«جريمة العالمي».. البيانات ليست للجميع
 
 
المتهم المقبوض عليه بتهمة اختراق بيانات حسابات على فيسبوك
 

أمس اﻷول، أعلنت وزارة الداخلية أن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات نجحت في القبض على أحد الأشخاص بتهمة تصميم برنامج «يُستخدم فى الاستيلاء على البيانات السرية لأي شخص لديه حساب بموقع فيس بوك (أرقام الهواتف المسجل بها الحسابات، وكذا عناوين البريد الإلكترونى الخاصة بتلك الحسابات)» و«بيع تلك البيانات لآخرين مقابل مبالغ مالية واستخدامها فى الدعاية والإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي».

الشخص المتهم، بحسب بيان الداخلية، هو «أحمد م.م، مواليد 1992، مدير شركة». تعرف آلاف من المتابعين عليه، وأعربوا عن غضبهم من القبض عليه. يُعرف بـ «العالمي»، واسمه أحمد ماهر. لقب «العالمي» شائع للإشارة إليه من قبل زملائه العاملين ضمن شبكته من مستخدمي برنامجه في مجال التسويق اﻹلكتروني. يتحدث في مؤتمرات التسويق اﻹلكتروني، ويظهر في برامج الفضائيات الحكومية المصرية. زملاؤه أيضًا عالميون، الجروب الذي يجمعهم على فيسبوك اسمه «العالميون» (والذي أُغلق على ما يبدو بعد القبض عليه). هاشتاج #خليك_عالمي ستجدونه كثيرًا إلى جانب هاشتاج  #‏متضامن_مع_المهندس_أحمد_ماهر‬.

استهجن كثيرون خبر القبض على«العالمي»، وهو أمر ظهر في آلاف التعليقات على بيان وزارة الداخلية. اعتبر أحدهم أنه «موهبة المفروض الاعتناء به واستخدامه بدل بهدلته والقبض عليه والتشهير به». أشار آخر -والذي كان مُرشحًا سابقًا لمجلس النواب بحسب تعليقه– إلى أنه اشترى وقت ترشيحه أسطوانة تحمل أسماء وأرقام تليفونات جميع المواطنين الذين يحق لهم التصويت لاستهدافهم في دعايته الانتخابية. ولهذا لا يرى المرشح السابق لمجلس النواب فارقًا بين العالمي ووزارة الداخلية في هذا الموقف.

أحد التعليقات لخص معظم اﻵراء التي يتداولها المدافعون عن العالمي. بحسب رأيه، فإن النيابة ستحفظ القضية إذا قدم لها محامي «العالمي» حجج قانونية تتلخص في أن البيانات التي يجمعها العالمي هي بيانات عامة متاحة على فيسبوك، وأن جمع البيانات العامة ليست جريمة، وأن «ترك بيانات شخصية للعامة كأرقام الموبيل واﻹيميل بسبب استفسار عن منتج أو خدمة على الصفحات مسؤولية صاحبها و يعتبر إقرار ضمني منه باستخدام هذه البيانات للجميع دون الرجوع له».

القبض على «العالمي» جاء بعد شهور قليلة من إقرار قانون الجريمة اﻹلكترونية، الذي يأتي ضمن محاولات سيطرة الحكومة تشريعيًا وقضائيًا على فضاء اﻹنترنت والاتصالات الذي انفجر في وجه الدولة قبل أعوام. يرى حسن اﻷزهري، المحامي بمجال الحقوق الرقمية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن «العالمي» ربما خالف نصوص القانون التي تتعلق بحماية بيانات المستخدمين. لكن بحسب رأيه، لا تهدف هذه التشريعات إلى حماية بيانات المستخدمين حقًا. يمكن رؤية هذا فيما تحلله الدولة والشركات الكبيرة لنفسها وتحرمه على «العالمي».

ماذا فعل «العالمي»؟

البرنامج الذي صممه «العالمي» اسمه «AMControls»، ويستخدم في مجال التسويق اﻹلكتروني. بحسب بيان وزارة الداخلية، ويبلغ سعره 15 ألف جنيه.

