحتاج مصر إلى حكومة مستعدة لدعم ومساندة مَن يعيشون في فقر مدقع، ومَن يعانون من صعوبات في الحصول على الموارد، والذين يصبحون وقودًا لدعم التنظيمات المتطرفة.

ولهذا فإن تطوير التعليم، والرعاية الاجتماعية، والتواصل المجتمعي وإعادة التركيز على البنية التحية هي أمور حيوية لتطوير لغة الاحتواء.

يا لها من قصة محبطة ومُكررة في التاريخ المصري. ومع ذلك، مصر حالة فريدة، والشرق الأوسط ليس أكثر خطرًا أو عُنفًا من أي مكان آخر في العالم. بالسنوات الأخيرة، كما كتبت لوسي ريزوفا: «إن الانحسار العالمي للنزعة الاستبدادية قد أدى إلى تفنيد مطالبة الدول الغربية طويل الأمد بالعودة إلى الوضع الطبيعي (أو الاستثناء الإيجابي)».

إن مقتل 11 يهوديًا في كنيسة بيتسبرج في 27 أكتوبر الماضي كان بمثابة تذكرة صادمة. لقد استخدمت مجلة «نيويورك تايمز» لغة طنانة في تناولها لإطلاق رجل مُسلح النار على بيت للعبادة، مُتأثرًا بخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المُعادي للسامية والذي ينطوي على كراهية الأجانب. لكن، وعلى الرغم من إدانتها لمثل تلك الأعمال البغيضة ونقدها للرئيس الأمريكي، تواصل وسائل الإعلام الأمريكية ترويجها لخطاب الدولة المصرية غير الصحيح، وتتبنى رؤية استشراقية عتيقة عن الشرق الأوسط وشعوبه.

توقفوا عن توجيه اللوم للضحايا. هذه الفظائع لا تحدث دون سبب. وأي قول بخلاف هذا يُعتبر إهانة لذكرى مَن ماتوا.

ملحوظة: نشر هذا المقال بالتعاون مع «آكتف هيستوري»، والصور لـ روجيه أنيس.

اعلان
 
 
مايكل اقلاديوس