تتوافر شروح مختلفة للبرنامج على يوتيوب، يسجل مستخدم البرنامج دخوله بحسابه على فيسبوك. وعبر هذا الحساب، يجمع البرنامج قدرًا هائلًا من البيانات من حسابات اﻷصدقاء والصفحات التي يعجب بها والجروبات التي يشترك فيها، وحسابات المعجبين بهذه الصفحات والمشتركين في هذه الجروبات. كل الحسابات التي يستطيع الوصول إليها عبر هذا الحساب، وكل البيانات التي يمكنه تجميعها. اﻷسماء وأرقام الموبايل وعناوين البريد اﻹلكتروني والمحافظات التي يعيشون فيها ونوعهم الاجتماعي ووظائفهم، كما يمكن البحث باستخدام كلمات مفتاحية، وتحديد الحسابات أو الصفحات أو الجروبات التي يبحث خلالها. ويمكن للمستخدم كذلك نقل كل هذه البيانات منظمة ومصنفة في ملفات نصية أو جداول بيانات.

بيان «الداخلية» وصف ما يفعله البرنامج بأنه «اختراق». لكن أحمد غربية، المتخصّص في تقنية المعلوماتية والخصوصية الرقمية، يشير إلى خطأ هذا الوصف، موضحًا أن «فعل النفاذ وجمع البيانات ما فيهوش اختراق».

إذًا، الوصف الدقيق هو «الاستخلاص scraping»، حيث يستخلص البرنامج كافة البيانات التي يستطيع الوصول إليها عبر حساب المستخدم على فيسبوك. وتكون بعض البيانات التي يجمعها عامة ومتاحة لكافة المستخدمين، والبعض اﻵخر بيانات قرر أصحابها إتاحتها ﻷصدقائهم أو لمجموعة منهم فقط، وحين يستخلصها البرنامج إلى قاعدة بياناته، فإنه يخرجها إلى حيز البيانات العامة دون موافقة أصحابها.

يتعقد الموقف أكثر ﻷن «العالمي» كان ينسخ لنفسه نسخة من كل البيانات التي يحصل عليها مستخدمي برنامجه عبر حساباتهم ليبيعها، فيما تنص شروط وأحكام استخدام البرنامج على أن «كل ما يقوم به المستخدم من أعمال وكل ما يضعه المستخدم من بيانات يصبح ملكية خاصة للشركة [المالكة للبرنامج] فقط»، وأنهم يقومون «بجمع كل البيانات الممكنة».

تستخدم هذه البيانات في كل شيء؛ استهداف الزبائن المحتملين بدعاية موجهة، والتعرف على الناخبين في الحملات الانتخابية. أحد مستخدمي البرنامج من المسوقين اﻹلكترونيين في شرح فيديو أجرى بحثًا باستخدام البرنامج حول الراغبين في بيع سيارات تويوتا بأسعار تتجاوز 100 ألف ريال في إحدى مدن السعودية. الهدف من وراء البحث بحسب تعبيره هو أن «الناس دي من فئة مالية معينة» و «هقدر أبيع لهم حاجة غالية».

يحتمل أيضًا أن هذه البيانات قد تستخدم في أغراض أخرى، فوفقًا لمبرمج ومتخصص في مجال التسويق الرقمي -تحدث إلى مدى مصر بشرط عدم ذكر اسمه- اعتاد «العالمي» إرسال رسائل «سبام» لكثير ممن حصل على بياناتهم كما أنه اعتاد معاقبة من يبدون اعتراضهم. «هو شخصيًا بيسبام الكلام ده، وبيسبام بمعنى كل ربع ساعة رسالة»، يقول المبرمج، «ولو زهقت وزعقتله مثلًا اضمن إنك هتغير الرقم ده من كتر الرسايل».

هل تجاوز «العالمي» حدوده؟

تمنع شروط استخدام فيسبوك المطورين بشكل واضح من إجراء أي عملية استخلاص للبيانات ونقلها ﻷي شبكة إعلانات أو تجار بيانات أو أي خدمة أخرى شبيهة. ومخالفة هذه الشروط قد تتسبب في تعليق الحساب. ويعرف مستخدمو برنامج «العالمي» هذا، ويعرفون أن فيسبوك يحاول استكشاف مستخلصي البيانات طوال الوقت. ولهذا يقدم البرنامج إمكانية تُبطئ من عملية الاستخلاص في محاولة لتجاوز أدوات فيسبوك.

وعلى عكس برنامج «العالمي»، لا يشارك فيسبوك مع المعلنين أي بيانات تمكنهم من تحديد المستخدم شخصيًا طبقًا لسياسات الخصوصية المنشورة على موقعهم على الرغم من حصولهم على موافقة المستخدمين على تجميع هذه البيانات، كما يشير المبرمج.

لهذا يرى المحامي حسن اﻷزهري أن نشاط «العالمي» ربما يكون مخالفًا لبعض مواد قانون الجريمة اﻹلكترونية فعلًا. فعلى سبيل المثال، تعاقب المادة (21) بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه لكل من «أجرى بدون وجه حق معالجة إلكترونية للبيانات الخاصة» بإحدى الشبكات. كما تعاقب المادة (25) بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه كل من «أرسل بكثافة العديد من الرسائل الاليكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته». بحسب رأي اﻷزهري، فإن ظاهر نصوص هذه المواد تؤكد إدانته، خصوصًا مع عدم وجود لائحة تنفيذية للقانون أو سوابق قضائية مماثلة.

لكن الممنوع في حالة «العالمي» مسموح في حالة الدولة والشركات الكبيرة. تستخدم كل المواقع اﻹلكترونية الكبيرة أدوات تعقب خاصة بها أو حصلوا عليها من شركات متخصصة. تجمع هذه اﻷدوات كل ما يمكنها جمعه من بيانات في محاولة لخلق بصمة واحدة لكل مستخدم «fingerprinting». الهدف هو التوصل إلى بروفايل فريد لكل مستخدم، وهو ما يتم عبر جمع أكبر قدر من البيانات من المتصفحات واﻷجهزة والحسابات. لهذا تجمع أدوات التعقب كل شيء؛ أرقام تسلسل أجزاء الكمبيوتر أو الموبايل، نظام التشغيل، اللغة المستخدمة، الموقع الجغرافي، أبراج المحمول القريبة، كل ما يمكنك أن تفكر فيه. فيسبوك وجوجل هم اﻷكثر تطورًا في هذا المجال لتمتعهم بقاعدة قوية تتمثل في مستخدميهم، لكن هذا يحدث من الجميع. على سبيل المثال، تظهر إضافات منع برمجيات التتبع أن موقع صحيفة اليوم السابع يقوم بتحميل الآلاف من أدوات التتبع إذا تُركت صفحة واحدة من موقعهم مفتوحة لعدة دقائق دون تنبيه القراء بأي طريقة أو الحصول على موافقتهم.

حتى مسألة الحصول على موافقة المستخدمين على جمع واستخدام بياناتهم ربما ليست كافية. أجرى أستاذان جامعيان من أمريكا وكندا دراسة حول الطريقة التي يتعامل بها المستخدمون مع هذه الشروط. الدراسة حملت عنوان «الكذبة اﻷكبر على اﻹنترنت»، وشملت 543 من طلاب إحدى الجامعات اﻷمريكية. يشترك الطلاب في التجربة على شبكة تواصل اجتماعية وهمية لها شروط استخدام وسياسة خصوصية غير معقولة. على سبيل المثال، يوافق المستخدمون بموجب شروط الاستخدام على منح طفلهم اﻷول إلى الشركة صاحبة شبكة التواصل كمقابل لاستخدام الشبكة. كما يوافقون أيضًا بموجب سياسات الخصوصية على مشاركة بياناتهم مع موظفي الشركة ووكالة اﻷمن القومي اﻷمريكية. النتيجة كانت أن 93% من الطلاب وافقوا على منح طفلهم اﻷول إلى الشركة، و97% على مشاركة بياناتهم مع موظفي الشركة ووكالة اﻷمن القومي اﻷمريكي. لا أحد يقرأ شروط الاستخدام أو سياسات الخصوصية. بحسب الدراسة، فإن هذه التفاصيل تُعرض بشكل يُشجع على تجاهلها.

الدولة من جانبها تحاول بكل جهدها الحصول على نصيبها. في 2016، أغلقت مصر مشروع فيسبوك المجاني بعدما رفضت الشركة إطلاعها على بيانات العملاء، حسبما كشفت وكالة رويترز. كما تفاوضت مصر في 2017 مع شركتي النقل التشاركي أوبر وكريم لمنحها حق اﻹطلاع على بيانات العملاء بما فيها الخريطة الحية لكل الرحلات، بحسب مصادر نقلت عنها صحيفة نيويورك تايمز. رفضت شركة «أوبر» الطلب ولم يكتمل التعاون مع شركة «كريم»، لكنهما أصبحتا مضطرين إلى تقديم جزء منها على اﻷقل بعد إقرار قانون ينظم عملها منح الجهات الأمنية حق الاطلاع على بيانات هذه الشركات في أي وقت دون الحاجة ﻹذن قضائي.

وفي عالم تسعى فيه الشركات الكبيرة إلى تجميع البيانات واحتكارها وتحاول فيه الدول الحصول على نصيبها، تطالب العديد من اﻷطراف بإعادة النظر في مسألة استخلاص البيانات. خلال جلسة استماع حول الخصوصية والبيانات أمام لجنة التجارة الفيدرالية في أغسطس الماضي، دافعت مؤسسة الجبهة الإلكترونية، وهي منظمة غير ربحية تختص بالحقوق الرقمية، عن حق الجميع في استخلاص البيانات من اﻹنترنت. بحسب رأي المؤسسة، فإن الاستخلاص هو مجرد تصفح للإنترنت لكن بشكل إلكتروني؛ «لا يوجد شيء يمكن لمستخلص اﻹنترنت فعله ولا يستطيع اﻹنسان أن يفعله باستخدام متصفح للإنترنت».

جادلت المؤسسة أيضًا بأن استخلاص اﻹنترنت أمر يمارسه الجميع، بما فيها الشركات التي تمنع اﻷطراف اﻷخرى من استخلاص البيانات منها. فيسبوك وجوجل مثلًا لديهم أكواد تعقب في 25% من أكبر مليون موقع على اﻹنترنت، حسب إحصاءات ذكرتها خلال جلسة الاستماع.

في هذا العالم، يرى اﻷزهري أن التشريعات الحالية لا تهدف في الحقيقة إلى حماية بيانات المستخدمين وخصوصيتهم، ولكن إلى تخويفهم.

يلاحظ غربية أن نشاط «العالمي» لا ينتهك الخصوصية إذا التزمنا بالمفهوم التقليدي للخصوصية. لكن «تعريف انتهاك الخصوصية حاليًا بقى ياخد في الاعتبار الشمولية والقدرة الكبيرة للنظم على تجميع البيانات من مصادر مختلفة، زي ما في ديباجة وثيقة المبادئ الثلاثة عشر لمراقبة الاتصالات»، يقول غربية. وانطلاقًا من هذا المفهوم الجديد، يصبح الانتهاك فادحًا «سواء وقع من طرف فيسبوك أو أطراف غيره قدروا يستغلوا البيانات المتراكمة فيه».

قبول المستخدم نقطة جوهرية، يشير غربية، لكن الجهد ينصب حاليًا على تحديد حدود القبول والتزامات فيسبوك وأقرانه مقابل هذا القبول، باﻹضافة إلى وجود آليات للشفافية والمحاسبة كما جاء في وثيقة مبادئ سانتا كلارا.

قدرة «العالمي» على استخلاص كمية كبيرة من البيانات ربما أغرته باستخدامها بشكل غير ملائم. يدفع هذا للتفكير في حجم اﻹغراءات التي تواجه فيسبوك مثلًا أو الدولة المصرية كل يوم. بحسب رأي اﻷزهري، من الضروري إصدار قوانين تنظم حماية البيانات بصفة عامة ويخضع لها الجميع على قدر المساواة. وحتى يحدث هذا، سيستمر أصحاب الخطيئة في رمي «العالميين» بالحجر.

اعلان
 
 
محمد حمامة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن